رئيس التحرير: عادل صبري 08:18 مساءً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

سارق الشيكولاتة «المجرم».. وحسني مبارك «البريء»

سارق الشيكولاتة «المجرم».. وحسني مبارك «البريء»

ساحة الحرية

محمد عباس

سارق الشيكولاتة «المجرم».. وحسني مبارك «البريء»

محمد عباس 12 مارس 2017 12:28

ما الفارق الجوهري بين أبٍ سرق الشيكولاتة من أجل ابنه ومدير مشتريات جهة حكومية سرق ملايين الجنيهات من الرشوة والفساد؟

ربما الفوارق جوهرية بين كليهما.. بل وبين الاثنين والرئيس المخلوع محمد حسني مبارك شخصيًا.

سارق الشيكولاتة هو الذي كشف عورات اقتصادنا بعجزه عن الشراء، كان في جيبه 75 قرشًا عند ضبطه متلبسًا في سرقة قطعة حلوى من أجل ابنه الصغير.. وفقًا لِمَا ورد في بيان الاتهام.

أما مدير المشتريات الحكومي فهو فاسد مرتشٍ محترف، وجدوا في منزله عشرات الملايين من الجنيهات، لمن هو يملك العقل والعين.

أما الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك فهو بريء من قتل المتظاهرين، وفقًا لأحكام القضاء التي لا تعليق عليها!!

في تصوري أنَّ الهجوم الشديد الذي واجه بها قطاع واسع من المواطنين قضية سارق الشيكولاتة جاء في المقام الأول كعقاب على الجريمة الإنسانية التي ارتكبها أصحاب محال الـ«سوبر ماركت» الشهير مكان الواقعة المذكورة.

جرت العادة المصرية الأصيلة على أن تظهر معدنها في مثل هذه المواقف الإنسانية، وكان من الممكن أن تعطي الـ«سوبر ماركت» الأب العاجز عن الشراء قطعة الشيكولاتة كهدية، وهذا وحده هو الذي يُمَيّز المصريين عن غيرهم من المستغلين.

النيابة طبقت القانون، حكمت على المتهم بـ4 أيام على ذمة التحقيق، لكن أين الرأفة وروح القانون من الأوضاع الاجتماعية الضاغطة التي يعيشها معظم المصريين؟!

الشرطة اختارت أن تعلن عن تفاصيل هذه القضية بشكل يوحي بأنها جريمة «الموسم»، وبالطبع أسفرت طريقة الإعلان عن تصاعد حالة الاحتقان بين طبقات المجتمع المختلفة!!

وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة هذه القضية باهتمام زائد، وسارعت إلى دمجها في منظومة الفساد الحكومي اللامتناهية، وكذلك في منظومة التعويم والتضخم التي تسببت في زيادة نسبة الفقراء بين المصريين.

باختصار، لم تعد القضية- أو الأخبار المتناقلة عنها- حالة فردية؛ لقد تحول سارق الشيكولاتة إلى نموذج معبِّر للحالة الاقتصادية التي وصل إليها أغلب المواطنين.

ليس غريبًا أن تكتمل المهزلة ببيان ينشره أصحاب محال الـ«سوبر ماركت» الشهير، ويستخدم فيه تشبيهًا مثيرًا للشفقة يتضمن «هذه هي المرة الثانية التي يسرق فيها المتهم قطعة شيكولاتة».. وبالطبع يحكي البيان عن مؤامرة كونية لمحاولة السرقة!!

كان الأب الفقير في الأغلب يحاول أن يداري عجزه أمام ابنه بسرقة الشيكولاتة، فتحول عجزه إلى صورة واضحة كالشمس للحالة الاقتصادية للمواطن المصري التي تستحق الاهتمام من الحكومة بأمر على هذه الدرجة من الجدية والخطورة.

وبالتأكيد لن يكون غريبًا أن يتلقف شعب جُبِلَت فطرته على مساعدة المحتاج كل ما سبق ذكره عن جريمة إنسانية بعناية شديدة ليحوله إلى موجة عاصفة ضد الفساد الحكومي وأصحاب المحال من التجار الجشعين.

هذه هي النتيجة الطبيعية للتعجل في تحويل احتياج إنسان فقير إلى ساحة القضاء. هذه هي النتيجة الحتمية للاستهتار بأبسط مبادئ الرحمة- سواء في ذلك ما هو قانوني وما هو إنساني.

يبقى السؤال: أصحاب المحال التجارية رفعوا أسعار منتجاتهم عشرات المرات خلال الشهور الماضية بعد قرار تعويم الجنيه، فكم مليون جنيه كسبت هذه المحال.. وهل ده حلال؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد عباس

صحفي مصري متخصص في الشؤون الاقتصادية

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان