رئيس التحرير: عادل صبري 11:44 صباحاً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

فشخ الأطباء بمنطق الوزراء

فشخ الأطباء بمنطق الوزراء

بقلم: محمد فاروق أحمد 27 سبتمبر 2015 14:24

الفشخ – لغةً – مفردةٌ بعيدةٌ تماماً عن القبح المنطبع إزاءها فى مجمل اللاوعى – والوعى - الشعبى المصرى ، ولن تغنى التصورات من الحق شيئاً ، لكنّ معنى الكلمة قد يحمل مداليل سيئة أو مسيئة بغير إسفاف ولا ارتذال ، يقال فَشَخَ الرجل أخاه أى صَفَعَه ولَطَمَه ، وفى قول ظَلَمَه ، والفشخ – المصدر – هو الصفع واللطم قياساً ، والفشخ فى اللعب – بين الصبيان – هو الكذب والظلم فيه ، أما التفشيخ فهو إرخاء المفاصل وفعله فَشَّخَ – بتشديد الشين ، يقال فشَّخَ الرجل رجليه أى أرخى مفاصلهما.


بمنطق المعاجم يصلح الشعب المصرىّ بقوة لأن يكون مفشوخاً – صفعاً ولطماً –فشخاً مؤبداً من قبل حكوماته ووزرائه المتقاطرين ، والاستوزار فى بلاد ما قد يعنى تكليف موظف مشهود الكفاءة - أياً من كان - بمهمة وحقيبة سابقتىْ التحديد وفق رؤية سياسية ، اقتصادية ، أو حتى إنقاذية يحوطها الاتساق والاندماج .. غير أن وزراء بلادى توزيرهم يعنى تخليص الشعب من أوزاره بابتلائه بتصريحاتهم المخاصمة للمنطق والبيئة والإنسان.

الطبيب المصرى يحمل فى طيات مساره فشخاً مركّباً شديد النوعية ، فهو الذى يحمل قربة الحكومات المثقوبة ، يكال إليه السباب من القواعد الجماهيرية وحسناوات الإعلام والولاة وأولى الأمر ، منسوب نجاحه للمؤسسات الهشّة التى تنساه تكريماً وذكراً فى ساعات الطمع ، وإخفاقه عائدٌ إليه وعليه حال حدوثه وحين تنصّل المؤسسات والهيئات منهما – من الفشل والطبيب - وفلتانها لدى موجبات المحاسبة والفزع.

الطبيب المصرى يتقوّت بالصمت ، يلوذ برمضاء الأماكن الخاصة بعد أن أفحمه التلظى بجمر الحكومة ، لا كرامة ولا سيرة ولا ثناء ولا دراهم ، كفّ عن إثم التطلع لكادر يغنيه عن التكفف ، يختنق فى محاضن الأطفال الخاصة فيموت مسموماً بغاز أول أكسيد الكربون المنبعث من مولد كهرباء تعطل فتطوع الطبيب لإصلاحه فى نوبتجية أجرها – ما شاء الله – أربعون جنيهاً شاملة بدلات الاختناق والعدوى وقبل استقطاعات الضريبة ، الواقعة حقيقية ومؤرشَفَة.

الطبيب الذى يواجه غضبة المرضى وذويهم فى الاستقبالات – بمطاويهم وطيشهم وتحرشاتهم اللفظية – على إثر علاج وخدمات لم توفرهما الدولة ، فى حين تعتزل الدولة الدفاع عن الطبيب وتأمينه ، فى إرخاص فادح لمحياه وتهوين تمهيدىّ لمماته ، وحين يزعق مسئولٌ ناهراً الطبيب حديث التخرج على وضعية يده فى جيبه قاصداً تبئيسه وتيئيسه ، نجد ذات المسئول يتحول إلى حمامة حميمة فى حضرة المهاتفات والمداخلات الهوائية لأقل مذيعى الكوكب شأناً وحضوراً وجماهيريةً.

وزير الصحة الدكتور أحمد عماد هابط من عمادة طب عين شمس على كرسىّ وزارة الصحة ، والرجل فيما سمعت ، لبقٌ ، خلّاق ، حقيقٌ بالتفاؤل ، كاريزماتى لسقفٍ بعيد ، بقدر ما سبق كان استشرافى لانتقال فى سياسة وزارة الصحة لعدل المنظومة المائلة والمائل معها بخت الأطباء ، لكن لا أدرى ماذا يدهنون للوزراء فى بلادنا على كراسيهم ، الوزير ينفصل تماماً ، يسلخ طبه وتاريخه وهو العميد لمدرسة أفرخت أفذاذ الأطباء فى أكباد عواصم العالم ونواصى قاراته وأعرق مشافيه ، الوزير يبدأ بتصليح المنظومة من تقييم الطبيب المصرى لتجديد ترخيص مزاولة المهنة والذى لا يصح أن يصير مدى الحياة بحسب توصيفه ، وأضاف معاليه أنّ هذا الأمر يحدث فى كافّة بلدان العالم المتقدم ، وأن أهم المشكلات غياب التعليم الطبى المستمر ، وفيما سبق حقٌ كثير وتلبيسٌ أكثر.

المنظومة تنعدل من التسلسل الطبيعى ، فالتعليم الطبى المستمر مسئولية الدولة ، الطبيب الأجنبىّ يفتح عينه على مراجع ومجلات ومساجلات تتيحها له وزارته بالمجان ، وحين يحار فى مرجع ما ، تشتريه له الدولة أو تستأجره – إى والله – لتيسير بحوثه ، وتسجل له فى المؤتمرات ، وتفرد له استقطاعات الإجازات لئلا يتعارض التعلم والتعليم مع أوقات العمل ، وقبل هذا وبعده فإنّ مرتب الطبيب يمكنه من فعل هذا كله على عاتقه إن شاء ، كافلاً له حياة شديدة الستر والرفاهة ، تحفه القوانين الحامية له والرادعة فى آنٍ.

فالمحاسبة هنا منطقية ، وهى للدولة وبرامج تعليمها وتطبيقاتها العلمية المستمرة لا للطبيب الفرد ، وكل هذا منقرض أو متلاشىأو غير مسبوق ها هنا ، فالطبيب عندنا ينوب عن الدولة ويأخذ الملاليم ، وهناك تنوب الدولة عنه وتسترضيه بالألوف ، فضلاً عن الصورة الذهنية الموقرة وغير المحرضة ضد الأطباء.

كيف يكون إلغاء الترخيص إصلاحاً فى منظومة هرائية؟ ، وكيف تبدأ بإصلاح السلسلة عبر نسف أقوى حلقاتها أو إضعافها ؟ ، أم أنكم تريدون التجييش واختصار عدد الأطباء على قلتهم ، ولم تجرؤوا على إلغاء التكليف ، فأُوحىَ إليكم  بإلغاء الترخيص ؟ حين تكون هناك دولة تعلّم وتؤكّل وتؤمّن يكون التقييم مفهوماً بل لازماً.

يقول فضيلته إنه لا ينبغى مساواة طالب الماستر – الماجستير – أو الدكتوراة الذى يحوز شهادته فى ثلاث سنوات بآخر يتمها فى خمس ، وهذا امتهانٌ آخر للتفكير ، لأنه لا يوجد طالب دراسات عليا يؤخّر رسالته بهواه ، وارجع حضرتك لمشرفى كليات الطب عموماً ، الواقفين لطلبتهم على الفصلة والنقطة والقوس ، والشكل دون المحتوى ، انظر لسلطانهم وكيف توحشوا على طلبتهم من بعد أمان العقوبات ، ومنهم من يرفض وصال الطالب ، وفيهم المتسلطون ، وغالبهم مائلون للتعسير ، وأقلهم منصف منجز ، فلتطلب لنا قانوناً من وزير التعليم العالى بتخصيص ساعات عمل محددة تكرس فقط للإشراف على الرسائل والتواصل مع الطلاب ، وتجيز للطالب طلب الانعتاق من المشرف المتعسّف ، ولا تجعل أبناء الأساتذة منتخبين للمشرفين اللطفاء ، وأطباء الشعب من عرايا الظهور موزعين على المشرفين الأكثر تسلطاً وتعسيراً.

أنا أعلم أن ماكينة الموالاة هادرة بأقصى وتائر تسارعها ، وإلى درجة تقارب الانصهار ، تمييزاً لفئات مختارة ، لم يكن فيهم الأطباء يوماً ، وغالباً لن يكونوا ، لكنّ الوزير يحقق فينا مقولة الصعايدة التى تنذر بالويل والإقصاء لمن لا يرضى بواقع بئيس ، ويطاوع حواسه المنهكة فى تطلعها الحليم والحالم لمستحقات مسحوقة ، فإما ارتضاء الحال وإما إلغاء الترخيص لكى نصبح مثل الغرب – يا حلاوة.

معالى الوزير يزأر فينا أن اصمتوا وإلا "اللى ميرضاش بالكفّ ياخد النبوت".

ونحن قد رضينا ، بالكفوف والنبابيت ، وتبخير الأمانى ، وزلات الألسنة ، وفشخ التفكير بمنطق الوزير. 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان