رئيس التحرير: عادل صبري 07:45 مساءً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

سيف عبد الفتاح في زمن الكوليرا

سيف عبد الفتاح في زمن الكوليرا

ساحة الحرية

سيف عبدالفتاح

سيف عبد الفتاح في زمن الكوليرا

مدحت ماهر 05 أكتوبر 2015 13:59

أكثر رجل محبوب في زمن الكوليرا

كم يصنع الطاغية أو يظهر - من حيث لا يدري- من أمجاد خصومه، في كل مرة يُقدم فيها على حماقة تجاه الأحرار إذا بها تنقلب عليه لا له.. وهكذا تقضي السنن في أهل البغي والنكث والمكر.. هذا المثلث تحكمه سنة دوران الفعل السيئ ليقع على صاحبه ويصيبه: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)، (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ)، (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)- الآيات.

ما يفعله جائر نصاب في أكبر جامعات المدنية العربية الحديثة ليس إلا تجسيدًا وتأكيدًا لذلك؛ إذ يبغي على إمام أئمة؛ (الشافعي)، ثم على رجل أمة؛ (سيف الدين)، وبينهما جواهر مكنونة، ولا ينتظر عاقبة سوء؟ الله أكبر إنها السنن! لقد أطلق هذا الجائر الأعمى- من حيث لا يدري ولا يريد- حديث الحب في زمن الكوليرا الوحشية، حديثا تمثل في شفرة صار يعرفها المصريون لاسيما الأحرار والثوار اسمها: سيف الدين عبد الفتاح.

لم يكن هذا الإنسان معروفًا كثيرًا لدى المصريين فضلًا عن الشعوب العربية والإسلامية قبل ثورة يناير، كان يمشي على الأرض هونا، متواضعا في نفسه ومع كل من يلقاه ويعامله في دوائره المحدودة، لكنه من ناحية الفعل والدور والوظيفة كان يجتهد ويتعب على حاله وفي مقامه ومجاله.. كان يعمل أستاذًا ومعلمًا جامعيًا، لكنه ليس- كحال أكثرهم- موظفًا مستخدمًا في الخدمة الحكومية يؤدي عملًا روتينيًا وينفذ تكليفًا ويمتهن مهنة ليتعيش منها أو يحجز بها موقعا ترمقه العيون، أو يطرب لمناداته بالأستاذية أو الدكتوراه.. كان رغم الظلال المرسلة عليه وعلى أمثاله ومن ينسجون على منواله، جنديا في مصنع كبير بحجم الأمة، يقوم ومن معه على صناعة ثقيلة وجليلة، صناعة استراتيجية لا تنهض أمة إلا بها، ولا تحتل مكانا تحت شمس الحضارات إلا بسببها؛ ألا وهي "صنعة العلم النافع"، و"زرعة فسيلة التربية"، وإقامة "سوق الأفكار الحرة والفكر الأصيل"؛ ليجمع من كل ذلك لبنات تجديد حضارة خير أمة أخرجت للإنسانية.

سيف الدين عبد الفتاح... أستاذ علوم سياسية بجامعة القاهرة، متخصص في الفكر السياسي والنظرية السياسية؛ ومن ثم جدير- بطبائع الأمور وحكم العقل- أن يتصدر ساحة القول والإفتاء في السياسة والثورة، لكن في زمن الكوليرا لا تكون الأمور على طبائعها ولا العقل حكمه مسموع.. من أوائل من أعلنوا أنها "ثورة صادقة حقة مستحقة"، وأنّ على الطاغية أن يرحل، فيما كان غيره يهتف بالعاطفة أو يشارك بحكم المعاناة من الظلم والمهانة، كان هو يشتبك من أرضية العلم إذ العلم –في وعيه وسعيه- ديانة وأمانة.. ولذا حين سيتكرر ظاهر المشهد مصنوعًا ومزورًا وتنطلق ألسنة الزيف تقول ثورة بثورة ويريدونه أن يكرر الوقفة ويحسبونه يجري في كل هائجة ومائجة؛ إذا به يقول كلاما فرقانيا، ويفرق بين ما كان يمكن وصف بعضه بموجة ثورية لكنها اختلطت واختلست، وبين ما هو "انقلاب كامل الأركان".

الحديث عن هذا الإنسان مجال واسع وبحر بلا ساحل، خاصة ممن يعرفه جيدًا وعن كثب، لكن الواقعة الأخيرة؛ واقعة الجامعة وخطيئة الجائر المتكررة كشفت عن حالة خاصة من "الحب" تحيط بهذا الرجل، لا تكشفها إلا مثل هذه الحماقات؛ وهذا هو مقصود الكلام.. لماذا كل هذا "الحب" لهذا الإنسان وليست المؤازرة السياسية أو الفكرية أو الوظيفية أو الجهوية... الخ؟ لماذا كان الخيط الناظم لأكثر المداخلات الغزيرة المتحدثة عن سيف عبد الفتاح هو التقدير والاحترام والمحبة؟

كتبت من قبل عن ظاهرة "أكثر رجل محترم في مصر" التي لاحقت سيف عبد الفتاح منذ الانقلاب حين كنا نمشي سويا فيهتف رجل أو امرأة بهذا التعبير مشيرًا إليه، لكن هذه المرة أضيف إلى الاحترام والتقدير دافع المحبة... والسؤال لا يزال قائما: لماذا؟

في (زمن الكوليرا) -كما تفوح رواية جابريل جارسيا ماركيز- تغشى الناس أدخنة الارتياب والخوف والكراهية والتشاؤم وتحتقن النفوس وتضيق الصدور وتنقبض القلوب وتجف الألسنة من كلمات الإنسانية والمحبة وتضعف خيوط الوصال وتمتلئ الأذهان بالأفكار السلبية والمخططات ويحكم الدولة ويهيمن عليها سلطان عدم الثقة الكبير.. من الجميع تجاه الجميع.. وفي الأحشاء صوت بعيد ينادي في الظلمات: أين الحب؟ وأين من يستحقون الحب حتى ينعتق ويخرج من الظلمات إلى النور...؟ ومن ثم فإنّ خصوصية وتميز الدكتور سيف أنه واحد ممن يحركون قوة الحب والتعاطف والتكاتف الوجداني..؟ لكن هذا أيضًا لا يزال يحتاج إلى تفسير... لماذا هو بالخصوص دون كثيرين من مجاوريه ومشابهيه؟

الشخصية جزء من المسألة لكن التأمل والتدقيق يلفتان إلى عامل آخر قد لا يعترف به كثيرون من أشد محبيه؛ ألا وهو طبيعة فكر الرجل وما يطرحه من رؤية وخطاب.. إنّ ذلك كله لا يوصف بوصف مميز مثل وصف "إنساني" بأكبر قدر من معاني الكلمة: سيف عبد الفتاح إنسان كبير، وإنسانيته تطبع منطق تفكيره وفكره العام وأفكاره التي يطرحها، وتصبغ توجهه ومواقفه وخياراته وآراءه وحواراته وتعاطياته وعلاقاته وسائر أحواله.. هذه الإنسانية في قلبها شيء مهم من مولدات المحبة والتقدير؛ ألا وهو: الجانب الأخلاقي. وإن وراء ذلك بنية فكرية تحتاج إلى تحليل وتفصيل، يكفي مثالاً عليها أن تعريفاته للسياسي والثوري والتغيير والعمل العام والمجال العام والاجتماع الإنساني والعالم... كلها مبنية على رؤية إنسانية أخلاقية مكينة.

افتقاد الساحة العامة لنسمات الإنساني السارية في الأفعال والمواقف وكذلك للالتزام الأخلاقي الصارم .. هو ما يصنع ويرسخ (زمن الكوليرا).. ووجود أمثال سيف عبد الفتاح في هذا الزمن هو مما يذكرنا بالحب في زمن الكوليرا.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان