رئيس التحرير: عادل صبري 09:29 صباحاً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً
ماذا بعد ؟!

ساحة الحرية

الدكتور مصطفي السعداوي

ماذا بعد ؟!

الدكتور مصطفي السعداوي 08 أبريل 2015 15:15

بعد أن انهارت فرنسا أمام الغزو في الحرب العالمية الثانية وانهار جيشها تماماً ثم حررها الحلفاء, وعندما عاد ديجول إلى فرنسا قادماً من الجزائر قابل صديقه ووزير ثقافته فيما بعد الكاتب الكبير أندريه مارلو وسأله أنا أعرف أن فرنسا انهارت كل مرافقها ومؤسساتها ولكن خبرنى يا صديقى عن حال الجامعة وحال القضاء ...فأجاب مارلو: بالنسبة للجامعة والقضاء لحقهما ما لحق غيرهما ولكن الأمور فيهما مازالت تسير نوعاً ما أو على حد التعبير الفرنسى الذى قاله مارلو ça va un peu، فرد ديجول إذا كانت الجامعة والقضاء مازالا فيهما أمل فإننا يمكن أن نعيد بناء فرنسا .

لم يكن الزعيم الفرنسين خائناً لوطنة عندما قدم في ترتيب الأولوية الجامعة والقضاء علي ما دونهم من أجهزة وموسسات سيادية .. لم يكن ذلك من وقت بعيد عنا وأن كان يفصل فرنسا الان عن هذا المشهد عشرات السنوات وهي فاصل صغير في عمر التاريح ... ولكنها ادركت حقيقة العبارة وعملت علي إستقرارها فكانت نقطة الإنطلاق الحقيقية لمستقبل أفضل.

تذكرت هذه العبارة وأنا اطالع إحالة القاضي الجليل زكريا عبد العزيز إلي مجلس التأديب والصلاحية بتهمة إقتحام مقر أمن الدولة .. فشعرت بدور في رأسي وكاد أن يشل تفكيري وإنتفضت من أعماقي ليس لقرار الإحالة ذاته ...فلا عاصم لاحد من المسائلة ولا تمايز بين الأفراد فالجميع أمام القاعدة القانونية متساوين ...ولكن هل قوي الدليل علي هذا القاضي الجليل ...حتي نستدعية من كهف شيخوختة القابع فيه كرهاً عنه ... لنودعة خلف قضبان المحاكمة.... وحينها سنرجع إلى لعبّة الدبّ، والجبّ ... وسنستنكر .. وسنشجب .. وسنسمي الأشياء ولكن بغير مسمياتها.. ناسين أو لعلنا متناسين ما قررة رئيس محكمة استئناف باريس: القاضي دي لافا كيري عندما ألقى خطابه عند تنصيب الملك لويس الحادي عشرمخاطباً إياه : يا مولاي ، اسمح لي أن أصرح لجلالتك أن هناك شيئا لا أستطيع فيه أن أطيعك . قال له الملك: ما هو ؟ أجابه: ضميري. وهذا القاضي مع بعض الآخرين تقدموا إلى الملك بعد ارتداء الثوب التقليدي للقضاء وأرادوا ترك الثوب للملك لأنه يصدر أوامر ملكية جائرة وعندها تراجع الملك وعاد القضاة إلى أعمالهم .

ولا جدال في القول أن العدالة لم ولن تحرم من الشرفاء المدافعين عنها ولسوف تبقي كلمات القاضي محمد عبد العزيز ابو خطوة بعد حكمة ببراءة محمود عبد اللطيف ( أن في مصر قضاة لا يخشون الا الله)... نبراساً لم يريد للعدالة طريق.. وغير بعيد عنا أيضا استقالة القاضي الفرنسي لاموا نيون: عندما زاره الوزير (كولبير) طالبا منه إدانة (فوكيه) وان يفصح عن رأيه قبل جلسة المحاكمة, وعندها قال لاموا نيون بان القاضي لا يفصح عن رأيه إلا مرة واحدة وفي المحكمة فقط, واستقال من منصبه بسبب ذلك. وكذلك القاضي الفرنسي لابوتارديه: ترك محكمته وغادر إلى انكلترا لكي لا يخضع لرغبات السلطة التنفيذية مفضلاً العيش في كوخ على مخالفة ضميره وحياده ولم يصطحب معه إلا رداء القضاء وعندما حضره الأجل لبس الرداء وكأنه في منصبه وعلى قوس المحكمة مات ميتة القضاة . لقد صدق فولتير فيلسوف الثورة الفرنسية الكبرى قال: (ان أعظم عمل إنساني هو رد العدالة لمن فقدها ).

ويقول التاريخ وسيبقي يقول أن فريدريك الثاني ملك بروسيا : أراد توسيع حديقة قصره فاشترى العقارات المجاورة إلا أن فلاحا بسيطا كان يملك طاحونة على الهواء ورثها عن أبيه وجده, وأبى أن يبيعها, فأمر الملك باستدعائه وقال له: أني آمرك أن تبيعني طاحونتك, وأنت ترى مني تسامحا إذ اعرض عليك الشراء, وأنا سيد بروسيا وفي قدرتي أن أتملكها دون أن أدفع لك ثمنها , فأجاب الطحان : أأنت تأخذ طاحونتي ؟! كان يمكن ذلك لو لم يكن في برلين قضاة . وبقيت هذه الطاحونة ليعتبرها الشعب الألماني رمزا للعدالة والحق في بلدهم .

أما قضية الطالب الزنجي بجامعة تكساس عندما قررت عدم قبول الطالب الزنجي كون جميع الطلاب من البيض وعندها لجأ الطالب الزنجي إلى المحكمة الاتحادية, وحصل على حكم قضائي بأن يدخل الجامعة إلا أن رئيس الجامعة وحاكم الولاية لم يلتزما بقرار المحكمة, وعندها وفي عام 1962 قرر الرئيس الأمريكي جون كندي إرسال ثلاثة آلاف جندي أمريكي لتنفيذ الحكم وأدخل الطالب الزنجي الجامعة تحت أسنّة الحراب وقال كندي: (إن عدم تنفيذ حكم المحكمة الاتحادية يشكل سابقة خطيرة في التاريخ الأمريكي).

لم يكن القاضي الجليل طامعاً في مطمعة وظل رافعاً لراية إستقلال القضاء وحيدتة لم ينتمي لتيار أو فصيل أو جماعة ...سكن محراب العداله مقدسا لها..طامعاً في أن تظل الجميع بظلها فتتساقط عليهم عدلاً جنيا..دون النظر لصفة الجاني أو مكانة الضحية ..فعندة يستقيم الميزان..ولا يروع الضعيف ...فبقيت عقيدتة.. أن عدالة القضاء وشموخه لا يعرف معياراً للتمايز بين المتقاضين....أن كانت هذه جريمتة وهذا ذنبة ...فما أعظم المحاكمة ...وما أروع العقوبة ... فإذا كان قصاص المجرم درساً للأشرار ... فإن البريء الذى يحكم علية...فإن قضيته قضية كل الشرفاء.. لقد جاهد القاضي الشيخ في حراب العدالة أخطأ وأصاب...كحال كل عمل بشري لا يأتية الكمال ..لكنة بقي ما بقي ساعياً وراء الحق .. ناشداً رفعتة.. وبعد أن أدي أمانتة خلي إلي خلوتة المقدسة ...احسبة عابداً متعبداً منتظراً زائراً كتب علينا أن يأتي يوماً إلينا دون إستأذان ليطرق أبوابنا ليقبض بأمر الله وأذنة روحاً ... لتعقد لها محكمة عليا قدسية الأحكام والميزان ....لا تعرف الموائمات ولا الحسابات ....لا تعرف مبدأ اسجنوه إلي حين .. رغم ظهور الحق ... لا صاحب جاه ينجوا بجاهه ...ولا مظلوم يهدر حقة... أستدعينا الشيخ القاضي لنعقد محاكمة يترافع فيها المترافعين عنه وسواء إنتهت بالبراءة أو الإدانة ....فسيكتب التاريخ أن قدم زكريا عبد العزيز لمجلس التأديب والصلاحية...

يا سيدى القاضى الجليل ..لا تحزن.... فنحن من إنتهت عند باب صلاحيتك صلاحيتنا.

 

 الدكتور مصطفي السعداوي

prefmoustafasaadawi@gmail.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان