رئيس التحرير: عادل صبري 05:40 مساءً | الخميس 13 ديسمبر 2018 م | 04 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

إباحة الدماء بين الإفتاء الرسمي والشعبي

إباحة الدماء بين الإفتاء الرسمي والشعبي

ساحة الحرية

د. مسعود صبري

إباحة الدماء بين الإفتاء الرسمي والشعبي

د. مسعود صبري 31 مايو 2015 16:03

قضى الله تعالى أن يكون هناك تدافعا بين أهل الحق وأهل الباطل وفق سننه في كونه وخلقه، {ليَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأنفال: 37]، والمطلوب من أهل الحق معرفة سنن الله تعالى في التدافع، والالتزام بشريعة الله تعالى، وبقدر التزام أهل الحق بالشريعة؛ بقدر ما تتنزل عليهم رحمات الله وبركاته، وبقدر بعدهم عن منهج الله؛ بقدر ما يجدون من قسوة البلاء، حتى يستقيموا على الطريق كما أمروا لا كما يرون، فساعتها، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } [غافر: 51].


ومن فقه الشريعة أن الدماء المعصومة في الإسلام يجب احترامها وعدم التعدي عليها، أيا كانت هي، شريفة أو وضيعة، غنية أو فقيرة، صالحة أو فاسقة، طائعة أو مذنبة، بعيدا عن موقفها السياسي، يتساوى في ذلك المواطن والجندي، والحاكم والمحكوم.

فبعض الناس يخلط الأوراق، وهم بين إفراط وتفريط، فمن الناس من يرى أن كل ما يحصل لمؤيدي الشرعية ومعارضي الانقلاب من قتل وانتهاك لحرماتهم هم سببه فيه يستحقون عليه القتل!! وعلى الطرف الآخر، نجد أن من مؤيدي الشرعية ومعارضي الانقلاب يفرح بمقتل جندي هنا أو هناك، أو يفرح بموت فاسق، ويرى ذلك انتصارا وعقابا من الله !!!

وقد ضيق الله تعالى الاعتداء على النفس، وحرم قتلها إلا بموجبات شرعية، كأن تقتل آخر عمدا، أو أن يكون زانيا محصنا، أو أن يرتد عن الإسلام ردة يقصد بها تشويه صورة الإسلام على الخلاف الوارد في المسألة، لا أن يكون القتل عشوائيا لمجرد خلاف، أو إعلان جواز قتل فئة بعينها، وفي الصحيحين عن مسروق عن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ".

و القيام بالقصاص مرده إلى الحاكم المسلم، والقضاء العادل، وأن كل شخص في دولة الإسلام له حدود وسلطة لا يجب أن يتعداها، وقد قال الله تعالى لنبيه داود عليه السلام معلما إياه أصول الحكم: { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].

وإن الخسارة الحقيقية هو أن تخسر الدين في معركة أنت تدافع فيها عنه ، فليكن الدين هو الضابط لأفكارنا ومشاعرنا وتصرفاتنا، وأن نبحث عن حكم الله تعالى، لا أن نسعى وراء شهوة النفس للانتقام، ولا أن نسكت عن باطل، فمعرفة الطريق عزيزة عسيرة، تصل إليها في الفتن وأنت تسير باحثا عن الحق، كأنك تسير بين الأشواك لتصل إلى بر الأمان من حقيقة الشريعة.

إن الإسلام ضيق مساحة إنهاء الحياة البشرية، ووضع لها احترازات كبيرة، ومن هنا، نجد أنه ليس كل جريمة في الإسلام يستحق الإنسان عليها القتل، هذا إن كانت الجريمة صادقة، فضلا عن أن تكون ملفقة، فهروب السجين في الإسلام ليس حده القتل، هذا إن كان هرب، ولا أن مجرد انتساب جندي لجيش يقوم بظلم بين أن هذا سببا لهدر دم كل جنوده، ولا أن معارضة سياسية لاتجاه معين، أو حديث إعلامي بكلام لا وزن له في شريعة الله يجعل دمه حلالا، فالشريعة ميزان حساس، وقد جعلت أن (الأصل في الدماء الحرمة)، ولذا خوف الله من عقوبة القتل العمد باطلا، وجعل عقابه جهنم يوم القيامة وكفى بها عقابا، فقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [النساء: 93].

فعلى من تولى الإفتاء رسميا أو شعبيا أن يتقي الله تعالى في دماء المسلمين، وأن يكون متمكنا في فتواه، عالما بها، محققا لمناطها، فعمل صاحب العلم أن يكون متجردا مخلصا لله تعالى، لا يميل إلى رضا العوام ولا مطالب الحكام، فلا يقدم (ما يطلبه المستمعون) من كلا الطرفين، ولكنه يبحث في الوصول إلى حكم الله تعالى، ليوقع فيه عن رب العالمين فيما يعتقده صوابا، وفاء بالوعد المأخوذ عليه في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } [آل عمران: 187]، لا ان يقول ما يحب الناس؛ أيا كان نوعهم

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان