رئيس التحرير: عادل صبري 03:25 صباحاً | الأربعاء 15 أغسطس 2018 م | 03 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

محاولات بائسة للكتابة عن المعتقلين

محاولات بائسة للكتابة عن المعتقلين

ساحة الحرية

صفوان محمد

محاولات بائسة للكتابة عن المعتقلين

بقلم: صفوان محمد 27 سبتمبر 2015 11:57

حاولت الكتابة مرارًا وتكرارًا دون جدوى، لم يكن سهلا على نفسي  أن أقول لكم ما سأقوله أو أن أرتب أفكار فيما سيأتي لكي لا يعجز قلمي ولكي ينطلق لساني وأشرع في الكتابة عن قضية المعتقلين وما يعانونه في زنازين الفساد والاستبداد.
نعم عجزت أقلامنا عن الكتابة عن المعتقلين وما يعانونه وهم قابعون في غياهب السجون، أستُنفدت الكلمات، وبات الحديث عنهم مبتذلًا من كثرة تكراره، على الرغم من أن الكلمات ممزوجة بالألم والحسرة على عجزنا وقلة حيلتنا قبل أن تكون على مآسيهم ومعاناتهم.
لا أدرى كيف أبدأ أو ماذا أقول، فهل من المفترض أن نضطر للحديث عن معاناتهم ونطلب من سجانيهم معاملتهم معاملة آدمية، ونترك الحديث عن أسباب اعتقالهم غير القانوني أساسا أو الملفق بقوانين غير دستورية تُطبق فقط على المعارضين لهذا النظام ولا تُطبق على المؤيدين الراقصين على أنغام تسلم الأيادي؟، أيُعقل أن يكون مكان هؤلاء الشباب الذين تمردوا على الماضى والحاضر ليصنعوا مستقبلا أفضل لهذا الوطن هو السجون، بدلًا من أن يكونوا في سُدة الحُكم..؟!
الزنازين متكدسة ومزدحمة، الزنزانة التي تسع عشرة أشخاص، يقبع داخلها خمسون شخصًا، والتهوية معدومة في لهيب شهور الصيف، الجُدران مُوحشة وكئيبة، متآكلة ذات رائحة كريهة، وبرغم كآبتها ووحشتها فهم يقضون فيها الأربع والعشرين ساعة في اليوم تقريبًا.. ولا يسمح لهم إلا بساعة واحدة يوميًا للتريض خارج هذه الجدران الموحشة، وفي آخر جدران هذه الزنزانة توجد فتحة صغيرة فى الأرض تُسمى الحمام، يقضى فيها المُعتقلون حاجاتهم، وفوق هذه الفتحة بنحو 20 سم، يوجد صنبور الماء الذي يتم قطعه عنهم بالساعات إمعانًا من إدارة السجن في تكديرهم، لك أن تتخيل كم البؤس فى أن تشرب وتغسل طعامك وملابسك في مقبرة كهذه وكل من حولك يسمع ويُبصر ما تقوم به داخلها رغمًا عنك وعنهم، النوم على الأرض بلا أغطية، هكذا بمنتهى البساطة، الطعام غير المُفيد الذي يقدمونه لهم هو فُتات من حيث الكم والنوع، بحيث يجعل المعتقلين يفقدون أوزانهم بسرعة شديدة، ناهيك عن عدم وجود معقمات أو منظفات وهي أشياء لا غنى عنها فى هذا الحر الشديد، ومع تكدس أعداد المعتقلين في الزنزانة الواحدة، مما يحول دون إمكانية تصديهم للأمراض والحشرات، تتفشى الأمراض الجلدية وأمراض المعدة والأمعاء، وبالقطع لا يوجد علاج ولا دواء، حتى المعتقلون المصابون بأمرا مُعدية لا يُعزلون عن الجموع، وممنوع عنهم دخول الكتب الدراسية والمراجع العلمية للطلاب، كل ذلك من غير أن نتحدث عن الإرهاق النفسي الذي يعانونه..!
هذا كله ولم نتحدث بعد عن حالات التعذيب الممنهجة، أو عن عدد حالات الوفاة داخل هذه السجون، حيث كشفت المنظمة العربية لحقوق الإنسان عن تزايد حالات الوفاة داخل سجون مصر يومًا بعد يوم؛ بسبب "الإهمال الطبي المتعمد"، مؤكدين ارتفاع الوفيات لأكثر من 264 حالة منذ انقلاب 3 يوليو 2013.
أما عن معاناة أهالى المعتقلين الذين يخرجون من منازلهم مع رفع آذان الفجر لكي يلتحقوا بطابور طويل جدا للزيارة فحدث ولا حرج.. ساعات تحت لهيب الشمس الحارقة يقضونها فقط لدخول بوابة السجن، ومثلها لحجز دور في الزيارة، ثم تبدأ معاناة التفتيش والتعنت الصارخ في منع دخول أبسط الأشياء وأهمها، عدد معين من الخبز مسموح بدخوله، نوع واحد من الفاكهة، الدواء ممنوع، الأوراق والأقلام والصحف والمجلات والكتب من الممنوعات، المراوح التي تُخفف الحر قليلًا يتم مصادرتها، الراديو والتليفزيون يتم مصادرتهما أيضًا، فهم منعزلون تمامًا عن العالم الخارجي، حتى العصير والمياه المعدنية لا يسمح بدخولهما، لكي يجبروهم على شرائها من "كانتين" السجن وبالطبع بأسعار مرتفعة، بعد كل هذا وقت الزيارة يتراوح بين خمس وخمس عشرة دقيقة بحد أقصى.
لن أتحدث عن لوائح السجون، وحقوق المساجين القانونية والدستورية، لأن الحديث عنها فى ظل قوائم الممنوعات هو قمة الجنون، ولا عن حقوق الإنسان ومنظماتها، فالقاصي والداني يعلمان أن هذه المنظمات ديكورات من النوع الفالصو، كومبارسات في مسرحية هزلية، أدوارهم مُحددة ومرسومة لهم مُسبقًا، تظهر سريعًا ملامحهم الشاحبة بعد كتابة تقاريرهم عن أوضاع المعتقلين، حتى النونات الصماء (نشجب-نُندد-نُدين) لا يفعلونها، ولا عجب من ذلك فهذه المنظمات الحقوقية أصبحت المتحدث الرسمى للنظام..!
وبالقطع لن أدخل فى مقارنة بين أوضاع "المعتقلين" في مصر وبين أوضاع "السُجناء" في بلاد الغرب، كي لا أُصاب بالسكتة الدماغية، لأن مجرد محاولة وصف أوضاعهم والمعاملة التي يُعاملون بها وهم سُجناء "جنائيون" وليسوا مُعتقلين سياسيين مظلومين، ستؤدي للعديد من جرائم السب والقذف التي يمكن أن يعاقب عليها القانون..!
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان