رئيس التحرير: عادل صبري 10:12 مساءً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

الانتخابات في مصر.. ثورة الشباب الصامتة

الانتخابات في مصر.. ثورة الشباب الصامتة

ساحة الحرية

محمود طرشوبي

الانتخابات في مصر.. ثورة الشباب الصامتة

محمود طرشوبي 23 نوفمبر 2015 11:17


شهدت مصر في شهر أكتوبر الماضي، انطلاق أول جولة من الانتخابات البرلمانية، وفقًا لخارطة الطريق التي أعلنها السيسي. وبعد عامين أمضتهما مصر بدون مجلس تشريعي كان فيها الرئيس هو المشرِّع الوحيد، تم أخيرًا عقدت الانتخابات البرلمانية، والتي يجري التنافس فيها بين 5420 مرشحًا على 448 مقعداً فرديًا بينما يتنافس 420 مرشحًا في نظام القائمة المطلقة على 120 مقعدًا مخصصًا للقوائم.

وأظهرت المؤشرات الأولية للتصويت من المرحلة الأولى تدنياً ملحوظاً في نسبة المشاركة مع تضارب أقوال المسؤولين والجهات الرسمية ومنظمات مراقبة الانتخابات، حول نسبة المشاركة إلا أن رئيس الوزراء شريف إسماعيل أعلن أن نسبة المشاركة بلغت نحو 15%. ومن ناحية أخرى أعلن "المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام" ("تكامل مصر")، أنّ نسبة المشاركة في المرحلة الأولى بلغت 3.6 %.

ووفقًا للمؤشرات الأولية فقد شهدت المرحلة الأولى عزوفًا ملحوظًا عن المشاركة من قبل الشباب الذين يمثلون 60% ممن لهم حق التصويت. والشباب في مصر هم من يقعون في الفئة العمرية ما بين 18 - 29 عامًا. ويمكن القول أنّ تدني نسبة مشاركة الشباب في الاستحقاق الثالث لخارطة الطريق ترجع إلى عدة عوامل سياسية واقتصادية تجمعت لتولد حالة من الإحباط والغضب لدى شريحة كبيرة من الشباب الذي استشعر حالة التضييق على الحريات منذ يوليو 2013. إلا أنّ حالة الإحباط وعدم الرضا بين صفوف فئة الراشدين من السكان أقلّ بكثير منها عند فئة الشباب. والتفسير الأرجح لهذه المفارقة بين فئة الشباب والراشدين هو أنّ الأخير غالبًا ما يقيم أداء الحكومة من منظور الأمن والاستقرار على عكس الشباب الذي يهتم بشكل كبير بمسائل الإصلاح السياسي والاقتصادي. ومما زاد الطين بِلَّة، حالة التردّي المستمر للوضع الاقتصادي الذي انعكس بشكل كبير على الشباب وفشل نظام 30 يونيو في اتخاذ إجراءات وسياسات فعالة لاحتواء الأزمة.

وقد لعب الخطاب الإعلامي التحريضي الذي بات يهاجم ويهدد ويخون جميع الأصوات المعارضة للنظام السياسي الحالي دورًا كبيرًا في عزوف الشباب عن المشاركة، إضافة إلى تخلي النخبة المصرية عن الشباب المطالب بالإصلاح السياسي.

بالرغم من ظهور السيسي على شاشة التلفزيون يدعو المواطنين ويحثهم على ضرورة المشاركة في العملية الانتخابية، إلا أنّ دعوته لم تجد آذانًا صاغية بين فئة الشباب الذي أغلقت في وجهه جميع قنوات الرأي والتعبير خاصة بعد إصدار قانون التظاهر سيئ السمعة الذي أصدر في غياب البرلمان، والذي أطلق العنان لقوات الأمن لاستخدام القوة المفرطة ضد من تُسَوِّل له نفسه التظاهر ضد سياسات النظام الحالي.

وقد أدى قانون التظاهر إلى العديد من الاعتقالات بين صفوف الشباب خلال التظاهرات وأحداث العنف السياسي التي شهدتها مصر في الأشهر القليلة الماضية. وباءت دعوات الشباب إلى الرئيس لإصدار عفو عن المعتقلين السياسيين بالفشل. وطال هذا التضييق أيضاً مواقع التواصل الاجتماعي التي لعبت دورًا كبيرًا في اندلاع ثورة يناير. فخلال الأشهر الماضية تم اعتقال وسجن العديد من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبح كل من ينتقد النظام هدفًا للأجهزة الأمنية وفريسة لقضاء مُسيس يصدر أحكاما عشوائية وبالجملة.

وقد أدركت الغالبية العظمى من الشباب أن ثورتهم التي بذل فيها الدم والجهد ذهبت أدراج الرياح خاصة بعد أن شاهدوا عودة العديد من رموز نظام مبارك للمشاركة كمرشحين في العملية الانتخابية. ومن ثم كانت مقاطعة الانتخابات البرلمانية الحالية، الأداة الوحيدة والآمنة التي عبر من خلالها الشباب عن استيائهم من سياسة القمع والتهميش التي ينتهجها النظام، فكانت المقاطعة بمثابة إضراب صامت لم يعكس آراء الشباب في اختيار ممثليهم في البرلمان بل كان استفتاء على أداء نظام السيسي خلال الستة عشر شهراً التي مرت منذ انتخابه رئيسًا للجمهورية.

وقد لعبت الحالة الاقتصادية المتردية دورًا كبيرًا في عزوف الكثير من الشباب عن المشاركة، أولئك الشباب الذين قاموا بثورة كبيرة من أجل "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية" مطيحين بنظام مبارك ورموزه من الفاسدين، لم يستشعروا أية تغييرات اقتصادية، منذ وصول السيسي لسدة الحكم. وبالرغم من محاولة الحكومة تقديم حزمة من الخطط لمعالجة الوضع الاقتصادي الذي يعانى من تفشى الفساد، والبطالة، واتساع عجز الموازنة جراء دعم الوقود، إلا أنّ معظم تلك الخطط أثبتت عدم جدواها. وبدوره انعكس هذا الوضع الاقتصادي المتردي على الحياة اليومية للمواطن الذي أصبح يعانى من شبح الغلاء في ظل عجز النظام عن توفير أبسط احتياجاته من صحة وتعليم وخدمات. ولم يشعر هذا المواطن بأي مردود للمشروعات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة مثل مشروع قناة السويس الجديدة إضافة إلى المشروعات الوهمية التي أطلقها النظام مثل مشروع المليون وحدة سكنية ومشروع العاصمة الجديدة والذي تشدق بها الإعلام حتى اكتشف المواطن أنها كانت فقط لعبة غرضها الدعاية لإضفاء المزيد من الشرعية على النظام الحالي. فالمواطن الذي أصبح مشغول البال بقوت يومه نتيجة تردي الوضع الاقتصادي أصبح يعاني من الإحباط ولم يعد يؤمن بأن مشاركته في العملية الانتخابية ستغير من الأمر شيء.

ولم يقتصر الفشل على النظام السياسي فقط، بل امتد ليشمل النخبة السياسية التي فشلت في التواصل مع الشباب وقامت بتهميشهم. فقد اعتبرت أنهم مجرد شباب متحمس لا يمتلك الخبرات الكافية التي تمكنهم من المشاركة الفعالة في النظام السياسي، واعتمدت مواقف متنافية مع ما كان يصبوا إليه الشباب من إصلاح سياسي وحرية. فبدلاً من مساندة هؤلاء الشباب والاستفادة من طاقاتهم في تحقيق النمو الاقتصادي والإصلاح السياسي، ارتمت تلك النخبة في أحضان النظام وباتت تتهم الشباب المعارض بالخيانة والعمالة للخارج. حتى أنها بدأت تدعو النظام الحالي إلى ضرب المعارضة بقبضة من حديد. فتلك النخبة التي كان من المفترض أن تكون عوناً للشباب الذي يسعى إلى تحقيق الإصلاح، أصبحت، بتخاذلها، هي من تقف حائلاً أمام التحول الديمقراطي.

ولعب الإعلام الموالي للدولة والإعلام الخاص المملوك لرجال الأعمال، دوراً كبيراً في عزوف الشباب عن المشاركة في العملية الانتخابية. فهذا الإعلام الذي اتخذ موقفاً عدائياً ضد المعارضين من الشباب وأصبح يكيل لهم الاتهامات بمحاولة تدمير الدولة المصرية هو نفس الإعلام الذي حاول تحفيزهم وحثهم على المشاركة في العملية الانتخابية. وكأن الإعلام يدعوا الشباب إلى المشاركة في مسرحية هزلية هدفها حفظ ماء وجه النظام أمام العالم، وبعدها ينتهى دورهم بالتهميش المطلق. وبعد انتهاء اليوم الأول من التصويت وتأكد الإعلام أن الشباب قد قاطع بالفعل العملية الانتخابية، غابت البسمة الصفراء التي كان يرتسمها مقدمو البرامج الحوارية عن وجوههم طمعاً في دفع الشباب إلى المشاركة وحلت محلها لغة التهديد والوعيد. فهناك من الإعلاميين من هدد الشباب الذين قاطعوا الانتخابات بأنه لن يكون لهم أدنى حق في مطالبة الحكومة بخدمات أو وظائف وشككوا في وطنيتهم.

إن حالة الاحتقان السياسي الحالية التي تمر بها مصر لن تنتهي إلا إذا استفاق النظام الحالي وأدرك أن الشباب الذين قاموا في أيام معدودة بالإطاحة بنظام فاسد ظل قابعاً على صدورهم لسنوات عديدة، يمكنه أن يغضب ويثور مرة أخرى. وقد يري البعض أن عدم مشاركة الشباب في العملية الانتخابية ربما تعكس حالة من الجمود السياسي وليس الاعتراض خاصة أن الشباب أصبح منهمكاً بعد الأحداث المتوالية التي مرت بها البلاد عقب ثورة يناير. لكني أرى النقيض من ذلك؛ فمقاطعة الانتخابات لم تحدث بشكل تلقائي وإنما كانت دعوة منظمة من قبل الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر رسالتهم وتعبئة الشباب الآخرين. فثورة يناير التي اطاحت بنظام مبارك انطلقت شرارتها من صفحات التواصل الاجتماعي التي كانت الأداة الوحيدة والآمنة للتعبير حينذاك.

وأخيراً، لا يمكن للمسار الديمقراطي في مصر أن يستمر في ظل حالة القهر والظلم والتهميش والتحريض الغير مسبوقة. ومن ثم يجب أن يعمل النظام المصري على الشروع في إجراء مصالحة وطنية والدخول في حوار حقيقى مع الفرق السياسية المتناحرة للوصول إلى تسوية لحالة الاحتقان السياسي التي تقف حالياً أمام أي تنمية وإصلاح. ويتوجب على النخبة السياسية أن تلعب دوراً أكثر ايجابية بمشاركة الشباب في دعم الدولة المدنية والالتزام بتحقيق اهداف ثورة يناير وبعيداً عن المصالح والأهواء الشخصية. وأرى أن أولى الخطوات التي يجب أن يتخذها النظام إن كان بالفعل يسعى إلى إنهاء الأزمة السياسية الحالية وإرساء مبادئ العدالة الانتقالية هو الإفراج غير المشروط عن جميع المعتقلين السياسيين، الذين يمثل الشباب الأغلبية العظمى منهم. كما يجب أن يلتزم الإعلام المصري بخطاب إعلامي محايد لا يزيف الحقائق وخالي من التحريض.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان