رئيس التحرير: عادل صبري 08:04 صباحاً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

الفيزياء السياسية وعنف التيارات الإسلامية

الفيزياء السياسية وعنف التيارات الإسلامية

محمد مختار قنديل 16 مايو 2015 11:19

الفيزياء ذلك العلم الذي قدم منافع جمة للبشرية، وساعد في سرعة إباداتها، ذلك العلم الذي دفع العالم نوبل لاختراع الديناميت، وكفر عن اختراعه بجائزته المعروفة، اليوم نسعى لتوظيف الفيزياء بشكل أو بأخر في فهم الإحداث السياسية والوقائع التي يصعب علينا تفسيرها.

 

عدنا من جديد للحديث حول التيارات المتطرفة، بعد غياب ظاهري لهم من الساحة السياسية أثر الانشغال بموجة الربيع العربي وما تبعها، ولكن اليوم سنتحدث عن عنف الجماعات الإسلامية بنظرة مخالفة شيئا ما لما تم تداوله من قبل اليوم نحن بصدد تحليل لجوء الجماعات الإسلامية للعنف بناء على الفيزياء السياسية.
 

قبل التطرق لتحليل دوافع عنف الجماعات الإسلامية يتوجب علينا بداية الوقوف على مكونات العقل السياسي للجماعات الإسلامية، ولعل أفضل من تحدث في تشريح العقل السياسي كان المفكر العربي محمد عابد الجابري الذي رأى أن العقل السياسي هو عقل جماعة وليس عقل فرد وعليه ذهب لتشريح العقل السياسي العربي واصفا إياه بثلاث صفات أساسية هي القبلية والغنيمة والعقيدة، وعند الحديث إلى الجماعات الإسلامية فأننا نكون أمام مجموعة سمات أساسية مكونة للعقل السياسي لهم تتلخص في:
 

إستحضار الماضي: يظهر بصورة كبيرة في التيارات الإسلامية لجوءها إلى الماضي وربطه بالحاضر أي معايشة الحاضر بصبغة الماضي وكأنهم يؤمنون بذلك القول الرامي بأن الماضي والحاضر والمستقبل على خط زمني واحد، وعليه يظهرغياب السياق التاريخي المنخرطين فيه عن خطابهم السياسي، وهذا ما يفسره بصورة أو بأخرى الأرث الثقافي للتيارات الإسلامية في الأفكار القطبية المتعلقة بالبناء الذهني.
 

التوحد بالمعتدي: سمة آخرى من سمات العقل السياسي للجماعات الإسلامية تتمثل في التوحد بالمعتدي ويعني بتلك السمة ذهاب الجماعات الإسلامية إلى النقيض وإنتهاج نفس فعله والسير على نفس خطاه.
 

إستغلال الظروف: لعل تلك السمة من أبرز سمات تيارات الإسلام السياسي والتي صاغها كمبدأ الأب الروحي لتنظيم القاعدة عبدالله عزام ونظر لها، حيث عملت التيارات الإسلامية إلى إنتهاز فرصة القول الشائع بعداء الغرب للإسلام في التبرير لأفعالهم وتحركاتهم في غالبيتها.
 

الغطاء الشرعي لأفعالهم: دائما ما تتخذ الجماعات الإسلامية من مفهوم "تطبيق الشرعية" غطاء لها ولأفعالها وتدعى السعي نحوه وإن كانت الطرق لذلك التطبيق مختلفة إلا أنه الغطاء الأساسي لكافة الجماعات.
 

العقيدة: العقيدة داخل العقل السياسي للجماعات الإسلامية لا نعني بها مطلقا الإسلام بقدر كونها تشير إلى التمذهب ولعل الأبرز في تلك النقطة قول زعيم القاعدة بن لادن " لسنا جامدين، سندور حيث تدور العقيدة".
 

تلك أبرز السمات المكونة للعقل السياسي للجماعات الإسلامية والتي ربما تنتقص أو تزيد عليها سمة طبقا للإختلاف في طبيعة وتكوين كل جماعة على حدها ولكن في الغالب ما يدور تكوين العقل السياسي لهم في تلك السمات.

 

نتوجه الآن للحديث عن ذهاب الجماعات الإسلامية لإنتهاج العنف مستخدمين مجموعة من قوانين الفيزياء في تفسير ذلك وهي:

الجسم الساكن يبقى ساكنا ما لم تؤثر عليه قوة خارجية فتحركه

إن تأثير قوة أو مجموعة قوى على جسم ما تكسبه تسارعا يتناسب مع مجموع القوى المؤثرة فيه

لكل فعل رد فعل مساوي له في القوة، ومضاد له في الاتجاه
 

أولا القوة الخارجية المؤثرة على الجماعات الإسلامية:
 

حقيقة الأمر عند الحديث عن لجوء الجماعات الإسلامية للعنف نكون بصدد الحديث مجموعة من العوامل أحدها داخل نطاق تواجد الجماعة نفسها والآخر يتمثل في ردود الفعل العالمية الغربية منها خاصة.
 

بداية استغلت القوى الغربية والولايات المتحدة والأنظمة السياسية عقيدة تلك الجماعات لتزجهم بألقاب وأسماء مثل " الإرهابيين، الخوارج الجدد، العملاء" وغيرها من الأسماء التي دائما ما كانت تلك التنظيمات ترمي بها القوى السياسية جمة إسلامية غير منتمية لهم وعلمانية، تلك المسميات مثلت قوة خارجية لتلك التنظيمات الإسلامية ساعدتها في اكتساب أرضية عددية كبيرة داخل المجتمعات الإسلامية تحت لواء "محاربة الغرب للإسلام والمسلمين".
 

ومن ناحية أخري وطبقا لرؤية الجابري وتفريقه ما بين السلفية النهضوية المنبثقة من أفكار محمد عبده والأفغاني، والسلفية الجهادية المنبثقة من أفكار محمد بن عبد الوهاب على أساس القطرية والعالمية، فالأولي كانت معتمدة في مواجهة الفكر الغربي والاستعمار على أساس العمل المباشر قطريا، أما الثانية فتخطت القطرية نحو عولمة مضادة لمفاهيم مختلفة من أمركة وامبريالية وعولمة.
 

وعليه تجد قوتان خارجيتان أثرا بشكل كبير في سعى الجماعات الإسلامية للجوء للعنف، ويتبقى لنا هنا في تلك النقطة التعرض للقوة المؤثرة على الجماعات الإسلامية في نطاق تواجدها.
 

ربما يكون الحديث عن القوة المؤثرة داخليا في لجوء الجماعات الإسلامية للعنف نقطة شائكة شيئا ما ولكن الواقع يشير أن الجماعات الإسلامية لها فكر خاص وإن إختلافنا معهم في ذلك والمجتمعات التي تنشأ بها تلك الجماعات كثير ما تردد قول أن الفكر لا يواجه إلا بالفكر ولكن مجرد قول في غالبيته، فترى الأنظمة تتجوه نحو الجماعات الإسلامية بالإعتقال والعنف في بعض الحالات وهذا ما يطلق عليه العنف الرسمي الذي بدورها يولد أو يمثل حقنة الطلق لخروج عنف الجماعات الإسلامية، وعليه تجد أن خروج جماعة إسلامية في الغالب بحادثة إغتيال أو تفجير يسبقها حملات إعتقال أو توجيه ضربات نحو معاقل تلك الجماعات من قبل الدول وأبرزها ما يحدث الآن في مصر من تفجيرات متتالية تلت سلسلة الأحكام بالإعدام تجاة قيادات جماعة الإخوان المسلمين.

ثانيا: حجم تأثير القوة الخارجية ورد فعل الجماعات الإسلامية:
 

تشير الفيزياء أن لكل فعل رد فعل مساوي له في القوة، ومضاد له في الاتجاه، وعليه تدور العلاقة ما بين الجماعات الإسلامية وما بين القوة المؤثرة عليه في شكل علاقة رد فعل، قد يتبادلوا الأداور فيه ما بين الفاعل وراد الفعل وما يحدد سرعة رد الفعل هو اجتماع القوة المؤثرة وسرعة تحركها وتأثيرها في راد الفعل.
 

وبتطبيق ذلك على الجماعات الإسلامية نجد أن تكالب وتسارع القوة الخارجية من قوة عالمية وقوة داخل نطاق الجماعة عليها يدفع الجماعة للمسارعة في إتخاذ رد فعل وإنتهاج عنف يوازي ما وجه نحوهم من قبل القوى الخارجية وهذا ما يفسره إتسام العقل السياسي للجماعات الإسلامية بالتوحد بالمعتدي.
 

نهاية يتبقي السؤال القائم دائما والمفروض على الساحة في كافة العصور والأزمنة: كيف يمكن التصدي للجماعات الإسلامية المتطرفة وإبعادها عن إنتهاج العنف؟ وتظل الإجابة الدائمة والتي لا تتخذ نحو التطبيق خطوات جدية والتي تتلخص في مقولة "الفكر لا يواجه إلا بفكر"

وعلي الله قصد السبيل..
 

محمد مختار قنديل
كاتب وباحث سياسي

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان