رئيس التحرير: عادل صبري 06:06 مساءً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

حمزة محسن يكتب: كالميت بين يدي مُغسلِه !

حمزة محسن يكتب: كالميت بين يدي مُغسلِه !

ساحة الحرية

حمزة محسن

المقال الرابع من سلسلة "سوف أحكي عن تجربتي"..

حمزة محسن يكتب: كالميت بين يدي مُغسلِه !

حمزة محسن 24 أبريل 2017 21:02

مازلت أتساءل عن سبب التغيُّر.. عن سر الضيق.. ضيق الصدر من طلعة بعض الشخوص.. ما السبب الذي غيَّر جداري الذي ألِفت رفقته سنين وهو يحمل لافتات الصبر والاحتساب؛ ما الذي جدَّ فجعله يحمل لافتة " اللهم انتقم ممن جعل التضحيات تفقد معناها"؟!!.. ما الذي أوصلني الآن لتلك الحالة من السخط؟!.. والدعاء علي أولئك الأناس!!.. لماذا بدأت أتساهل في إنزالهم مكانة دونية، وأضعهم في ذات سلة الجلَّاد؟!!.. مازلت أتساءل...

 

أعتقد أنهم لو كانوا يراجعون ما وقعوا فيه - وأوقعوا فيه دوائر تأثيرهم - من ممارسات وخيارات فضلًا عن أفكار وقناعات؛ لو كانت تلك المراجعات تتم ولو بقدر أنملة من الوضوح والشفافية والجرأة؛ لكان حالي تغيَّر ولكنت تعلَّقت بذاك البصيص من الأمل؛ فدُرت في فلكه!..

 

كم كنت ساذجاً للغاية حين توهمت في بداية رحلتي أن السعى للمراجعة من خلالهم سهل وبسيط؛ فالفكرة الحسنة - في مدينتي الفاضلة - حتماً ستخترق الحُجُب وتفرض نفسها؛ ما توافرالصدق والتجرُّد.. وأنا في ذلك السياق لن أجنح أبدًا لاتهام النوايا؛ فتلك خبايا لا يعلمها إلا مَن يقلِّب القلوب بين إصبعيه كيفما شاء.. أيضًا مهما امتلكت من حدس وإرهاصات بوجود تلك الأهواء في قلوب مريضة؛ فلن أملك أبدًا مايؤكدها من أمارات أو دلائل.. إذن الجميع صاحب نوايا صادقة وقلوب سليمة كقلب الخليل إبراهيم حين دعا ربه بألا يخزيه يوم يبعثون.

 

كانت الممارسات تستفزني.. فقط تستفزني.. لم تكن تؤلمني على الاطلاق؛ كنت أبررها ببساطة بأنها محض تصرفات فردية وأن الجمع يغلب عليه الصلاح، وأيما استبداد كان من القيادة في فضائي هنا؛ فهو محض نزعات فردية طبيعية كائنة في أى تجمع بشري؛ فمنا الصالحون ومنا دون ذلك.. غير أنا لسنا "طرائق قِددًا"؛ فنحن نسخات كربونية طبق الأصل.. ربما نتفاوت في ثقافة.. في علم.. في خبرة....، ولكنا نحمل نفس القناعات التي تصدر من نفس منطلقات التفكير!.

 

يومًا ما كنت أراها نقطة قوة؛ فوحدة الخطاب لتجمع بشري عندما تصحب إنكار الذات لأفراده هى بالتأكيد نقطة قوة؛ ولكن عندما تكون الوحدة إنما تكون على "شخص" !.. والتجرد للفكرة يعني التسليم له والانصياع لفهمه ورؤيته واتباع رغباته !!.. ففي الأمر عوار؛ ليس كون ذلك "الإمام" يمارس تسلطًا أو تغلبًا في غير محله وفقط؛ ولكنَّ جوهر العوار هو ذلك الرضا المقيت والتسليم الخانع لأتباع كان يفترض في نفوسهم ثورة على الاستبداد!.

 

بعد أن بدأت رحلتي؛ صرت أقرأ النصوص بعين غير عين سابقها .. صرت أبحث في مكامن ذاك التسليم عندهم.. عدت أتساءل عن سر اختلافي عن معظمهم!!..

 

في كتابه "ذكريات لا مذكرات" للمرشد السابق "عمر التلمساني"؛ متحدثًا عن علاقته بمؤسس الجماعة قال:

".... وكما يحدث في كل جماعة أو حزب أو تجمع، فقد كان لبعض الإخوان آراء ومقترحات تتعارض مع فريق آخر ولكني بحمد الله كنت بعيدًا عن هذه الخلافات كلها وكنت أرى وأسمع وأفكر بعين فضيلته وآذانه وعقله لثقتي المطلقة في صواب كل ما يرى، وقد يكون في هذا الشىء من الخطأ أو إلغاء الشخصية عند بعض الناس، ولكني كنت معه "كالميت بين يدى مغسله" وكنت سعيدًا بهذا كل سعادة.. وتلك من مميزات جماعة الإخوان المسلمين؛ الطاعة المطلقة لمرشدهم في غير معصية".!!.

 

حينها بدأت أدرك أن للأمر بُعدًا أكثر عمقًا من مجرد "ممارسات" سيئة عضَّدها خنوع "أتباع".. وأن الخوف من "الحوار" الذي يستجلي الحقائق والذي ربما يصدمك في أهلية البعض للتصدُّر؛ ذلك الخوف هو كائن بعقول معظم "الصف" من بعدهم، والذي تجلَّى بوضوح في مخيال "المرشد السابق"؛ ذاكرًا إياه بمنتهى الفخر والسعادة!.

 

كانت الممارسات المستفزة لاتزال تملؤ علىَّ فضائي.. أذكر حين بدأتُ أتناول مع مجموعة من الشباب سلسلة من مادة تنموية تخصَّص فيها شاب ثلاثينى أبدع في أدائها، ولكنه توقف بعد حين عن استكمال حلقاتها !!! وحين سألته عن السبب أبلغني في حسرة أن ضغوطًا قد مورست عليه من"إخوانه" لوقف النشاط؛ بزعم عدم حصولنا على الإذن منهم!!!..

 

صرت أتعجب من حريات ننشد رفع سقفها لمجتمع نحن بالأصل لا نحمل أيا من أبجديات تطبيقها ولو على أنفسنا.. كانت تلك الممارسات بالفعل غريبة.. الأغرب منها هو استبسال فريق في الدفاع عن تلك الممارسات بدعوى "التماس الأعذار" أو "الثقة.. الطاعة.. البيعة.. الجندية...." أو أي من تلك الأركان التى صنعت بأفهامهم المغلوطة الخانعة مستبدين آخرين ولكن في أثواب "مشايخ".. الأكثر غرابة هو علم فريق من الأفراد ببشاعة جرم تلك الممارسات ولكنه مع ذاك العلم لا يملك جرأة يعارض بها، ولسان حاله يقول: "إذهب أنت وربك فقاتلا".. كان ذلك الصنف يستفزني أكثر؛ فهم يوهمونك أن ما يفعلونه من حالة " اللا فعل "تلك، يحمل حكمة لدنيَّة لن يلحظها الرعناء أمثالي!!.

 

كان "عبد الله النفيسي" وقتها فارسي النبيل .. حين بدأت أعيش مع كتابه "الحركة الإسلامية : رؤية مستقبلية .. أوراق في النقد الذاتي" .. كان كتابه عبارة عن أربع عشرة ورقة بحثية لمفكرين بارزين تناولوا نقدًا موضوعيًا للحركة؛ كنت سعيدًا أيما سعادة عند قراءة الكتاب وبخاصة ورقة "الإخوان المسلمون في مصر : التجربة والخطأ".. أخيرًا وجدت نقدًا موضوعيًا من أحد أبناء الحركة لمؤسسها!! وبالرغم من تواضع نقد الرجل (نظرة الإمام للحزبية/تجربة النظام الخاص/القيادة من بعده) مقارنة بما وجدته عند آخرين بعد ذلك؛ إلا أنه بالفعل أدخل علىَّ سرورًا كبيرًا لمجرد قراءتي لرجل جريء كتب عن أخطاء "الإمام الملهم" .. بالطبع كنت ولا أزال أرى "البنا" ملهَما بحق ولكن من كثرة ما تنشَّأت على كونه ملهَمًا؛ فقد استبعدت تمامًا أن أجد عن الإمام نقدًا موضوعيًا يتناول تجربته!..

 

أعجبني "محمد عمارة" وهو يسرد "مظاهر الخلل السبعة في الحركات الإسلامية" .. فيتحدث عن علاقة الفكر بالحركة وعن علاقة الذات بالآخر.. عن علاقة التاريخ بالعصر وعن الموروث بالإبداع.. عن علاقة التربية الروحية بالتربية السياسية.... كنت أرى نفسي في كل مظهر من مظاهر الخلل!..

 

بدأت الأفكار تتزاحم في رأسي عندما قرأت ورقة "طارق البشري" وكيف أن "كل" الجماعات العاملة علي الساحة في القرنين الماضيين تكمل كل منها الآخر وتعالج نقصًا فرضه واقع معين؛ فالأفغاني ورشيد وعبده والمودودي والبنا كل أدى رسالة تناسب بيئته وظروف عصره، والمقارنة بينهم لحصر الأفضل ليست دقيقة.. أطروحة كانت جديدة وماتعة..

 

أعجبني "عدنان سعد الدين" وهو يؤصل شرعًا لبعض أصول العمل السياسى للحركة الإسلامية المعاصرة.. فحديث سلس عن الشورى وعلاقتها بالديمقراطية وجولة في ماتحمله التعددية من فضاءات .. فعلًا كانت أطروحة جميلة..

 

كانت توصيفات "صلاح الدين الجورشي" تحاكي عالمي كثيرًا؛ ف"الجهاز التبريري" الذي يمتلكه أبناء الحركة الإسلامية والذي يمنعها من أية مراجعة كنت قد عاصرت مثيله في محيطي .. أرشدتني كتاباته أيضًا إلي قراءة "اغتيال العقل" لكاتبه "برهان غليون"؛ ليبدأ أفق جديد يتشكل في عالمي ... بالقراءة.

 

كانت ورقة "الترابي" الناقدة للتنظيم الدولي تثير فضولي؛ فطريقة استعلائية كنت ألحظها في حديثه عن "الالتزام" وليس "البيعة" وعن "التنسيق" وليس "الطاعة".. دفعني ذلك الفضول لأقرأ كتابين ل"الشنقيطي" و"الترابي" حمل كل منهما ذات الإسم "الحركة الإسلامية في السودان" وبدأت أعي ما حملته تجربتهم في الحكم من دلالات ومآلات..

 

كان الكتاب ممتعًا لي بدرجة كبيرة جدًا.. كنت أقرأه وأنا أحس بأن مؤلفيه يخاطبونني وحدي.. يجلسون معي.. يشاركوني همِّي.. ولكن ما أثار اندهاشي بصورة أكبر هو كون الكتاب قد صدر في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي!.. من قرابة الثلاثة عقود!

 

حمزة محسن

مدون مصري وسجين سياسي

 

المقال الأول: متساقط أنا
المقال الثاني: القواعد من الرجال

المقال الثالث: زحل ٢٠٤٠

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان