رئيس التحرير: عادل صبري 01:48 مساءً | الجمعة 17 أغسطس 2018 م | 05 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

حملة التطعيمات ، ونظرية "الاشتغال الذاتى"

حملة التطعيمات ، ونظرية الاشتغال الذاتى

ساحة الحرية

حملة تطعيم الحصبة -ارشيفية

حملة التطعيمات ، ونظرية "الاشتغال الذاتى"

محمد فاروق أحمد 24 أكتوبر 2015 11:35

عزيزى المتابع ، اسمى متقدم ، وأعمل أخصائياً لطب الأطفال ، أحاول بدرجة ما تحديث مساقى معلوماتى التخصصية وتغذيتها ، التطعيمات على تنوعها مبحث مهم لكل متقن فى مهنتنا ،

لا أعمل بالمصل واللقاح ولا بوزارة الصحة ، دعك من تشريف هذا لى من عدمه ، صوتى ليس ناعماً كما قد يظهر لك فى تسجيلات الواتس آب عن ذات الموضوع من ثرثرة الزميلات الموظفات وشبيهات الطبيبات والطبيبات البارعات فى لىّ ألسنتهنّ وتعقيد العامة بالاصطلاحات الخشنة ، أحب البلاد والعباد مثلك ، وأكره معظم الحكومات بدرجات .. لكننا هنا لسنا فى محطّ المكايدة والمسايسة ولا الاختصام أوالنميمة على الحكومة ، ما أود إيصاله لك مقدّماً وأخيراً ومتناً ، أنّ الهدف من تلكم الكلمات والمقال ليس اللغو ولا الاستعلاء عليك عزيزى "غير المتخصص" بكلمات مصطلحية تبهرك باللافهم ، وتدفعك لنتيجة أنت مسوق إليها عاطفيّاً بركام تاريخى واجتماعى وإرث ذهنى مفهوم ومثخن نحاول هنا أن نربت عليه ولا ننكأه.

فجأة قررت الحكومة القيام بحملة تطعيم ضدّ مرضىْ الحصبة والحصبة الألمانية ، وهى خطوة مباغتة ، شديدة الإيجابية ، تستحق تصفيقاً لحرارتها واختلافها ، وتزامنها مع علو المعدل الوبائى للحصْبات – البلدى والألمانى – وملاحظة غالب العاملين فى حقل الصحة لذلك ، ليست مصر وحدها "المنظورة" والمبتلاة بهكذا أوبئة ، الولايات المتحدة تعانى من فرط ازدياد الحصبة خصوصاً بعد عزوف العديد من المواطنين عن التطعيم لأسباب فلسفية أو شخصية أو دينية ، حتى تم استحداث تشريع فى كاليفورنيا حديثاً يمنع رفض التطعيمات لأى علة عدا الأسباب الطبية ، بعد إصابة إحدى الحالات من رافضى التطعيم بالحصبة إثر سفرها ، ثمّ تسببها فى انتشار العدوى لعشرات الحالات عقب الرجوع.

جيد ، لكنّ الأمر عندنا مختلف كثيراً ، أسباب انتشار الحصبة عندنا هيكلية ومبدئية ، تعطى الحكومة جرعتيْن روتينيتيْن من تطعيم الحصبة والحصبة الألمانية والغدة النكافية ، الأولى فى سن سنة والثانية عند سنة ونصف من عمر الطفل ، وفى هذا تخبط وسوء ترشيد ، لأن دولة كبرى كالمملكة المتحدة تعطى جرعتيْن من ذات التطعيم ، فى سنّ 13 شهراً ، وعند ثلاثة أعوام وأربعة أشهر ، هذا لأنّ جرعة العام كفيلة بإعطاء مناعة كافية وافية حتى عمر 3 سنوات ، وبالتالى فالمقاربة بين الجرعتين ليس له إعراب مقبول ، فضلاً عن كونه نزف موارد وإهدار ، فالأوجب نقل الجرعة الثانية لما بعد 3 سنوات ، على الأقل لنأخذ من الإنجليز شيئاً جديداً غير البيروقراطية والتنميط والتصدر فى التفاهات ، نحن لا نزرع العملة ، ولا حتى القمح ، ونحن أغنى من البريطانيين – آخذنى أو لا تؤاخذنى – لأننا نعطى أبناءنا جرعة غير مطلوبة ، ثمّ نعطى الجرعات المطلوبة بأموال أخرى على صورة حملات كلفة الواحدة 200 مليون جنيهاً ، إعطاء التحية اللازمة هنا والسلام واجبان منطقيان للأفعال اللامنطقية ولا يصلح الاندهاش ولا الحسرة رغم كونهما أكثر مواءمة للموقف.


 

هناك جرعة مطلوبة – ضائعة ومهدرة أيضاً - لإناث الأعمار العشريّة – من الثانية عشرة وحتى التاسعة عشرة – وهؤلاء يشكلن منابع ذات ثراء وانتشار للحصبة الألمانية بما لها من تداعيات تشوهية مخيفة على الأجنة فى بطون الأمهات إذا أصيبت الأم بالمرض خصوصاً فى الأشهر المبكرة ، وهؤلاء البنات أنفسهنّ يعانين من ذوبان مناعة جرعة العام والعام ونصف ، فأصبحن أكثر عرضة للإصابة بالحصبة البلدى – هذا الاصطلاح عرفىّ للتمييز بينها وبين الحصبة الألمانية وليس تعبيراً علمياً – وبذاك أضحيْن حين صرن أمهات مصادر خفية لانتشار الحصبة البلدى فى السنّ المبكر الذى نلحظ شيوعها فيه ، وتقليداً لجحا الذى افتقد عملته فى منطقة مظلمة ، فوجد البحث عنها فى موقع مستننار أيسر ، لم تقض الحكومة على منبع العدوى بجرعة للإناث عشريات العمر وهنّ أمهات مصر المستقبل ، لكنها آثرت وقاية الأطفال بجرعة مبكرة من سن 9 شهور مع الإبقاء على حرمان الجيل الجديد والقديم من الجرعات التنشيطية المطلوبة ، الحكومة تحب المفاخرة والحملات ورشّ الشعب بالجرعات مليونية الكلفة ، وتأبى ضبط المنظومة وتصويب الثغور البنيوية ، والأخير أيسر وأقل كلفة وأرجى نفعاً للبلاد وساكنيها.

عزيزى ، لك أن تعلم أنّ هيكل التطعيمات الإجبارية مشروخ ومبتسر ، وأنّ بلد النيل يعوز أطفاله تحصينات قطعية الجدوى والإفادة ، تطعيم فيروس الروتا – النزلات المعوية – حال إدراجه فى الجدول الإجبارى سيكلف الدولة تقريباً دولاران ونصف دولار للجرعة ، والموسرون من أهل مصر يشترونه بمبالغ وكلفات عالية وعلى عاتقهم الخاصّ ، كذلك الالتهاب الرئوىّ وفيروسات الجديرى المائى والكبدى أ ، يعى القصاة والدناة من المغتربين تلكم الحقائق ، إنهم يتلقون لاطفالهم هذه التطعيمات مجاناً فى مهاجرهم وأماكن عملهم خليجياً وأوروبياً وبلاد ما وراء النفط والنهر رغم أنهم غير مواطنين ، وحين ينزلون بلدهم الأم ويصادفون مواعيد جرعة ما ، فإنهم يدفعون للأطباء من لحمهم الحىّ أثماناً مخيفة للجرعات ، فأنت تدفع فى بلدك وأنت المواطن المقيم ، ما تتحمله دول وبلدان أخرى للمغترب والعامل والضيف ، لا تضحك أخى ولا تفسد الصورة الحلوة.

لكنّ للأمانة والتجرد ، الحملة مجدية ومفيدة لفئات بعينها ، أعنى بهم الأطفال فوق السنوات الثلاث وحتى العاشرة ، رغم كونها ثنائية وليست ثلاثية ، ينقصها النكاف ، لكنّ هؤلاء الأطفال قد يزدادون فائدة بتعديل الجدول الإجبارى من متنه ، لرفع العبء عن الميزانية المسفوحة المذبوحة ، وإخلاء السبيل لفرص استقدام تطعيمات أخرى ، والسؤال الأكثر أهمية هو لماذا جعلت الحكومة عمر الحملة من تسعة أشهر ، إذا كان العمر الصغير يحتاج جرعات فلماذا لا يتم تبكير عمر جرعة العام لتصبح الجرعة الراتبة عند تسعة شهور ، فنكتفى بالتطعيمات الراتبة ونرشّد أموال الحملات النثرية أو جزءاً منها على الأقلّ ، ينتفع كل طفل فوق السنوات الثلاث وحتى العاشرة بهذه الحملة ويحتاجها بشدة.

أما ما صدر من حملة شعبية موازية تتسم فى مجملها باشتغال الذات ، وتسميم الفضاء العام ، وزيادة روافد إحباط الشعب الذى لديه فوائض ابتلاء وصبر وإحباط تصلح للتصدير ودخول الموسوعات والتاريخ ، وتصدى لها فى المجمل عاملون فى هيئات صحية مؤسسية ، أو ربما مدعون لهذا ، فهى حملات جديرة بالفعل بالشفقة والازدراء فى نَفَس واحد ، مقاطع صوتية على الواتس آب من "واحدة لسة نازلة من عند صاحبتها اللى بتشتغل فى فاكسيرا" تتحدث بموضوعية للشعب عن الشبهات ومخاوف صديقاتها وتأكيدهنّ على فساد التطعيم ، وأخرى تعمل فى وزارة الصحة "لم تقل ماذا تعمل ولم تذكر اسمها ، ربما تكون مسئولة حضور وانصراف أو موظفة مالية أو حتى ساعية مثقفة" تثرثر للشعب عن تحول لون التطعيم إلى "حاجة أحمرة قبل موعد الإكسباير" ، والشعب جميل لطيف ، يصدق أى لسان له انبعاج لغوى ، كما يحادث الناس بعضهم وكما أخبرنى أصدقاء ومرضى "ما دام اتكلمت مصطلحات يبقى بتتكلم صحّ ، لكن الحقيقة مش فاهمين كتير من اللى قالته" إنها نفس نظرية ذراع مرسى فى مدرسة المشاغبين "مادام قال دراع مرسى يبقى بيتكلم صح".

الشعب يصدق كل بهتان واتهام للحكومة ، فهم يعلمون أنّ صدور القرار وحده هو عمل ضدّهم ، ما دام صَدَرَ فإنه ضارّ بالشعب ، يستوى فى هذا المشايعون للنظام ، وأعداؤه ، وراغبو التحبيش والإثارة ، ومرتادو وسائل التواصل ، الشعب لا ينتظر أن يشتغله أحد ، من فرط الخوف من طغيان الحكومة طغى على نفسه فى الخوف منها فأصبح يقبل الخرافة من ذاته ، ويأبى الفائدة من حكومته.

يقول البعض من المتحفظين أنّ التطعيمات هندية ، وأنا صدقاً لا أعلم المصدر ، لكن رجاء الكفّ عن التعامل ذهنياً مع الهند على أنها بلد المهراجا والفيل والمنديل ، الهند ترتاد القمر وتغزو السوق الأميركية معلوماتيّاً ، وتبيع مواد الخام الدوائية لقطبىْ الكرة الأرضية وما بينهما من بلاد الإسلام والكفر ، ليس محتوماً أن يكون التطعيم "فرينش أوريجين" ، ألا يكفيك فخراً وأماناً أنه ليس من صنيع البلاد ؟

سيدى ، التطعيم آمن ومفيد ، ولا يقتل الأطفال ، إنّ الحكومة تستطيع القتل بوسائل لا تدفع فيها مائتىْ مليوناً من الجنيهات ، نحن أحقر وأحطّ من أن تقتلنا الحكومة بهكذا كلفة ، إنها لا تألو جهداً فى قتلنا بالترك ومصاحبة القطط فى المستشفيات ، ولا تعدم التقصير فى إتاحة الدواء الضرورى والرعايات ومحاضن حديثى الولادة ، كل هذا يقتل أخى دون ضجيج ودون فاعل ودون حساب.

سيقول البعض إنّ الحملة سبوبية المغزى ، وهذا تفسير لا علمى ولا واقعى ، السبوبات فى البلاد ارتجالية كما التآمر ، لا تحتاج لافتعال حملات ، ونحن نحسن الظنّ بوزير الصحة ما بعد المحلبىّ ، ونقدر إرثه الحميد فى طب عين شمس ، رغم أنّ التجهيز للحملة سابق على قدومه ، لكننا نرد على المواطن المشتغِل بالتنظير التآمرى بأنه حتى بافتراض وجود سبوبة ، فلتأخذ ما يفيدك منها ، ولا تشككْ الناس بحملات ذاتية يكون ضحاياها البسطاء والمصدّقين ، تذكر عزيزى غايتنا المتقدمة من المقال ، نحن ندافع عنك وننوب عنك بالتخصص فى إيصال ما قد يحجبه عنك أولو الغرض والمرض ، نحن لا نتأوّل للحكومة ، ولا نشكّك فى تطعيماتها ، يكفينا تشكيك الشعب فى الحكومة ذاتها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان