رئيس التحرير: عادل صبري 04:12 مساءً | السبت 15 ديسمبر 2018 م | 06 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً
الندّاهة

ساحة الحرية

حسام كمال كاتب ومخرج أفلام وثائقية

الندّاهة

حسام كمال 15 سبتمبر 2015 13:06

لا يمر يوم عرفة دون أن أتذكر جدي رحمة الله، كان رجلا وضئيا واسع العينين، ذو بشره بيضاء مشربه بحمره ، ولطالما حدثني مظهره أن في عائلتنا عرق تركي لكنه أبي أن يمد فروعة إلي باقي أفراد الأسرة وتوقف عند جدي رحمة الله.

شاءت أقدار الله أن يصاب جدي بشلل نصفي، لكنه مع ذلك ظل محافظا علي الصلاة في موعدها بشكل كان دوما يثير تعجبي ، وليوم عرفة عند جدي قصة ذات شجون ، فما أن تشرق شمس اليوم حتي يناديني بصوت حزين طالبا مني ان افتح التلفزيون !!

وما ان أضغط مفتاح التلفزيون _ولم يكن قد اكتشف الريموت كنترول بعد _حتي تنساب الي مسامعة أصوات التلبية " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" ، فينخرط الرجل في بكاء طفولي حزين، وتنساب دموعة، وهو يري افواج الحجيج باحرامهم وقد كسوا جبل الرحمة اللون الأبيض من كثرتهم، ويظل يردد معهم في شجن يخالطة الدموع لبيك اللهم لبيك ..لبيك لا شريك لك لبيك.

في منطقتنا الشعبية كنت كثيرا ما أسمع الناس ينادون بعضهم البعض بالحج فلان، ولم يكن قد تفتق ذهني وقتها عن معني ذلك اللقب، اللهم إلا أن من يحمله عادة ما يكون شيخا كبيرا من أهالي المنطقة، وطالما استوقفتني تلك اللوحة الفنية التي تزين سلم العمارة عند باب شقة جارنا" الحج سعد" وقد رسم على الجدار طائرة تطير في الهواء وباخرة عملاقة تسير في الماء وبينهما الكعبة المشرفة وحولها الحجيج ، وفوق كل ذلك كتب بخط رشق " حج مبرور وذنب مغفور" ،ربما ترك ذلك بداخلي أثرا ما ، لكنني بدأت أدرك وقتها أن الناس يسافرون الي هذا المكان ليأخذوا ذلك اللقب" الحج".

غرست تلك الذكريات بداخلي شيئا ما لم أدركة حينها، بذرة شوق ربما أو حنين من نوع ما ، ولم أدرك ذلك حتي جاء يوم وجدتني استيقظ مبكرا على غير العادة ، واسرع ناحية التلفزيون ، وامسك بالريموت في لهفة كي اشاهد موقف الحجيج .. على عرفات الله !!

لا أدري وقتها لما انخرطت في ذلك البكاء الذي وصل الي حد النهنهة _كما نقول في مصر_ سالت دموعي بغزارة وأنا اردد مع الحجيج لبيك اللهم ليك ..واتمتم يارتني كنت معاهم.

جلست طيلة يومي متعجبا من سر ذلك التأثر! واستدعيت من الذاكرة مشهد جدي _رحمة الله_فارتفعت علامات استفهام بداخلي.. هل يورث الحنين ؟ اثمة جين وراثي ما يحمل في طياته تلك المشاعر الفياضة ،وذلك الشوق الجارف الذي تفيض معه دموع العينين ساخنة تُسكب في حضرة المشهد المهيب!!

ظل المشهد الدرامي الحزين يتكرر في كل عام ، أضحي كأن ثمه شيئا ما يناديني ويكرر ندائه في كل عام، كتلك الأسطورة التي تتحدث عن " الندّاهة " التي لا يسمعها أحد ، إلا ذلك الشخص المسحور الذي استحوذت الندّاهة على مسامعه فأجاب النداء...

النداء الأخير ..تعلن شركة الخطوط الجوية السعودية عن قيام رحلتها رقم 363 المتجهة الي جدة برجاء .... انتزعني ذلك الصوت الانثوي المميز من ذكرياتي وأعادني الي مطار القاهرة وأنا انهي اجراءات السفر متوجها إلي هناك....إلي عرفات الله

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان