رئيس التحرير: عادل صبري 02:33 مساءً | الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م | 03 ربيع الأول 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

الهجرة النبوية.. دروسها بشرى رغم واقعنا المرير

الهجرة النبوية.. دروسها بشرى رغم واقعنا المرير

ساحة الحرية

المسجد النبوي

الهجرة النبوية.. دروسها بشرى رغم واقعنا المرير

عام هجري يطرق أبواب المسلمين، نؤمل فيه لأمتنا أن تُقال عثراتُها، وترفع راياتُها، وتعلو هاماتُها، وينخلع عنها ثوب الصغار، وسرابيل الذل والخِذْلان، لتكتسي رداء العزة والفخار، ويعود لها أمجادها في سالف الأزمان.... آمال عريضة وأمانٍ مستفيضة؛ مبدأها ومنتهاها -عند الكثير- القلب واللسان، فلم تتحرك لأجلها الجوارح، ولم تجهد لها الألباب والأذهان..

 

ورغم السواد الحالك الذي يقبع فيه عالمنا العربي والإسلامي، إلا أن فجر عزها وإشراقة مجدها سيعود يوما.. فهي أمة أبناؤها معادن؛ يُصْهَرون باللهب ليعودوا أنقى من الذهب، وتغسل أدرانهم بالمُلِمّات والمحن، لتنهمر عليهم التيسيرات والمنح...


وأقرب برهان على هذه التباشير، ما يفوح لنا من سيرة البشير النذير، فما يُشَقُّ صدره إلا ليمتلئ نورا، ولا يعيش يتيما إلا ليصطفيه الله خليلا، ولا يقول له أعداؤه إن ربك قلاك إلا ويقول له ربه: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}، ولا ينعته مُبْغِضُه بالأبتر إلا ويُردّ عليه نعتُه {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}. ولا يمر عليه عام حزن إلا ويُسَرّى عنه بالإسراء والمعراج، ولا يترك بلده مُهَجَّرا إلا لينصر نصرا مؤزرا، ولا يمهر بخاتمه يوم الحديبية حقدًا دفينا، إلا وينزل عليه {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}.. تتبع ذلك في سيرته صلى الله عليه وسلم تجده {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا }..


فتقرر في تاريخنا وواقعنا أن المشقة تجلب التيسير، وأنه "لا بُدّ دونَ الشّهدِ من إبَرِ النّحلِ"، ولن تكون علمًا حتى تذوق ألمًا، وأن التضحيات طريق المنجيات..


ونظرة إلى جانب من دروس الهجرة النبوية تجلي لنا هذه الحقيقة الإلهية.. فانظر ماذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من التضحيات والصبر حتى أصبحت الهجرة أول سطر يخط في كتاب نصر الإسلام وارتفاع رايته..


يعاقب كفار مكة مخالفيهم وأشرفَ من فيهم بإخراجهم من ديارهم وأوطانهم، وتلك مصيبة لو مُثّلت حجرًا لصارت من مُدِكَّات الجبال، فقد جمعت مع الفقد والذل قهر الرجال... تأمل كيف جعل الله قتل الأنفس قرينا للإخراج من الديار {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66].. وتأمل زفرات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب مكة مودعا: « واللهِ إنَّك لَخيْر أرْض الله، وأحبُّ أرْض الله إلى الله، ولوْلا أنِّي أُخْرِجْت منْك ما خرجْتُ» رواه الترمذي.. تضحية بذلها الرسول الكريم وأصحابه مليئة بالآلام والحسرات، ولكن سنوات ويعودون منصورين مرفوعي الرأس... فهل يجد المُهَجّرون قسرًا من السوريين والروهينجا وغيرهم من المسلمين سلوى وبشرى أنهم عائدون يومًا والنصر حليفهم..


 

وهذه أمُّ سلمة؛ أوَّل امرأة مهاجِرة في الإسلام - تقول: "لَمَّا أجْمَع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رَحَّل بعيرًا له، وحَملَنِي وحَمل معي ابنَه سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلمَّا رآه رجالُ بني المغيرة بن مَخْزوم، قاموا إليه فقالوا: هذه نفْسُك غلبْتَنا عليها، أرأيتَ صاحبتنا هذه، علامَ نترُكك تسير بها في البلاد؟ فأَخذوني، وغَضِبَتْ عند ذلك بنو عبدالأسد، وأهوَوْا إلى سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها؛ إذْ نزعتُموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابنِي سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبدالأسد، وحبسَنِي بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتَّى لحق بالمدينة، ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني"، فمكثَتْ سنة كاملة تبكي، حتَّى أشفقوا من حالِها، فخلَّوْا سبيلها، ورَدُّوا عليها ابنها، فجمع الله شَمْلَها بزوجها في المدينة...


لله درك يا أم سلمة ألان الله لك قلوبا {كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}... وليستبين لنا أن الأيام تزيد قلوب الظالمين قسوة وتحجرا، فمن يأتي المقهورات والمظلومات من المسلمين اليوم بظالمين قلوبهم كقلوب كفار مكة.


وهذه ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر تحمل الطعام للرسول وصاحبه في غار ثور، تقول: أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم؛ فقالوا‏‏:‏‏ أين أبوك يا بنت أبي بكر‏‏؟‏‏ قالت‏‏:‏‏ قلت‏‏:‏‏ لا أدري والله أين أبي ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي‏‏.


لله درك يا بنت أبي بكر، أخفيتِ رسول الله وأباك بوجهك الكريم، وابتلاك الله بحامل لواء الكفر، والمكتسي رداء الجهل.. وليستبين لنا أن الأيام تزيد الجاهل جهالة وحمقا، فمن لمسلمات اليوم بأبي جهل ‏يقف على الأبواب، ولا يقتحم الخدور والأستار، ثم يقول وقد تسربل بالخجل: ويحك اكتمها عني فإنها كانت زلة.


وهذا صُهَيب الرُّومي، لَمَّا أراد الهجرة، قال له كُفَّار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالُك عندنا، وبلَغْتَ الذي بلغت، ثم تريد أن تَخْرج بِمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب:" أرأيتم إنْ جعلْتُ لكم مالي، أتخلُّون سبيلي؟" قالوا: نعم، قال: "فإنِّي قد جعلتُ لكم مالي"، فبلغ ذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلَّم - فقال: ((رَبِح صهيب))..


لله درك يا صهيب ضحيت بمالك، لتنجو بدينك وتلحق برسولك... وليستبين لنا أن الأيام تزيد الظالمين نهمًا لما في أيدي مظلوميهم فلا تشبع بطونهم حتى يأكلوا لحومهم، ولا يروى ظمأهم إلا بدمهم، شعارهم: مالك ودمك..


أعباء وتضحيات حمل لواءها رسول الكريم وصحبه الأطهار.. لنعلم أن طريق العزة لها ثمن يدفعوه سالكوه، يتأهبون للمحن، وينتظرون العاقبة..


{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ، تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود 48، 49].

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان