رئيس التحرير: عادل صبري 08:44 صباحاً | السبت 15 ديسمبر 2018 م | 06 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً
في رثاء الصحافة

ساحة الحرية

يحيى صقر

يحيى صقر يكتب..

في رثاء الصحافة

يحيى صقر 03 أكتوبر 2015 12:11

أحلام مرت بخاطري وأنا صغير طاردتها كبيراً أن أنقل الحقيقة للناس وأن أساعد المظلومين أن أكون صوتاً لمن لا صوت له لكن الواقع كان أكثر سوءًا مما تخيلت، بضعة مشاهد أتذكرها كثيراً اليوم عندما كنت صغيراً أشاهد برنامج سري للغاية للإعلامي يسري فودة أفكر لماذا لا أصبح مثله يومًا أتحرك لمناطق الحروب أشعر بتلك الإثارة و الخوف معاً أري الموت بعيني وأنقل للناس ما يحدث على الأرض أطارد بكاميرتي صوراً تكشف المفاسد وتجسد أوجاع الناس كما فعل نور الشريف في فيلم ضربة شمس.. أحلام كثيرة يبيدها واقع أليم اصطدمت به يوم بدأت أمارس عملي.


بروح مرحة وإقبال كبير بدأت التدريب كأي صحفي وما سأكتبه ليس عن جريدة لكن عن مجمل ما رأيته في مهنتي العزيزة.. لم أكن أعلم أن الصحافة لها سقف لا يمكن أن تتخطاه تهاجم الحكومة لكن بحدود تسعي لكشف الفساد لكن خطة قلم من رئيس التحرير قد توقف النشر لحسابات سياسية وتخوفات من الأمن كنت أحلم وقتها أن يأتي الوقت الذي تتاح لنا مساحة الكتابة الحرة دون قيود ودون تحكم لرأس المال لم أكن أعلم أن الأمر كله مجرد مصالح وأن إطار العمل يصبّ في جوف الدولة فالجميع يعمل لكن بحساب حتي لا يجد نفسه أمام زيارة من زوار الفجر أو مفصولاً من عمله لا يجد لقمة العيش أو يعمل علي مواضيع لا تنشر.

عقب أحداث ثورة الـ25 من يناير عادت تلك الأحلام لتطاردني وتطارد شباب الصحفيين في منصات إعلامية متنوعة وأحلام وآمال ربما جميعهم يلتزمون بسياسات تحريرية ربما تقيد حرية الصحفي لكن تعدد المنصات يتيح لنا أن ننقل الحقيقة إذا عجزت عنها في مكان تنقلها في آخر لكن الواقع كان صادماً فلم يكن ذلك ما حدث.. حدوداً أيضاً قد وضعت ربما لا سقف للحديث عن الدولة لكن سقفاً قد وضع من القوي السياسية فكل من أنشأ صحيفة كان مؤيداً لتيار يعلن الحيادية ولا يمثلها بشيء يمثل وجهة نظر تياره سواء كان في نقل الصورة من وجهة نظر واحدة أو في الهجوم علي وجهات النظر الأخرى بشكل تخطي حدود المهنية ليصل إلي التحريض أحيانًا.

كان صادماً لي ما حدث إبان حكم المجلس العسكري في أزمة الفتاة التي تمّ تعريتها في ميدان التحرير من أيّد ومن عارض من وصفها بأكثر الألفاظ بذاءة مستندا على أيدولوجيته وليس لما حدث ولا لما رأي لم يكن ذلك المشهد الوحيد الصادم لي فكذلك تظاهرة ماسبيرو التي راح فيها مينا دانيال أحد أكثر من رأيتهم نقاءً في ذلك اليوم تم وصف من تظاهروا بمحاولة تفتيت الدولة وكذلك قبلهم الكثير تحريض علني على مواطنين من نفس الدولة وأسلوب يبعد عن كل معايير المهنية اتبعته وسائل الإعلام في التعامل مع التظاهرات ومع السياسة أن ذاك ربما كان سيودي إلي حرب أهلية إذا استمرت قنوات دينية تكفر الجميع وقنوات خاصة تهاجم طبقاً لرؤيتها ولا تنقل صورة كاملة.

عقب الموجة الثانية للثورة في 30 يونيو تحول الأمر لشكل مرعب في مضمونه يذكرني كثيرًا بحنان ترك في فيلم العاصفة قد تري كل شيء لكنك لا تستطيع النشر قد تعرف جزءا من الحقيقة لكن قيوداً قد عادت لتوضع عليك.. احتمالات توجهها تبدأ من الفصل والغرامة وتنتهي بالسجن طبقاً لقانين وضعت لتقيدك رغم مخالفتها لدستور النوايا الحسنة.

وربما تتخطي صحيفة حدودها فتصادر أعدادها أو تفرم لحين تعديل المادة المنشورة بها قد يضيق عليك قد تتوقف الإعلانات من رجال أعمال تجمعهم مصالح مع الدولة قد تجد المئات من الصحفيين قد شردوا قد تعيش في عالم من الخوف فقط لأنك تحلم بأن تمارس عملك لتعود بك الدائرة لما كان قد وضع من قيود، قد تحاول أن تعمل لتنقل آهات المواطنين لكن أحدا لا يهتم قد تسعي لنقل الفساد لكن حظر النشر سيوقفك قد تحلم بالكثير لكن لا تحصل إلا علي القليل.

أحلام كثيرة تطاردني آمال بأن تكون يوماً الصحافة صوتاً لمن لا صوت له لكن واقعاً مؤلماً يفيقني دائماً صوراً من الماضي حلمت أن أكون عليها لكن الواقع كان غير ذلك ندفع ثمن أحلامنا لكننا نحلم لأن لولا تلك الأحلام لكان الطريق مظلماً أعلم في قرارة نفسي أن رثاءً لمهنتي لن يكون مفيداً وأن النضال فيها سيظل قائماً لكن لا أعلم هل سيستطيع أحد أن يكون راضياً عن مهنته في ظل الواقع الأليم أم ستدفعنا الأيام يوماً لتركها.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان