رئيس التحرير: عادل صبري 02:34 مساءً | الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م | 03 ربيع الأول 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

محمد فاروق يكتب: كيف تشيع حساسيات الطعام في أطفال المجتمعات الحديثة؟

محمد فاروق يكتب: كيف تشيع حساسيات الطعام في أطفال المجتمعات الحديثة؟

ساحة الحرية

د. محمد فاروق أحمد - أخصائي طب الأطفال

محمد فاروق يكتب: كيف تشيع حساسيات الطعام في أطفال المجتمعات الحديثة؟

محمد فاروق 19 يوليو 2017 18:31

كلمة "حساسية" تعنى استجابة مفرطة من جهاز المناعة ، دون ضرورة ، وبشكل غير منطقى ، وبلا عائد صحى على الإنسان المصاب ، هذه الاستجابة  تكون تجاه أحد المواد المتعرَّض لها كالأدوية والأغذية والأمصال وكيماويات الأطعمة ودهانات الجلد كالمراهم والكريمات بل وأحياناً الحُلىّ الذهبية ومستحضرات التجميل.

 

نحن نصف امرأة ما أو شخصاً هشّ المشاعر بأنه "حسّاس" ، قد يبكى من كلمة عادية ، أو يكتئب من موقف عابر ، أو يهجر صديقاً مقرّباً بسبب نظرة عين لم يتأنّ حتى يعلم مرادها ، في كل الحالات هنا كان وقع الاستجابة ضارّاً على الشخص المرهَف المسارِع في ردة الفعل ، والتي تصيبه أضرار تسرّعه دون أن تؤذى الشخص الآخر ، هذا الشخص جدير بتمثيل جهاز المناعة المتحسِّس ، المشحون بطاقة سلبية إزاء أحد بروتينات الأطعمة أو أغذية الطفل المهمة ، إنه ينتج تفاعلات حساسية تنهل من الجسم وتنهكه دون وجود خطر حقيقى يتهدّد البدن من مجرد غذاء غنى بالبروتين أو شربة دواء قد يفيد متعاطيه أو دهاناً جلدياً مرطباً أو علاجياً ، نحن أمام حالة من الاختلال المناعى ، شذوذ مناعى وليس ضعفاً بالتأكيد ، فقد تكون المناعة هنا قوية بالكفاية لكنّ قوتها غير مرشَّدة ، فتوجَّه للإضرار بالجسم نفسه ، ظنّاً من الجهاز المناعى المختلّ أنه يواجه عدواّ أو جرثومة فيشنّ على هذا "العدو المحتمل" حرباً طويلة ، ليس منها ثمّة فائدة ، ولا وراءها أسباب مقنعة.

 

تظل حساسيات الطعام في الأطفال سبباً رائداً لمخاوف الأمهات والآباء ، نظراً لالتباس الأعراض ، وتضارب أقوال الزملاء المعالجين ، واتساع نطاق الأطعمة المشتبه فيها. في الواقع تشغل حساسية الأطفال عموماً – وفى القلب منها حساسية الأطعمة – حيزاً عريضاً من اهتمامات علماء الطب ، ونستطيع القول إنّ معدلات الحساسيات تزداد بشكل مرصود على المستويين الدولى والمحلى ، من المعلوم أنَ حساسيات الأطفال أعلى في نسبتها من تلك التي تصيب البالغين ، قد يرجع هذا إلى أنّ كثيراً من الأطفال – معظمهم بالفعل – يتعافى من حساسية الطعام قبل أن يصبح راشداً ، وربما أيضاً لعدم اكتمال نضج الجهاز المناعى للأطفال وسهولة تعرضه للاستفزاز وما يترتب عليه من اختلال حساسىّ ، الأطفال أيضاً هم أكثر فئات البشر إصابة بالعدوى الفيروسية ، والأكثر تلقيّاً للأمصال ، والشريحة التي تُصرَف لها مضادات حيوية بدون سبب وجيه في حالات كثيرة وغالبة ، كل ما سبق يذكّى حالة الشطط المناعى واختلال الوظائف التسامحية لجهازالمناعة ، مع استثارة الأذرع الثورية للمناعة ، ما يجعل الحساسية ضد الأطعمة أكثر وروداً في الأطفال عن الأجيال الأكبر والأقدم.

 

ليس معلوماً على وجه اليقين السبب الحقيقى للحساسية ، إنما هو مجموعة أسباب متفاعلة وليس عاملاً واحداً ، بين تلك الأسباب تضافر وتقوية ودعم ، العامل الوراثى ضلع أصيل في الحساسيات ، بالأخص في حالات تزاوج الأقارب ، ليس شرطاً أن تكون حساسية الطفل مماثلة لحساسية أحد أو كلا والديْه ، إنما يتم توريث القابلية للتحسَس وليس مكان ونوع الحساسية ، معنى هذا أن طفلاً قد تزداد فرصة إصابته بحساسية الطعام لأن والده مصاب بحساسية الأنف أو الصدر أو حتى الجلد ، وهكذا.

 

تظلّ الرضاعة الطبيعية صمام أمن محكم تجاه الوقاية من الحساسيات ، الرضاعة الطبيعية وسيلة فريدة وحتمية لتحقيق الرُّشد المناعى ، والتوقّى من شذوذ التحسّس ، وتيسير التسامح المناعى تجاه المأكولات والبروتينات المختلفة ، في المجتمعات الحديثة يتم امتهان الرضاعة الطبيعية والتفريط فيها بسبب انشغال الأم العاملة والدعاية المكثفة لشركات التغذية والألبان ، والمسارعة بإعطاء ألبان صناعية من غير ضرورة بخاصةٍ في مستشفيات الولادة وقبل التقام الطفل صدر أمه ، هذا عامل آخر قد يُزيد من فرص الإصابة بالحساسية.

 

يدرس العلماء فرضية غاية في الغرابة ، أسموها "نظرية النظافة" ، قائمة على أنّ أطفال المجتمعات الحديثة في مجملهم أقلّ تعرضاً للميكروبات والعدوى الفيروسية والديدان والطفيليات ، نظراً لتقدم سبل الوقاية وزيادة الوعى ، واستحداث تطعيمات حديثة ضد فيروسات خطيرة ، يقول العلماء أنّ أبناء الريف الذين يتعرضون للقشّ والديدان والطفيليات في حقول ومزارع الآباء ، ولا يهرع آباؤهم بهم إلى الأطباء لتلقّى مضادات حيوية بشكل متسرّع أو غير مطلوب ، ويتم ترك جهازهم المناعى يواجه معاركه منفرداً من غير مساعدات خارجية ، هؤلاء الأطفال نادراً ما يصابون بالحساسية ، يبدو للعلماء أنّ التعرّض للعدوى المتكررة في الصغر يقى بشكل كبير من الإصابة بالحساسية نظراً لحدوث درجة من الخبرة والنضج والتسامح المناعى تحول دون حدوث اختلالات مناعية لاحقة ، نفس الملاحظة ربما نجدها في الفارق بين "أبناء حارس العقار" الذين قلما تصيبهم الحساسيات ، و"أبناء ملاك العقار" الذين أرهقتهم سبل العلاج والدوران على أطباء الحساسية ، العلماء يقولون إن جراثيم أخرى ربما كانت لها وقاية ضد الحساسية ، ويضربون مثالاً بالميكروب الحلزونىّ الذى قد يضرّ بالمعدة أحياناً ، لكنّ بعض الأنواع الصديقة منه قد تقى من حساسيات الطعام ، ويقولون إنّ هذا الميكروب وغيره قد اختفوا من مياه الشرب نظراً لآليات التعقيم الحديثة ، بالطبع ليس الهدف من أبحاث العلماء الدعوة للتلوث والمرض ، وإنما هو رصد للأسباب التي أفضت إليها سبل الحياة الحديثة في مجال الحساسية ، ومحاولة السعي لعلاج تلك الآثار بآليات حديثة أيضاً.

 

شيوع الولادات القيصرية مقترن بقوة بالحساسيات ، عند الولادة الطبيعية ومع شهقة الحياة الأولى يتعرض الطفل في القناة المهبلية لجيش دفاعى وطنى من الميكروبات الصديقة المحفزة للمناعة ، والواقية من التحسس ، تلازم الطفل لفترات مطولة من حياته ، بينما يعدم الطفل المولود قيصريَاً مثل هذه النعمة الفريدة.

 

غير أنّ أحد أهم أسباب الانتشار الزائد للحساسيات ، هو خوف الجمهور والعامّة وغير المتخصصين من الحساسيات ، وميلهم لوسم – أو لوصم – أبنائهم بالإصابة بحساسية ما ، بناء على اجتزاء لأعراض ، أو تشابه لقصص مروية على المنتديات ومجموعات الشبكة العنكبوتية ، أو "المنع الوقائى" لمأكولات مشهورة بالحساسية خوفاً من الوقوع في الحساسية حتى وإن تمّ هذا المنع الجائر دون قرائن وعوارض واضحة ، تظل زيادة الوعى وسهولة الاشتباه عاملاً مساهماً بشكل رئيس في ارتفاع معدلات التشخيص بالحساسيات ، لكن قد يعنى هذا أيضاً أنّ تلك الزيادة ربما هي حالات كانت موجودة بالفعل ولم يكن التقدم الطبي سامحاً باستنباط التشخيص قبل أن ترتفع شبهات الجمهور فيلجأوا للأطباء بعد سهولة الاستدلال على العوارض ، عموماً يميل الدليل العلمى إلى أنّ المرضى الذين يصفون أنفسهم أو أبناءهم بحساسيةٍ ما قد يصلون إلى 25 % من مجموع البشر ، في حين أن النسبة الحقيقية تحوم حول 7 بالمائة على أقصى التقديرات.

 

وتظل المهمة الأكثر كلفة ومشقة ملقاة على كتفىْ الطبيب ، الذى يسير في حقل ألغام ، ما بين أهالى مترددين في قبول "مسموحات الطعام" لأطفال ليست لديهم شبهة حساسية بالمرة ، وآخرين محجمون بشكل قاطع عن محاولة المنع متجاهلين لأعراض واضحة وفادحة ، وبين هؤلاء وأولئك قسط غير قليل من أناس يتمنون الكفّ عن إطعام أبنائهم مأكولات شهيرة باستثارة التحسّس ، لمجرد أن أصدقاء ومعارف نصحوهم باجتنابها مخافة الوقوع في شَرَك الحساسية.

 

محمد فاروق أحمد

أخصائي طب الأطفال

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان