رئيس التحرير: عادل صبري 02:35 مساءً | الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م | 03 ربيع الأول 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

الأنثروبولوجي.. حياة الصحابة نموذجًا

الأنثروبولوجي.. حياة الصحابة نموذجًا

ساحة الحرية

الدكتور خالد سعيد

الأنثروبولوجي.. حياة الصحابة نموذجًا

بقلم| خالد سعيد 30 أكتوبر 2017 14:53

لم تأخذ دراسة الأنثروبولوجي والإنسانيات بُعْدها المطلوب بعدُ في العقلية العربية والإسلامية المعاصرة، وقد نشأ هذا العلم استعماريًا بالدرجة الأولى لإحكام السيطرة على الشعوب الأفريقية وغيرها، ومازال محل اهتمام كبير من الدوائر البحثية الغربية والأمريكية منها خاصة.

 

ورغم وجود إشارات واضحة هنا وهناك في تراثنا، ووجود علماء أفذاذ أسّسوا للاجتماعيات بشكل علم فتناولوا السياسة والاقتصاد وطبائع الشعوب وربطوا كل ذلك بالبيئة وأضافوا محور الزمان أيضًا وتأثيره وتطوره؛ من امثال الجاحظ والدمشقي وابن خلدون والمقريزي وغيرهم، بل كان تعامل العرب مع بعض هذه العناصر قديمًا وكان له أثره في فهم القبائل والشعوب وكيفية معاملتها وغير ذلك من أمور. إلا أنه تبقى هذه العلوم فقيرة جدًا حتى الآن في واقعنا المعاصر.

 

وجدير بالذكر أنني لا أحاول هنا محاولة ساذجة لتكرار ما يفعله البعض بدراسة إعجاز أنثروبولوجي في القرآن مثلًا، وإنما استخدم الأدلة الشرعية كمصادر توثيقية للوقائع والأحداث والشخوص، وميزة هذا العلم أنه علم فلسفي يحيط بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في دراسة المجتمعات والشعوب أو الظاهرة محلّ البحث، دون إغفال للبعد الإنساني كنواة رئيسية تتمحور حولها تلك الظاهرة!!..

فحياة الصحابة مثلاً وهي تجربة إنسانية غاية في الثراء سجلت بتفاصيلها ومثلت بدقة طبائع لتلك التجمعات البشرية وتأثيرات البيئة فيها عبر الزمان الإيكولوجي (البيئي)- بحسب تقسيم إيفانز بيرتشارد- بحيث حددت مختلف أنواع الأنشطة التي مارسها أفراد وفئات ذلك المجتمع في الفصول الجغرافية المختلفة.. 

وكيفية تكيفهم معها وما ترتب عليها من مفاهيم؛ (لإلف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف)، وما انبنى على ذلك من علاقات سياسية واجتماعية واقتصادية، والفرق بين تأثير البيئة الحضرية أو المدنية والأخرى البدوية أو الراحلة.. 

 

وكذلك بين المجتمع الزراعي الرعوي والمجتمع التجاري القاحل أو الجاف، وتكيف الناس معها: (رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع) وهو تحديد المعامل الإيكولوجي (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) محاولة لتصور الإطار الاجتماعي ومكوناته، ولا يتكون ذلك الاجتماع إلا بوجود الماء، (وارزقهم من الثمرات) وهو محاولة أخرى لتحديد الطبيعة التجارية لذلك المجتمع  الذي وإن توافر فيه الماء إلا أنه يبقى مستحيلاً على الزراعة ولا تغدق عليه الأرزاق والثمرات إلا بالتجارة.

 

كما حددت تلك المفاهيم مجموعة القيم المجتمعية التي هي في الحقيقة استجابة أو انعكاس لهذه البيئة من جهة ولعلاقات الرتب الإنسانية المختلفة في ذلك الشكل الاجتماعي بشكل بنائي ولخصائص النفس البشرية وتطورها وتغلبها على طبائعها المتأصلة وانتقالها من أخلاقيات ومظاهر اجتماعية متباينة تماماً وتلك التي كانت عليها.

 

ونحن في نقاشنا لحياة الصحابة ومجتمعهم كثيرًا ما نغفل الأبعاد الانثروبولوجية أو الإنسانية في جوانبها المختلفة، إذ يطغى البعد الميثولوجي والقداسي، من حيث تصور ملائكية هذا المجتمع واستحالته على التحليل في إطاره البشري الإنساني، مسكونون نحن حيناً بالأصل الشرعي الذي يحض على توقيرهم ولزوم شقهم وهو شق الله والرسول، ومأخوذون بالانبهار الحقيقي لإحاطتهم برسول الله وذودهم عن دينه بالسلاح والأرواح، ومدفوعون بالأصل المذهبي الذي يبالغ قدر الاستطاعة في إظهار تلك الأصول؛ في مقابل إسقاط هؤلاء الأولين وانتقاصهم من قبل بعض المخالفين من الفرق الإسلامية الأخرى.

 

ويفوتنا في هذا الإطار الانتفاع بالفهم الإنساني والاجتماعي والتحليلي لهذا المجتمع -الفرصة في الحقيقة- لأي دارس للعلوم الاجتماعية وليس فقط الأنثروبولجي؛ لأنه على وجه التقريب هو المجتمع الوحيد القديم الذي نُقِلَ إلينا بهذه التفاصيل والتضاعيف الدقيقة!! وفي هذا السياق تُفتَقدُ الموضوعية ويُفْتَقَرُ الى الواقعية، وهو ما يلغز على عقول البعض فتحار في تفسير وقائع وأحداث واضحة جداً وضوح الشمس وسهلة التناول والتحليل بما قد لا يترك مجالاً للخلاف لمن عقلها، كأحداث الصراع الدامي بين أصحاب النبي بعد وفاته وخلفائه الاولين.. 

 

فيعمد فيها إلى الإنكار حيناً لحقائق راسخة أو التأويل لها بما يستحيله العقل ويأباه الواقع!!فتقرأ كتاباً كاملاً لأحد العلماء قديماً (كالعواصم من القواصم)؛ ومن المفترض أنه يعالج هذا الصراع، وتضيع فيه من جهدك ووقتك ما كان غيره أولى به لتخرج في نهايته تائهاً لا تعي ماذا حدث ولا لمَّ حدث؟! وليس العيب في ذلك فحسب..

 

وإنما العيب هو استمراره وجعله دستوراً لمعالجة مثل هذه القضايا حتى اليوم!!فالصحابة رضي الله عنهم كانوا كأي تجمع بشري تتصدره قيادة غاية في القوة واستأثرت بمجاميع الخير كلها بما من الله عليها، وقد ترك هؤلاء الصحابة -العرب في غالبيتهم- ولاءهم القبلي لأول مرة وخلافاً لطبائعهم وما جبلوا عليه؛ تركوها من أجل هذه القيادة فقط وما جاءت به من الوحي الذي قبلته فطرهم المؤهلة لذلك، كما تركوا أهليهم ونسائهم وعيالهم وأموالهم.

 

لكن هذا التجمع البشري نفسه كأي تجمع بشري آخر كان لابد أن يشعر بالحيرة والشتات بعد شغور هذا الموقع بوفاة هذه القيادة العظيمة كأي قيادة فريدة وبما لها من تفوق غير مسبوق ولا ملحوق -في يقيننا-، بل إن بعضهم وهو الحليم الرشيد بكى بكاء يشبه حال الانهيار لمجرد أن نبأته تلك القيادة بأنهم سيبقون أحياء بعده؛ فبكى ثم بكى!!وكان موقف رجل آخر منهم- وهو القوي الشديد- أن عاش لحظات من الإنكار للواقع والنسيان لبعض آيات القرآن حتى ظن أن القيادة قد عجلت إلى ربها كعجالة موسى ابن عمران وانه سيعود بعد أربعين يوماً ليقطع أيدي وأرجل المنافقين الذين زعموا أنه قد مات!! هو لا يستطيع أن يتحمل فكرة موت هذه القيادة مطلقاً!!..

 

وقال غيرهما أنهم ما دفنوا الرسول الأعظم حتى أنكروا قلوبهم، نعم تغير كل شيء وغاب القائد والأب والموجه والمعلم، وستعود كثيراً من الطبائع البشرية للظهور والتحكم في مسارات الأمور بعد ذلك رغم تهذيبها كثيرًا بما احتملته من العلم والإيمان، ولو أن وجود الراشدين بقي ضابطاً لهذه المعاني حيناً من الدهر.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان