رئيس التحرير: عادل صبري 11:51 صباحاً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

العراق على الحافة.. حتى إشعار آخر

العراق على الحافة.. حتى إشعار آخر

ساحة الحرية

صلاح النصراوي

صلاح نصراوي يكتب:

العراق على الحافة.. حتى إشعار آخر

صلاح النصراوي 16 مارس 2017 13:02

لن أضيف جديدًا إذا ما قلت إن الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 ترك هذا البلد ذي التاريخ الراسخ خرابًا تعبث به قوى الإرهاب والفساد والطائفية في الداخل وتتقاذفه أمواج التدخلات الإقليمية والدولية العاتية من الخارج، لكن الذكرى الرابعة عشرة للغزو الأمريكي للعراق التي تطل علينا هذه الأيام تأتي لكي تؤكّد لنا ما ليس سرًا، كما هو ليس بنبوءة، بأنه ماضٍ لكي يشهد عامًا آخر، بل قل أعوامًا أخرى، وهو يخوض في وحل نفس المستنقع الذي شقّه الاحتلال ويواجه تلك الشياطين التي أطلقها الغزو من قمقمها العفن.

هاكم بعض الحقائق التي ستواجهنا خلال الأسابيع والأشهر القليلة القادمة، ونحن ندخل عاماً جديداً من عمر عراق ما بعد الغزو والتي يبدو أنها سترسم ملامح المرحلة القادمة بما لا يبشر بأية بوادر ايجابية ممكنة.

أولا: بقدر ما يشكل تحرير الموصل الوشيك من أيادي تنظيم داعش من انتصار على الإرهاب، فإنه يثير أسئلة عديدة على عدة مستويات بدءًا من إمكانية القضاء على التنظيم نهائياً واستئصال شأفته، مروراً بتحديات تحقيق الاستقرار الأمني وإعادة بناء المدن المدمرة، وانتهاء بمعالجة جذور مشكلة الإدماج السني في عملية البناء الوطني المتعطلة منذ الاحتلال بسبب رفض السنة العرب للصيغة التي يقوم عليها نظام الحكم وإدارة الدولة ومواردها والتي يرون فيها تهميشًا وإقصاء لهم من قبل الجماعات الشيعية المهيمنة على السلطة.

ستبين لنا التطورات القادمة، ربما ليس بعيداً، بأن هناك شياطين أخرى كامنة في القمقم ما لم تجر عملية إعادة بناء وطني حقيقية على أسس صلبة بعيدًا عن الشعارات البراقة والمستهلكة للمصالحة الوطنية أو المجتمعية أو التسويات السياسية التي ترفع لافتاتها الآن.

الحقيقة الجوهرية التي لا تخفي على أحد أن القضاء على الإرهاب والعنف يتطلب معالجة أسبابه العميقة بطريقة تستدعي حلاً جذرياً قائماً على صفقة شاملة لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس المواطنة التي تضمن المشاركة الحقيقية والعدالة والكرامة والحقوق الأساسية للجميع.

مازال من الممكن وقف السيناريوهات الكارثية وخاصة التشظي والتقسيم عبر الدفع بالسنة لخيارات صعبة، ربما يجري التفكير بها حاليًا على ضوء التطورات الكبرى في عموم المنطقة. المؤتمرات العديدة التي جرى عقدها مؤخرًا في عواصم وبلدان العالم للقيادات السنية والتي تهدف لخلق كتلة سنية كبرى موحدة وبلورة مشروع سني مدعوم إقليميًا ودوليًا لا ينبغي أخذها على محمل الهزل أو الرد عليها بالتهديدات الجوفاء.

ما يؤسف له أن المؤشرات المتوفرة لحد الآن لا تشي بأن الجماعات الشيعية النافذة سوف تقدم مشروعا وطنيا بديلا يتجاوز مفهوم المحاصصة الطائفية وقائم على مبدأ دولة المواطنة المدنية.هي ما تزال مصرة على الحفاظ على صيغة هيمنة الاغلبية المذهبية، حتى لو جرى تغليفها بالوان براقة لتحالفات أو ائتلافات سياسية لا تثير التقدير، أو تحمس الخيال.    

في ذات السياق دخلت المسألة الكردية في العراق عنق الزجاجة بسب إصرار القيادة الكردية المتنفذة على طرح مشروع الاستقلال الكردي  متزامنًا مع الانتهاء من الحرب على داعش وفي وقت تتنامى فيه الصراعات السياسية بين مناطق النفوذ والمصالح المتعددة ومراكز القوى الكبرى في الاقليم الفدرالي.

ومثلما لا يقوم طرح المشروع الاستقلالي على أرضية مشتركة بين الأكراد أنفسهم فإن معارضة الجنوب والوسط العربي بجناحيه الشيعي والسني أكيدة، وخاصة في ظل استيلاء القوات الكردية على مساحات شاسعة، تقدر بنصف مساحة الاقليم أو اكثر، من الأراضي العراقية وبضمنها محافظة كركوك الغنية بالنفط.

إن المأزق الكردي يتمثل بعدم إمكانية تحقيق الاستقلال لدولة متفق عليها عراقيًا ويعترف بها العالم حاليًا في الوقت الذي حوّلت فيه القيادة الكردية الحلم الكردي إلى تكتيكات للتلاعب والمساومة وورقة للخروج من أزماتها الداخلية كما نجحت في تمزيق مشروع الدولة الاتحادية بعد أن حولت الإقليم الى قاعدة مناكفة وخصومة دائمة مع المركز، مثلما حولت مؤسساته السياسية والدستورية إلى نموذج صارخ للفشل والفساد يستحيل الاستعانة به لإنشاء دولة واعدة.

ثانيا: قد لا تكون إدارة الرئيس دولاند ترامب قد انتهت بعد من بلورة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للمنطقة كما وعدت، ولكن كل الدلائل المتأتية من التصريحات والمواقف المعلنة والتحركات تشير إلى مركزية العراق في أية خطط قادمة من المدهش ألا تكون جزءًا من صناعة الحقائق الجديدة التي أشرت إليها والتي ستساهم بالنتيجة في رسم ملامح المرحلة القادمة في العراق.

إن ما هو مؤكد أن إدارة ترامب شأنها شأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة ستجرب حظها هي الأخرى في الشرق الاوسط وسيكون بالتأكيد كل من محاربة الإرهاب وإيران وسوريا وأمن الخليج والسلام العربي الإسرائيلي على رأس القضايا التي ستوضع فوق طاولة التشريح في مختبرات التجريب الجديدة.

ولا غرابة أن العراق الضعيف والمنقسم والمهدد من كل جيرانه سيكون البطة العرجاء التي ستعجز ان تجد لها مخرجا من بين نيران الصراعات الجديدة إذا ما شبت. بل إن وقائع نحو عقد ونصف انقضى تشير إلى أن العراق سيبقى ميدان تلك الصراعات، وخاصة تلك التي تجري بين إيران وخصومها الذين لا يريدون أن تنتقل إلى داخل أراضيهم.

ثالثا: ما من حدث في العراق سيكون أكثر أهمية، ولربما خطورة، من الانتخابات المحلية المفترض إجراؤها نهاية هذا العام والانتخابات التشريعية التي من المقرر أن تجري الربيع القادم، هذا طبعًا إذا سار كل شيء على ما يرام وبقي البلد متماسكًا وظلت اللعبة السياسية تدار بطريقة سلمية، ولو بالحدّ الأدنى الذي يمنع الانحدار نحو الهاوية. لا يتعلق الأمر هنا فقط بلملمة الوضعين الكردي والسني وتهيئة الارضية اللازمة لإجراء عملية الاقتراع بالطريقة التي تمت بها خلال جولات الانتخابات الثلاثة الماضية، بل بقضية أكبر من ذلك، وهي ترتيب البيت الشيعي ذاته الذي يواجه تصدعات متزايدة من المتوقع ان تنموا مع الانتصار على داعش وتنعكس صراعات، ربما دامية، على السلطة والثروة بين ابناء الطائفة الواحدة.

وهنا لا يتعلق الامر ايضا بتنبؤات يمكن الجدال بشأنها بقدر ما هي حقائق تكشف عنها وقائع يومية تجري منذ الان استعداداً لهذه الاستحقاقات البرلمانية التي ستجري بعد عام. الفصائل المسلحة التي برزت خلال الحرب مع داعش والتي نمت من خارج أطر الجماعات السياسية الشيعية الحاكمة بدأت تستعد بقوة للمشاركة في الانتخابات القادمة وعلى رهان الدماء والضحايا التي قدمتها والانتصارات التي حققتها في المعارك ضد داعش.

ومثلما شهد التاريخ دائماً فان لهذه الانتصارات ثمناً لا يدفعه المهزومون وحدهم، وإنما أيضًا المتخاذلون الذين بقوا في الخطوط الخلفية، وحتى القابعون وراء كراسي السلطة التي حماها المنتصرون. لن تسمح الفصائل المسلحة الشيعية، سواء أكان اسمها حشد شعبي أو عصائب أو كتائب أو ألوية بأن تبقى تلك الكراسي بيد الجماعات السياسية الشيعية آبد الآبدين، كما أنها لن تفوت فرصة الانتصار على داعش لكي تزيحها عنها وتجلس في مكانها قبل فوات الأوان.

لربما لايزال بالمكان منع هذه السيناريوهات السوداء من أن تتحول إلى حقائق أكيدة، ولكن مجرد التغاضي عنها يحمل الكثير من الأماني المجردة وأيضًا عدم المسؤولية إزاء الحاضر والمستقبل. وفي كل الاحوال فإنه لا ينبغي النظر إلى ما يجري في العراق كونه مجرد استعراض من استعراضات برامج الثرثرة التلفزيونية السخيفة التي لا نصدق كلمة واحدة منها، بل كونه إنذاراً لما سيكون، وهو في أفضل الأحوال الاستمرار في الرقص على حافة الهاوية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان