رئيس التحرير: عادل صبري 01:31 مساءً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً
ترويض وحش التدين

ساحة الحرية

الكاتب أسامة صفار

أسامة صفار يكتب

ترويض وحش التدين

أسامة صفار 13 يونيو 2015 11:20

تؤكد شواهد عديدة أن ما أطلق عليه عبر الأعوام الثلاثين الماضية "الصحوة الإسلامية " رافقته "صحوة مسيحية " وأخري "يهودية " في مختلف أنحاء الكرة الأرضية فيما يعد صحوة إيمانية علي مستوي العالم كله ولعل محاولة الوصول إلي أسباب محددة لهذه الصحوة تسوقنا بالضرورة إلي أوائل القرن العشرين حيث استقر يقين العلم في الوجدان الإنساني وتحول ما يقرب من نصف العالم إلي حالة لا دينية " معسكر الاتحاد السوفيتي ودول التحالف الشيوعي " في مقابل الولايات المتحدة، التي استطاعت الرأسمالية فيها أن تقوم بتوظيف الدين باعتباره جزءا من الآلة الرأسمالية، وتحويله إلى طقس أسبوعي يصلح بديلا لجلسة مع طبيب نفسي علي أن يكون الإله الأمريكي هو المجموع الأمريكي نفسه بقوته الاقتصادية والعسكرية فضلا عن نمط الحياة المقدس.

 

 

وبقدر ما أسهم التقدم العلمي والتكنولوجي عبر عقود تتوسط القرن العشرين في دعم الإيمان بالإنسان في مقابل الدين فإن تراكم حالات الظلم الرأسمالي في المجتمع الواحد ومن قبل المجتمع الأمريكي تجاه شعوب العالم الفقيرة أدي بدوره إلى انسحاب غالبية هذه الشعوب إلى الدين كملجأ لقوى مطلقة غير منظورة كما دفعت الآلة الرأسمالية المتوحشة الفرد الغربي إلى البحث عن رفيق مؤنس ومعين في مواجهة اغتراب لا حدود له فكان الدين أيضا .

 

 

ولم يكن بحث الأمريكيين عن عدو واختيار الإسلام في نهايات القرن العشرين بعد سقوط المعسكر الشيوعي فعلا أمريكيا خالصا بقدر ما كان مدعوما باختيار المسلمين أنفسهم وخاصة في ظل النهب البترولي المنظم وانتزاع استقلالية القرار السياسي من دوله إضافة إلى القضية المركزية للعرب في العالم وهي قضية فلسطين .

 

 

واقع جديد

رغم وجود دولة الفاتيكان في ايطاليا فإن مركز المسيحية الحقيقي عالميا هو الولايات المتحدة الأمريكية وهي الذراع السياسي والعسكري الحامي للبروتستانتية في العالم بينما الفاتيكان تحمي الشعب الكاثوليكي وتؤثر في محيطها تماما ولأن الدين في أمريكا كان يسكن تحت رماد الرأسمالية فان الضربة التي وجهت للولايات المتحدة الأمريكية في 11سبتمبر 2001 كانت أعنف مما ظن الأمريكيون أنفسهم فالأمر لم يتوقف عند انهيار برجين وجزء من وزارة الدفاع (البنتاجون) لكنه استطاع سلخ الجلدة الأمريكية التي آمنت إيمانا مطلقا بقوتها في مواجهة أعدائها بعيدا عن وجود فكرة الحق والضمير المرتبطتان بوجود اله لدي أغلب البشر لتحل مكانها فكرة البحث عن الإيمان بقدرة تتجاوز البشر خاصة أن المشهد الأمريكي المحصن طبيعيا بحاجز مائي وقدرات عسكرية مهولة لم يستطع حماية هؤلاء من الاختراق وإهدار الرموز "البرجين " وإشعار الأمريكيين للمرة الثانية في تاريخهم بالضعف ( كانت المرة الأولي في بيرل هاربور )

يبحث الأمريكيون في السينما عن اله يؤمنون به ويصنعون في هوليوود أفلاما تبدو مقولاتها النهائية أشبه بوعظ كنسي خالص ولعل أفلام مثل (كتاب ايلاي ) و(الآخرة ) وحني أفاتار هي محاولات للإيمان بالله ودفع باتجاه اللجوء إليه بعد توحش علمي أدي إلي دمار العالم وعلي التوازي يحاول أحد القساوسة المتطرفين احراق المصحف في محاولة لازالة حقيقة دينية نافية لما يؤمن به

ولعل المشهد الديني اليهودي هو الأكثر وضوحا للعرب خاصة مع الصوت العالي والضجيج الذي يصدره حاخامات متطرفون بشكل شبه يومي ويتلخص في التمسك بأرض الميعاد وطرد العرب منها .

بن لادن

ولعل اسطورة بن لادن التي تحمل الماركة الأمريكية بالتيها المخابراتية والهوليودية والتي اكتملت بزعم القائه في البحر قتيلا هي التجسيد لفكرة الانسحاب الاسلامي داخل قوي غير مرئية وهي حالة التجلي العظمي لحركات دينية تبدأ من الخضوع باسم الحفاظ علي قوة الأمة وتنتهي بالمواجهة تحت راية الجهاد القاعدي

 

 

وينعكس التدين الاسلامي والمسيحي بشكل خاص في المجتمعات العربية في العودة للوراء لدي الغالبية ومحاولة استعادة لحظة تاريخية يستقر لدي الأغلبية من المسلمين أنها كانت الأعظم وكانت التعبير عن القوة المفتقدة الان بما يعنيه ذلك من عزة وكرامة وقدرة ولأن الأمر انسحابي تماما ويأتي كرد فعل لما يرتكبه الاخر من جرائم لا انسانية ولأن الأمة العربية والاسلامية لا تملك مشروعا حضاريا حقيقيا يتعلق بالمستقبل فان النظر للماضي ومحاولة استدعائه هو الطبيعي في حالة تقترب من النفسي الاجتماعي وليس الفكري والحضاري ولعل التسمية التي يطلقها ملالي ايران علي أمريكا وهي (الشيطان الأكبر ) هي مفتاح الرؤية التي تجعل من محل اقامة الشيطان امريكا بينما يحل الله في بلاد المسلمين لتستمر المعركة بين ممثلي الطرفين .

 

 

احتواء

البحث عن نظرية لاحتواء فوائض التدين لدي المؤمنين بالأديان السماوية الثلاثة هو الضرورة الحقيقية في اللحظة الآنية فكما ظهر سلفيو مصر وإخوانها بعد الثورة وفي رأس كل منهم إقامة دولة الله علي الأرض ولم يختلف الوضع في تونس بعد ثورتها وهو ما يحدث فعليا في الكيان الصهيوني الغاصب بطلبه وفرضه الاعتراف بدولته كدولة يهودية وتحويل الدين إلي جنسية وأرض معا ولعل مد الخطوط علي استقامتها لا يستبعد ظهور قطب عالمي أشبه بالدولة الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية التي حكمها رجال الدين المسيحي البروتستانتي لثمانية أعوام عبر (جورج بوش الابن ) واستطاعوا خلالها أن يخلقوا عالما كاملا من الحرب الدينية في كل من أفغانستان والعراق والصومال ويبقي ترويض التوحش الديني رهنا بفضيلة العلم الغائبة عن المجتمعات العربية المسلمة وإرادة التحرر التي يطاردها الملوك والأمراء لتبقي بعيدا عنهم

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان