رئيس التحرير: عادل صبري 02:33 مساءً | الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م | 03 ربيع الأول 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

هل المصالحات خيار أم إكراهات؟ (1)

هل المصالحات خيار أم إكراهات؟ (1)

ساحة الحرية

عائدة بن عمر

هل المصالحات خيار أم إكراهات؟ (1)

عائدة بن عمر 22 أكتوبر 2017 14:30

التوافق، المصالحة، التحالف، الائتلاف، الشراكة، التعايش... مصطلحات مُحْدَثة في قاموس السياسة رغم تداولها في الفهم المجتمعي على نطاقات أخرى، والبعض يرى أنها إن لم تكن تؤدي ذات المعنى فهي متقاربة لحد كبير.

 

مع انطلاق شرارة الربيع العربي من تونس ونجاح الثورة في إزاحة المخلوع زين العابدين بن علي اعتقد الكثيرون أنّ المسألة حسمت لصالح قوى الثورة وقد تختار بين أن تصفي كل أعدائها من أزلام النظام السابق أو تمكن القضاء من المهمة أو تعمل بقولة الرسول صلى الله عليه وسلّم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

 

 

غير أن الجماعات السياسية أدركت أنّ قوى جديدة قديمة كانت قائمة ومناضلة زمن الدكتاتورية برزت بقوة بزخم الثورة واكتشف الجميع أن هذه القوة المجتمعية مترسخة في ثنايا المجتمع وقد تستحوذ على كل مفاصل السلطة وتصبح بعض الأحزاب اليسارية منها بالخصوص على هامش مخرجات الثورة.

 

فانطلقت لبناء معادلة جديدة مكوناتها الأساسية: اليسار مع قوى المنظومة القديمة من إفرازات عقود الدكتاتورية مقابل هذا التيار الزاحف الذي هو الإسلام السياسي ممثلاً في حركة النهضة وهو حزب مهيكل منظم ومكوناته ملتزمة لعملها ونضاليتها التزاما راسخا.

 

وكانت انتخابات 2011 مفصلية وقراءتها تطلبت تمعنا من كل الأطراف، فقد تمكنت قوى التيار الإسلامي ممثلة بالنهضة من حصد أغلبية وإن غير مريحة في المجلس التأسيسي فكانت صاحبة القرار في تعيين الحكومة والرئاسة ومع ذلك وجدت نفسها غير قادرة على هدم المنظومة "النوفمبرية" بكاملها فلا هي تملك الإعلام ولا رأس المال

 

ولا الإدارة، وفوق ذلك ومقابلا له استأسدت قوى اليسار خاصة في تحريك كل ما أمكن لزعزعة الاستقرار والمسار الانتقالي فسجلت أعلى نسبة إضرابات قطاعية وعامة وشنت الحملات الإعلامية الممنهجة لتحويل وجهة الثورة وتوجيه الرأي العام نحو هذا الكائن الجديد المسمى بالتيار السياسي الإسلامي ومحاربته فهي على النقيض منه فكريا وايديولوجيا وسياسيا، وقد كانت قبل ذلك شريكا فاعلا مع أجهزة الدكتاتورية في محاولة استئصاله بل ومحقه من الخريطة السياسية.

 

النهضة قارئ جيد يحسن التعامل مع المستجدات ويطوع ما أمكن منها لصالحه، فكانت قراءته في جملتين: الخيار بين التطاحن الأهلي وإراقة الدماء أو البقاء بالحد الأدنى وعدم التفريط في مكتسبات الثورة والتي على رأسها الحرية والديمقراطية.من هذه القراءة وجدت أنه من الضروري سحب البساط من تحت أعداء الثورة والقوى الثورجية التي لا تتوقف في حربها دون هوادة على الإسلام والقوى الإسلامية، حيث ترجمت عدوانيتها بأساليب غاية في الخطورة فظهر الإرهاب المبرمج والاغتيالات لشخوص من اليسار لتتهم بها النهضة وحكومتها وينقسم المجتمع وتجد المنظومة القديمة حجتها بأن الأوضاع التي كانت مستقرة و"الأمن والأمان" التي كان ينعم بها المواطن زمن المخلوع...

 

ومن هنا أحدث لقاء باريس بين الشيخين: راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي حيث وضعت اللبنة الأولى لمواجهة الوضع القائم بمصطلح جديد سموه: التوافق ومنه انطلق مشروع للتعايش لا يقصي أحدا لا من القديم ولا من الجديد، ثم تدعمت الحوارات بما سمي الحوار الوطني الذي تنازلت بموجبه النهضة عن الحكم لصالح حكومة تقنية "تكنوقراط" وبقيت تملك قرار التصرف الحذر من خلال كتلتها البرلمانية التأسيسية...

 

وقد ترجمت هذه السياسة خاصة في صياغة بنود الدستور التي حققت أكبر نسبة توافق حيث بلغ عدد المصوتين بنعم 200 من أصل 217 وقوبل هذا الدستور الجديد بترحيب كبير في الداخل والخارج فقد جمع في ثناياه تمسكا بالهوية وبالنظام الديمقراطي وبتقدمية فريدة على كثير مما سبقه. وكانت قوى اليسار والتجمع في صيغه الجديدة قد عملت جاهدة على وضع مطبات كثيرة للإيقاع بالنهضة ووضعها في زاوية المتهم من الداخل والخارج ولكن باءت هذه المحاولات بالفشل الذريع، فكان قانون تحصين الثورة الذي يقصى المنظومة القديمة الذي لم تصوت عليه النهضة وأشعرت من خلال ذلك الشيخ الباجي ومن حوله بأنها جادة في مسارها التوافقي إلى الحد المناسب. ثم كانت انتخابات 2014 التي فاجأت الرأي العام بنتائجها حيث تمكن النداء وهو صيغة جديدة للتجمع المنحل من غالبية الأصوات وتمكن الباجي من الفوز بمقعد سيد قرطاج ما أثبت للباجي نفسه أن النهضة جادة في مسارها وأنه مطمئن لذلك لحد جعله يستعصي أمام إملاءات الإمارات العربية المتحدة التي وعدت بإغداق العطاء على النظام الجديد شريطة إقدامه على إقصاء التيار الإسلامي ...

 

وما يثير التساؤل في الخصوص أن حدة الإضرابات خفت لحد ملفت ونسبة الحراك الشارعي من مظاهرات وغيرها تراجعت وهدأ الإعلام من حملاته لحد معين كل هذا أكد صوابية الخيار الذي اعتمدته بالتوافق وتجنب الصدام مع أي قوة داخلية أو خارجية وإن كانت في الجانب الداخلي قد خسرت نسبة من مؤيديها الذين يعتقدون أنها خانت الثورة وتسعى للسلطة ـ رغم تنازلها عنها ـ لكن شعارها بقي دائما: مصلحة الوطن قبل مصلحة الحزب وما سنخسره اليوم سنستعيده غدا.النهضة وقوى أخرى لعل النداء الحالي أحدها آمنت بأن التوافق هو الطريق الوحيد السالك للمرور لمستقبل تونس. والنهضة حريصة على توسيع هذا التوافق لكل القوى المجتمعية إلا من أقصى نفسه وقد انخرط البعض منهم في المسار على أمل أن يترسخ ذلك مستقبلا.

 

غير أن هذا المناخ لم يكن للأسف متاحا لكل الأشقاء رغم بعض الظروف الأنسب لبعضهم، فالإخوة في مصر وبعد ثورة عملاقة زعزت كيانات العدوان وبقراءة خاطئة للمعطيات كانت الانتكاسة وسقطت الثورة في مطب سحيق قد يصعب عليها العودة منه عاجلا، فتولي العسكر للسلطة ووصم الإخوان المسلمين بالإرهاب وما ترتب على ذلك من قوانين إرهابية لإقصائهم واستئصالهم رغم أنهم قاطرة الثورة والقوة الاجتماعية والسياسية الأكثر تنظيما والتزاما.ولم تكن فرصة أي نوع من التوافق متاحة رغم بعض الجهود باعتبار مصر دولة مواجهة مع العدو الصهيوني وكل توافق يفضي بالضرورة لمواجهتها فتكاتفت قوى الرجعية العربية والامبريالية الغربية والشرقية على هدف واحد: إسقاط الثورة وترهيب الشعب من كل محاولة لاستعادة المسار الثوري والاستفادة من ثماره.

 

والإخوة في سوريا الشهيدة وما أقدم عليه جزار دمشق الذي أدرك أن طوفان الربيع العربي سيجرفه إن لم يسارع ببناء سد منيع تمثل في المسارعة بإطلاق النار على كل نفس ديمقراطي وكل محاولة سلمية للتغيير، فكان أن تحول فصيل من الثورة إلى عسكر وأضحت الأخبار ليس عما أنجزت الثورة للشعب بل كم دفع هذا الشعب من شهيد وكم سقطت من بناية وكم شردت من أسرة وكم اعتقل من مواطن وآخرها كم عدد القوى الإرهابية التي هبت لنصرة السفاح ضد شعبه. ورغم كل محاولات تقريب الرؤى وصناعة توافق ولو بسيط يحمي البلد فقد كان الإصرار على القتل ثم القتل وتعدد القتلة والقتيل واحد: الشعب السوري المجاهد.

 

وليس بعيدا عن تونس المتوافقة على السلم الأهلي والحفاظ على الوحدة الوطنية كانت ليبيا بعد القذافي تعاني ما يشبه المثال السوري في فصول معينة، فقد تسلحت الثورة منذ البداية واحتدم القتال وأصبحت الحرب لا تعرف أصحابها، وكانت نفس القوى المعادية للربيع العربي قائمة بدورها في التأليب والتأجيج ودعم هذا وذاك والهدف واحد: الإطاحة بالجميع. غير أن جهودا تونسية ومغربية كانت فاعلة لحد مريح فقد تمكنت من التوفيق بين فصائل ومشارب مختلفة وقربت إمكانية الوحدة الوطنية وآخر الجهود التونسية المحادثات التي سيرتها أخيرا على أرضها قبل فيها من يستحق الإقصاء فعلا كشريك فاعل في المرحلة القادمة وهنا أقصد الجنرال حفتر الذي أمكن له المشاركة وسحب البساط في شأنه من عسكر مصر وأصفار الإمارات.

 

لكن المثال الأقرب إلى التجربة التونسية من جانب والمتفرد من جانب آخر هو التوافق الفلسطيني الفلسطيني، فالقوة الإسلامية ممثلة في حركة حماس أساسا وهي الفائزة بالانتخابات في 2006 وهي صاحبة الحق في تسيير دواليب شبه الدولة الفلسطينية ولأنها ترفع شعارا إسلاميا متعارفا: القدس لنا، وفلسطين كل فلسطين أرض عربية إسلامية ولا اعتراف بالعدو الصهيوني الغاصب وجدت نفسها في مواجهات متعددة وأعداء شرسين من مواقع مختلفة، فالعدو الصهيوني يعمد بين الفينة والأخرى لقصف قطاع غزة الذي تفردت به بعد عدم الاعتراف بشرعيتها في الحكم بصندوق 2006 ما استوجب جهدا كبيرا للمواجهة من خلال كتائب القسام الجناح العسكري لحماس الذي أبلى بلاء حسنا في مواجهة كل عدوان بل أقدم في العديد من المرات على البدء بالهجوم وضرب العدو في العمق.

 

وبعد سقوط الثورة المصرية وتحول مصر من نصير ولو بمقدار إلى عدو أشرس من الصهاينة أنفسهم حيث مارست على غزة حصارا بحريا وبريا أودى بحياة العديد من الضحايا واصطنعت مصر العسكر الإرهاب في سيناء وحاكمت وأعدمت كل من تخول له نفسه دعم الشعب الفلسطيني في غزة لدرجة أن ضاق الخناق عليها واستطاعت مصر مع الأسف تحقيق ما عجز عنه الصهاينة فأنهكوا الشعب المحاصر وجعلوا الخيارات أمامه بين الموت بالحصار أو الموت على خط النار.

 

لم نهتم لذكر عباس وحكومته وأجهزته التي تسيطر على الضفة الغربية وتمنع حماس من التواجد أو النشاط وتنسق مع الصهاينة ضدهم حتى لا تكون الضفة ميدانا للمقاومة كما هو شأن غزة وكان الهدف دائما إخضاع غزة والاعتراف بالعدو والرضا بالفتات الذي قد يقدمه لما يسمى السلطة الفلسطينية لم نهتم لهذه السلطة لأنها بالنهاية شريك فاعل مع الصهاينة وعسكر السيسي في الحصار والعدوان فلا فرق يعتد به بين الثلاثة.

 

في ظل هذا الموقف العصيب ولأن حماس من شبيه النهضة التونسية وذات المرجعية الإسلامية تعتمد أساسا مبدأ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وهي كمثيلاتها ليست من هواة السلطة بل من التواقين للتحرير فقد وجدت أنه لزام عليها أن تعيد النظر في تموقعها وأن تضع نصب عينيها أكثر من مليون فلسطيني غزاوي قد يصبحون وقودا لحرب إبادة متوافق عليها بين العرب المستعربة في مصر والضفة والإمارات والغرب والشرق، فكان الخيار التنازل ثم التنازل حتى يرضى ممثل الصهاينة عباس ومن حوله لتفتح الكماشة التي تضغط على الطفل والمرأة والشيخ الفلسطيني لتقتله ببطء. وكان خيار حماس التنازل عن سلطة غزة وتسليمها لحكومة سميت بحكومة الوفاق أو الوحدة الوطنية . قد تكون وحدة وطنية مسقطة بشروط غير وطنية ولكن مطمع حماس منها أن يحفظ ما بقي من الشعب الفلسطيني وأن لا تتحول القضية إلى لاجئين وحصار والحال أنها قضية تحرر وطني من الاستعمار.

 

حكومة التوافق الفلسطيني وإن كانت تشبه لحد ما حكومة التوافق التونسية لكن درجة الإكراه فيها

 

تختلف لحد بعيد فما قد يترتب على التوافق التونسي هو وحدة وطنية على أسس التعايش والشراكة في حين أن التوافق الفلسطيني على أسس التنازل عن حقوق الشعب للحفاظ على ما بقي من الشعب.الذين يعتبرون التوافقات خيانة للثورة وتنازلا للمنظومة النوفمبرية في تونس أو منظومة العمالة للصهاينة في مصر والضفة متفقون على أنهم لا يستطيعون تقديم أي بديل فعلي فهم من الواقفين على الربوة ويقولون الشعر ويتغزلون بالصحراء الفكرية التي هم يهيمون فيها.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان