رئيس التحرير: عادل صبري 10:57 مساءً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

هندسيًا.. لماذا غرقت الإسكندرية؟

هندسيًا.. لماذا غرقت الإسكندرية؟

ساحة الحرية

محمد أحمد محمود - مهندس استشاري بالسعودية

هندسيًا.. لماذا غرقت الإسكندرية؟

محمد أحمد محمود 23 نوفمبر 2015 22:53

بعيدًا عن مسئولية السيسي والمحافظ المُقال والمحافظ اللي قبله والمحافظ اللي قبل اللي قبله ومسئولي المحليات ومرسي والإخوان بتوع زمان والإخوان اللي فضلوا لدلوقتي ونظرية "شوف بتكره مين أكيد هو السبب".. تعالوا نشوف رأي تاني ملهوش علاقة بالسياسة.


المحور الأول: تاريخ شبكة الصرف بالإسكندرية

عندما دخل الإسكندر الأكبر مصر سنة 333 قبل الميلاد بترحاب من أهلها الذين كانوا يعانون من الاحتلال الفارسي، قرر أن يبني لهم مدينة تحمل اسمه في قرية صيادين كانت تُسمى "راقودة" لتكون نقطة وصل بين مصر واليونان، وعهد ببنائها إلى المهندس دينوقراطيس، الذي شيدها على النمط اليوناني مؤسسًا بها أول شبكة لصرف الأمطار إلى البحر في تاريخ مصر.


ظلت شبكة صرف الأمطار تعمل بكفاءة إلى أن جُددت ووُسعت بقرار من الخديوي إسماعيل حيث تم تصميمها على غرار شبكة تصريف الأمطار لمدينة نيويورك الأمريكية.


وفي سنة 1878 كانت الإسكندرية أول مدن القطر المصري التي أدخلت نظام المجاري، حيث مُدت الشبكة الأولى من الصرف الصحي" target="_blank"> شبكات الصرف الصحي بعد 13 عامًا فقط من إنشاء أول شبكة صرف صحي في أوروبا افتتحها الأمير ويلز في لندن سنة 1865.


ومنذ ذلك الحين، وحتى عام 2004 عاشت الإسكندرية بشبكتين منفصلتين أحدهما لصرف الأمطار والأخرى منفصلة تمامًا للصرف الصحي.


قبل أسابيع من نهاية عام 2004 حينما صحى العالم مفجوعًا على خبر غرق 300 ألف من البشر في موجة تسونامي، كان اللواء عبدالسلام محجوب القادم إلى منصب محافظ الإسكندرية بعد تاريخ طويل من العمل مع القوات المسلحة يُعد بيانًا مُقتضبًا لوسائل الإعلام لم يعتمد على أي دراسة هندسية أو رأي هندسي أعلن فيه عن دمج شبكتي الصرف التاريخيتين بحجة الامتداد العمراني، ومنذ ذلك الحين باتت تسونامي شبحًا يراود أهالي الإسكندرية بفعل محافظها وليس بفعل الطبيعة.


لا يذكر سكان الإسكندرية موجات من الغرق جرت في الشتاء قبل عام 2009 حين تم الانتهاء من جريمة المحجوب في حق الإسكندرية.


المحور الثاني: الصرف الصحي وصرف الأمطار

يظن الكثيرون أنهما نظام واحد، والواقع أنهما نظامين مختلفين يتم تصميمهما وتنفيذهما لهدفين مختلفين تمامًا، حيث تصمم أنظمة تصريف الأمطار لتصريف كميات كبيرة من المياه تُجمع من الشوارع خلال فترة زمنية قصيرة، ولذلك تحتاج أنابيب ذات أقطار كبيرة جدًا يعتمد انسياب المياه فيها على الجاذبية، ولا تحتاج إلى معالجة وإنما تُصرف إلى الأودية والترع والبحار.


أما نظام الصرف الصحي فُيبنى تصميمه على تصريف كميات محدودة من المياه تُجمع من المنازل والمنشآت خلال فترة زمنية طويلة، ويمكن تقدير كمياتها بدقة، وهي تحتاج ـ بسبب محتواها ـ إلى أنظمة معالجة قبل التخلص منها في الأودية والبحار.


الكارثة تكمن في الاعتماد على أحد النظامين للقيام بدور الآخر، فعند استخدام بلاعات الصرف الصحي لتصريف الأمطار - كما يحدث في مصر- فإنها تتسبب في رد كميات كبيرة إلى محطات المعالجة غير المصممة لاستيعابها فتنسد أنابيب الصرف الصحي، وينتج عن ذلك الفيضانات المشاهدة أحيانًا في بلاعات الصرف الصحي، والتي تساهم في زيادة المياه في المنطقة الممطرة بدلًا من تقليلها، فضلًا عن فيضانات محطات المعالجة، والتي لا تتسبب فقط في تلف معدات المحطة، بل إنها تقضي على البكتيريا الحيوية التي تُستخدم في تحليل مياه الصرف الصحي، فتكون النتيجة سلبية وكارثية.


أما عند استخدام أنظمة تصريف الأمطار لتصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة فإنه ينتج عن ذلك انسداد القنوات المصممة لتصريف المياه فقط، والتلوث للأودية والترع والبحار التي يتم التصريف إليها دون محطات معالجة وتكون النتيجة أيضًا سلبية وكارثية.

 

المحور الثالث: مسئولية أنظمة الصرف المختلفة

على عكس ما قد يعتقده الكثيرون، فإن معظم دول العالم توزع مسؤليات نظامي صرف المطر والصرف الصحي على جهات مختلفة لاختلافهما تمامًا كما ذكرنا، حيث تكون مسئولية تصريف الأمطار لامركزية، بينما تتحمل الحكومة بشكل مباشر مسئولية تصريف مياه الصرف الصحي وما يترتب عليها من آثار.


في السعودية مثلًا: تتحمل أمانات المدن والبلديات (المحليات) مسؤولية تصريف الأمطار، بينما تتحمل وزارة المياه والكهرباء (الحكومة) مسؤولية تصريف مياه الصرف الصحي ومعالجتها من خلال شركات تابعة للوزارة.


وفي المدن الكبيرة كالعاصمة "الرياض".. تتشارك وزارة النقل مسئولية تصريف مياه الصرف الصحي من الشوارع الرئيسية للاستفادة منها في أعمال ري المسطحات الخضراء ومناطق التشجير على الرصيف.


المحور الرابع: تكلفة أنظمة الصرف

تنعكس مركزية نظام الصرف الصحي ولامركزية نظام صرف الأمطار على تكلفة كل منهما، فبينما يحتاج نظام الصرف الصحي إلى محطات معالجة وحسابات دقيقة لمقاسات المواسير، لا يحتاج نظام صرف الأمطار إلا إلى مواسير كبيرة ومناطق تجميع طبيعية كالأودية أو الترع أو البحار ومحطات ضخ في حالة كانت أماكن التجميع بعيدة نسبيًا.


في دبي مثلًا: عندما أطلقوا في مايو الماضي مشروع الصرف الصحي الجديد تحت اسم "مشروع القرن" خصصوا له 12 مليار درهم، بينما بعدها بشهر حينما أطلقوا في يونيو الماضي أكبر مشروع من نوعه في منطقة الشرق الأوسط لصرف الأمطار خصصوا له ملياري درهم فقط، على الرغم من أن الطاقة الاستيعابية لشبكة مشروع صرف أمطار دبي تبلغ أضعاف أضعاف شبكتها للصرف الصحي، كيف !!


المحور الخامس: وحدة قياس الطاقة الإستيعابية لأنظمة الصرف

تُقاس الطاقة الاستيعابية لنظام صرف مياه الأمطار بحجم المياه التي تستوعبها مواسير النظام في الثانية الواحدة، بينما تُقاس في نظام الصرف الصحي بحجم المياة التي تستوعبها محطات المعالجة في اليوم.


على سبيل المثال: الطاقة الاستيعابية لشبكة مشروع صرف أمطار دبي تُقدر بـ 65 مليون متر مكعب في الثانية الواحدة، بينما لا تحتاج دبي كلها لأكثر من مليون متر مكعب في نظامها للصرف الصحي الذي يحتاج لمحطات معالجة.


قبل أسبوع في مصر.. بررت وزارة الموارد المائية والري ما حدث في الإسكندرية بأن تقديرات المعاهد البحثية بالوزارة قدرت كمية الأمطار التي هطلت على منطقة غرب الدلتا (الإسكندرية والبحيرة) بـ 700 مليون متر مكعب، وقالت الوزارة بالنص: "هو رقم غير مسبوق".


في مشرع دبي لصرف الأمطار.. تلك الـ 700 مليون متر مكعب في شبكة صرف أمطار دبي تحتاج فقط إلى 11 ثانية، بينما لو كانوا اعتمدوا على نظام الصرف الصحي لصرف الأمطار لاحتاجوا لصرفها إلى أيام وإلى هدر ميزانيات في معالجة مياه لا طائل من معالجتها.


من 2004 وحتى اليوم.. جربت الإسكندرية محافظين من الجيش والشرطة والإخوان والنتيجة ستظل واحدة ولن تتغير لأن أحدًا منهم لم يلتفت لأصل المشكلة وهو فصل شبكة "صرف المطر" عن شبكة "الصرف الصحي".


في دبي فهموا الفكرة هندسيًا فصرفوا ملايين ليوفروا الملايين، وفي مصر قرارات المحافظين العسكرية أهم من أي هندسة أو علم أو تعليم! فصرفنا الملايين وخسرنا أرواحًا وممتلكات وملايين، لهذا لا داعي للاستغراب عندما نجد "الإمارات" تسبق بريطانيا وأمريكا في مؤشر جودة التعليم، والسعودية تحتل المركز 54 بينما تقبع مصر في المركز قبل الأخير رقم 139 متفوقة فقط على غينيا!


قبل يومين: صرحت محافظ الإسكندرية بالإنابة، الدكتورة سعاد الخولي، بأنه تم الاتفاق مع الهيئة العربية للتصنيع لشراء معدات "صرف صحي" لمواجهة أزمات "سقوط الأمطار".. وما زال الإصرار على جريمة 2004 مستمرًا.. أفيقوا يرحمكم الله.

 

محمد أحمد محمود
مهندس استشاري بالسعودية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان