رئيس التحرير: عادل صبري 06:43 مساءً | السبت 22 سبتمبر 2018 م | 11 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

إلى الأجيال القديمة.. استريحوا

إلى الأجيال القديمة.. استريحوا

ساحة الحرية

كبار السن يتصدرون المشهد الانتخابي - أرشيفية

إلى الأجيال القديمة.. استريحوا

أحمد بهاء الدين 19 نوفمبر 2015 21:45

كعشريني بائس اشترك في ثورة لم تكتمل وتناثرت أحلامه على الطرقات، وبات كل مكان في أرجاء المحروسة يحمل في طياته ذكريات من الألم والحزن العميق، فهنا كان الخرطوش مثل المطر الهادر، وهنا كانت الهتافات تعلو وهنا كان الشهداء، يزيد وجع الأمكنة وجع من نوع آخر يسببه آباء وأمهات من الجيل الأقدم، بنظرتهم التي تشع ادعاء للحكمة وغطرسة على أحلامنا الغضة التي قتلها اليأس قبيل مولدها.


لم يكن مجرد صراع الأجيال وإنما صراع الأحلام، عام 2010 سجلت مصر عددًا كبيرًا من الإضرابات العمالية، كنا متفائلين جدًا، صحيح لم نكن نحلم بالثورة ولكن مع كل إضراب عمالي كانت مساحات التعاطف والتشابك وتلاقي الأهداف بين الجيلين تتسع وتكاد تكون واحدة.

ومع ثورة تونس ارتفع مستوى الأحلام، ومع بدايات 25 يناير بدأ السقوط المدوي، ليس السقوط أمام قوة النظام، ولكن الصدمة أن تأتي الطعنة من أهلك، وممن ظننت أنهم أول من سيشعلون الدنيا غضبًا، أقاربك من كبار السن، مديرك في العمل، صحبة المواصلات، الأربعينة ذات الحجاب الكحولي والعباءة المطرّزة، والخمسيني الذي صاحبه فيروس سي حتي حول كبده إلى مستودع من الألم، أن تأتي اللعنات والسباب والاتهامات من هؤلاء كانت الصدمة الكبرى.


لقد تربيتم في عهد ناصر على أسطورة الزعيم القائد البطل الذي كاد أن يكون إلهًا أو نصف إلهًا، لم تساعدكم ربما وسائل الاتصال على إدراك الحقيقة، ولكنكم تتحملون جزءًا كبيرًا من المسئولية تجاه أنفسكم أولًا، وحديثكم مع السادات كان حديث "كبير العائلة" و"أخلاق القرية" فأطلقتم لقب الزعيم المؤمن، وتشبعتم بفكرة "الرئيس الأب" و"الدولة / العائلة" فأصبح نقد الدولة "عيب" والهجوم على رئيس الدولة "ليس من الأدب" والحكومة "معذورة" حتى ظهر مصطلح "اعتبره أبوك يا أخي" و"أبناء مبارك".


جيلنا لم يعرف أساطير الزعامة، ولم يقتنع بدولة العائلات بل وحطم أسطورة "الزعيم الأب"، جيلنا انفتح على العالم بوسائل التواصل، انطلق إلى أفق جديدة لم تعرفوها، تعرف علي حقوقه وسمّاها حقوق، قال للغولة يا غولة عينك حمرا في وجهها !، لم يتراجع أو يخنع لمفاهيم قديمة.. صحيح أننا في نظركم "متهورون، لا نمتلك الحكمة ولا خبرة السنين، متغربين ليس لنا نمط".. وهذا قد يكون له وجه من الصواب، فالجهل والتجريف الثقافي وسوء الحال الاقتصادي أوقف أي فرصة للإنتاج والإبداع وأصبح الإبداع مرتبط بالألم والأسى، وتوهنا مع العالم المفتوح فاختلطت المفاهيم وأصبحنا بلا طعم ولا لون مميز، أزياء "ملغبطة" وموسيقى خليط من الشرق والغرب و"تقاليع في تسريحات الشعر" وغيره ! لكننا فهمنا وأدركنا معنى واحدًا ومهمًا.. أننا أحرار، نمتلك إرادة الاختيار وخوض التجربة والتعرف على كل ما هو جديد، وعندما حركنا الشغف نحو نور الحرية كنتم أول من وقف أمام طريقنا خوفًا من التغيير ودفاعًا عن مفاهيم بالية تعج بها عقولكم.


عزيزتي الأربعينية ذات الحجاب الكحلي والعباءة المطرّزة التي تصاحب "الكوسة والفلفل والخضار" في مكاتب المصالح الحكومية.. من فضلك استرحي وتنحي جانبًا فلست أكثر منا وطنية ولا حتى كفاءة ورأيك فينا كبلطجية مأجورين مخدوعين رأي سطحي وتافه!

عزيزي الخمسيني الذي صاحب فيروس سي حتى أنهكه.. من فضلك تنحى جانبًا، كنا نطمح أن توفر لك الدولة علاجًا مناسبًا وعيشة كريمة ولكنك وقفت أمام أحلامنا ولن نسمح لك مرة أخرى أن تتهمنا بقلة الحكمة، كنت دائمًا تختار أجبن الاختيارات والجبن ليس من الحكمة في شيء، لست أكثر منا وطنية فأنت وجيلك كانت أقصى طموحاتكم أن تسافروا لجني الأموال في الخليج، وقدمتم لنا نفس النصيحة بنفس الفعل، من فضلك تنحى جانبًا.


يا كل الأجيال القديمة.. نحبكم ونحترمكم ونعترف بخبراتكم ولكن للأسف، خبرتكم مليئة بالأفكار البالية والمغلوطة، أفكارنا ليست واحدة، إنسانيتكم تآكلت، فرقصتم وهللتم على دماء المصابين والشهداء في مذابح عديدة، ونحن لم نفعل حتى وإن اختلفنا مع الشهيد والجريح، خلافنا معكم ليس مجرد صراع أجيال، هو صراع الحلم مع الماضي القاتل، هو صراع الإنسانية مع المسخ.. نحبكم ولكن نكره ذلك الإثم البشع والأذى الذي ألحقتموه بجيلنا.. من فضلكم "في يدينا بقية من بلاد فأستريحوا كي لا تضيع البقية". 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان