رئيس التحرير: عادل صبري 05:53 صباحاً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الخيانة السياسية.. مؤسسة يديرها منافقون

الخيانة السياسية.. مؤسسة يديرها منافقون

ساحة الحرية

عايدة بن عمر

عائدة بن عمر تكتب..

الخيانة السياسية.. مؤسسة يديرها منافقون

عايدة بن عمر 28 مارس 2017 12:23

مما يثير القرف حد الفجيعة أن تتحول الخيانة من مجرد انحراف أخلاقي وسلوكي إلى مؤسسة لها قطعان من المنظرين وأفواج من المريدين، وهكذا صارت الخيانة وجهة نظر والردّة رأيا ورأيا آخر؛ فليس غريبًا أن نكتشف خائناً هنا أو جاسوساً هناك، فالخيانة ليست حدثاً طارئاً في تاريخ الأمم والشعوب، ففي كل شعوب الأرض يتواجد الخونة والجواسيس الذين يتخابرون مع الأجنبي على حساب شعوبهم وأوطانهم..

ولكن الغريب أن تتحول الخيانة إلى مؤسسة وعمل ممنهج، بل ويجد الخونة منابر يعبرون فيها عن فجورهم إلى حد التباهي بما اقترفوه من جريمة، وهنا علينا أن نتساءل: ما الذي جعل الخونة يكشفون كل هذا العري الأخلاقي بلا حياء ؟..

 

إن السبب كما أرى ينحصر في تراكم ثقافة الشعور بالدونية التي أصبحت متأصلة في اللاوعي لدى الكثيرين، تلك الدونية الناتجة عن تراكم الهزائم في تاريخ الأمة، هذه الهزائم التي رافقها غياب مرجعية أخلاقية تمثل مظلة يلوذ بها المجتمع ليحمي نفسه من الانهيار، فكل الشعوب تواجه نكبات ونكسات وهزائم ولكنها في الغالب تكون أكثر تمسكا بمرجعيتها الأخلاقية لتكون حصناً أخيراً تلوذ به للبقاء على قيد الحياة، وهذا نجده واضحا في تجربة المغرب الأقصى مع الاستعمار الفرنسي، حيث كان الشعب أكثر تمسكا بمرجعيته الأخلاقية وهويته الإسلامية مما انعكس ايجابيا على تجربة المقاومة وتحقيق النصر..

 

وفي المشرق نكتشف هذا النموذج بعد غزو المغول حيث ازداد تمسك المجتمعات بهويتها وحافظت على القيم إلى حد إن الغزاة أصبحوا مسلمين، ولكن الأمر اختلف في العصر الحديث خلال المائة عام الأخيرة أو تحديدا في المرحلة الزمنية التي تلت الاستقلال المزعوم للدول العربية، إذ سادت ثقافة التغريب إلى حد جعل أنظمة الاستقلال المزعوم تتبارى في إعلان العداء للعروبة والتنكر للإسلام والقيم أكثر مما فعله المستعمر نفسه، وقد استعانت هذه الأنظمة بقطيع من ادعاء الثقافة الذين يمثلون طبقة طفيلية من أصحاب القلم الرخيص الذين يتسببون الرزق على حواشي تلك الأنظمة في الدول الريعية فكانت النخب الثقافية والفكرية تمثل فصيلا متقدما للتبشير بثقافة العدو وتتبنى منهجه الثقافي والفكري..

 

فهذا الرئيس التونسي بورقيبة تجاوز كل الخطوط الحمراء التي لم يجرؤ المستعمر الفرنسي على تجاوزها، فكان معجبًا بالثقافة الفرنسية إلى حد الافتتان، وجرّم الصوم في رمضان، وجرم الحجاب وحظره على التونسيات، ونال من شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم-،فقال عنه:إنه كان عربيًا بسيطًا يسافر كثيرًا عبر الصحراء العربية، ويستمع إلى الخرافات والأساطير البسيطة السائدة في ذلك الوقت وينقلها إلى القرآن.

 

أما في الجزائر فيكفي أن نطالع كتاب الوزيرة الجزائرية خليدة مسعودي الذي يحمل عنوان (خليدة مسعودي جزائرية واقفة)، لنجد انه يتضمن تصريحات وأراء أقل ما يقال عنها إنها تفتقر إلى ابسط قواعد الأدب والأخلاق فيما يخص موقفها من التعاليم الإسلامية، فتقول الوزيرة الجزائرية عن الصلاة : (" قررت أن لا أصلي صلاة المسلمين، وحتى القرآن لا يوجد به ذكر للصلوات الخمس، ولأن وضع الرأس على الأرض يعتبر أكبر إهانة للإنسان، ولأن هذه الصلاة المجسدة للعبودية فكرة من ابتكار بدو السعودية ،فقد قررت أن أؤدي صلاة غير صلاة المسلمين، فقد طويت سجادتي ووضعتها في قفه وقررت بذلك التخلص من الأكاذيب والنفاق")....والغريب أن هذا الكلام مر بلا أدنى اعتراض..

بينما نجد أن امرأة إيطالية واجهت موجة من الغضب حين اقتربت من هذه الأفكار، فحين تجرأت الكاتبة الايطالية "اوريانا فلاشي" وقالت كلاما أقل حدة مما قالته الوزيرة خليدة مسعودي ثارت ضدها موجة من الاستنكار في أوروبا وإيطاليا.....أما المشرق فلم يكن أفضل حالا بل تزداد الفجيعة إذا عرفنا أن منظومة آل سعود الكهنوتية قد تركت آثارها السلبية على الأمة، فقد كان آل سعود وهم الذين يرفعون عنوان الإسلام السلفي، قد كانوا سببا في توفير الأجواء الخصبة لردة الفعل السلبية لدى جمهور الأمة، إذ أنهم استعانوا بحاشية من طبقة الكهنوت الديني المتمثلة بوعاظ السلاطين الذين جعلوا مهمتهم توظيف الدين لطاعة ولي الأمر ومبايعة الفاسقين والخونة من الحكام والسلاطين وجعلوا من الإسلام وعاءً لاستنباط الفتاوى التي تعطل الجهاد وتبايع الغزاة في مسعى منحرف لتحويل الأمة إلى قطيع من الديوثين، إلى حد أن أحدهم أفتى بوجوب طاعة "بول بريمر" الذي عينه بوش حاكما على العراق بعد الغزو...!!! نعم أفتى أحدهم بطاعته باعتباره ولي أمر ولا يجوز الخروج علي..

وهكذا وبسبب هذا الانحراف شعرت الأمة بفراغ هائل، وبما أن التاريخ كما الطبيعة لا يقبل الفراغ فقد تحركت آيات الشرك في طهران وقم والنجف لتملأ الفراغ عبر استغلال ظاهرة العجز الكلي في المرجعية السنية التي يفترض أن تكون السعودية ممثلا لها، فلولا المهادنة وسفالة وعاظ السلاطين والفقهاء المتسولين في ارض الحرمين لما تمكنت إيران ومشروعها من التغلغل في جسدنا واستباحة أعراضنا..

 

ولكن المخاتلة والنفاق هو الذي ترك الباب مشرعا أمام الخامنئي ومرجعيات النجف تعلو بأصواتها، فعندما يغيب دور مكة أو يتم تعطيل دورها فانه من البديهي ان تتحرك عمائم الشرك في إيران والنجف لتملأ الفراغ،، فلو قال مفتي آل سعود كلمة حق صريحة وشجاعة ومباشرة لما تمكن خامنئي ونصر اللاة أن يرفعوا أصواتهم.

 

ولكن سفالة أبناء جلدتنا هي التي كسرت ظهورنا وجعلت الأمة تعيش حالة من اليأس إلى حد الشعور بالدونية فيلتحق البعض بالشيعة ويبايع الفرس المجوس ويرتد عن دينهم ،فتصبح قم قبلته بدلا من مكة ويحج إلى هيكل الخميني بدلا من قبر رسول الله، ومما زاد حالة التردي في الأمة أن دعاة التقدمية الذين يرفعون شعارات العروبة كما هو حال نظام الأسد في سوريا قد ساهموا في تحويل العروبة إلى مغارة لصوص ورافعة للمشروع الشيعي الإيراني في المنطقة، إلى الحد الذي أصبحت فيه العروبة موضع شتيمة، واذا كان آل سعود استخدموا علماء السبوبة لتمرير مشروعهم التصالحي مع الغزاة، فان نظام الأسد استخدم أفواجا من القومجية وكتاب المعلقات اليسارية والثورية ليكونوا حاضنة فكرية تمهد الأرض للمشروع الإيراني في بلاد العرب، وهكذا صار القومجية يعلقون صور الخامنئي وكأنها تعويذة في رقابهم، وصارت مبايعة ولاية الفقيه جزءا من طقوس المقاومة والممانعة،.

 

ولن ننسى بأي حال أثر ذلك النفر الضال المضلل من فقهاء الفضائيات الذين أوغلوا في العهر، فكانوا يتسابقون لتأسيس فقه جديد هو فقه الدياثة تحت مسمى فقه الواقع الذي يدعو إليه ياسر برهامي وعمرو خالد ومشتقاتهم.

 

كل تلك العوامل ومعها عوامل أخرى لا يتسع المجال لذكرها قد ساهمت في خلق أجواء مرتبكة قادت الكثيرين إلى إشهار خيانتهم والتباهي بالردة كونها صارت اقصر الطرق للنجومية، فأصبح من الطبيعي ان تجاهر كوثر البشراوي بالردة عندما يتسابق العلماء والمثقفين في ماراثون الدياثة لتقديم أنفسهم عبر الإفراط في التنازلات والترويج لبضاعة الخيانة..

ومن هنا نعود إلى بدء المقال حيث أقول: إن الخيانة كانت في الماضي انحرافا أخلاقيا وسلوكيا يجلب العار على الإنسان، بينما أصبحت اليوم مؤسسة لها منظرين وأتباع ومريدون، هم أحفاد أبي رغال الذين تناسلوا عبر التاريخ فقذفتهم علينا البحار مرة واحدة في عصر الانحطاط ..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان