رئيس التحرير: عادل صبري 05:00 مساءً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

اسحبوا مبادرتكم للسلام

اسحبوا مبادرتكم للسلام

ساحة الحرية

أحمد بهجت صابر

اسحبوا مبادرتكم للسلام

أحمد بهجت صابر 26 فبراير 2017 09:03

لم يشأ الاستعمار الغربي أن يُزيح أثره عن الجسد العربي إلا بزرع كيان غاصب سارق، ينطبق عليه المثل المصري "مسمار جحا"، ليكون قاعدة وسببًا رئيسيًا للصراع في المنطقة إلى ما شاء الله.

وبمرور الوقت والأيام تاهت القضية الفلسطينية بين العديد من القرارات الدولية وتغير السياسة الرسمية العربية، فمع صدمة إعلان الكيان الصهيوني عام 1948 والحرب بينه وبين العرب، تحول الحديث من قضية تقسيم إلى أزمة لاجئين ولم يكن زعماء الصهاينة يتوقعون الاستمرار في الإبقاء على دولتهم لأكثر من 10 أو 15 عامًا، لكن الضعف المحيط بهم أغراهم بل وشجعهم على المضي قدمًا نحو المزيد من الغطرسة والتوسع في بناء المستوطنات التي قتلت وما تزال فكرة الحديث عن بناء دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967.

ومثّل إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 نقلة نوعية في العمل المقاوم ليكون كما أعلنوا أنفسهم ممثلين للشعب الفلسطيني, ولتدخل حركة النضال مرحلة نوعية من العمليات المسلحة، لكن الضربة القاصمة التي تعرضوا لها كانت بسبب الهزيمة المخيفة للقوات العربية في يونيو 1967 على يد الصهاينة، ثم تداعى الأمور بالمواجهة مع نظام الملك الحسين بن طلال في الأردن بالسنوات الأخيرة من عقد الستينيات في القرن الماضي، ليتشتت المقاومون الفلسطينيون بين لبنان ودول أخرى، ثم كانت النقطة الفاصلة تورطهم في الحرب الأهلية اللبنانية منتصف عقد السبعينيات واستنزافها للكثير من الطاقات والموارد.

في خِضَمّ ذلك ومن الطبيعي إنسانيًا أن يُصيب الإنهاك والتعب المقاوم الفلسطيني, وقد جاءت حرب أكتوبر 1973 ثم المسار التفاوضي الذى سلكته مصر مع العوامل التي ذكرتها نقلة جديدة في مسار العمل الفلسطيني، فخلال ذلك أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3236 في نوفمبر 1974 والذى حمل عنوان "حقوق الشعب الفلسطيني" ليؤكد ضمن ما أكّده على حقه في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقًا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، وأيضًا مناشدة جميع الدول والمنظمات الدولية أن تدعمه في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقًا للميثاق, وقبل ذلك من نفس العام عقد المجلس الوطني دورته الثانية عشر ليتبنى برنامجًا من نقاط عشر يُفسح المجال للعمل السياسي لاسترداد الأرض.

كان عام 1982 ميعادًا آخر في المشوار الفلسطيني نحو "مجهول" جديد في مشوارهم لشيء أرادوه دولة، من خلال تبني منظمة التحرير لمشروع الملك فهد– ملك السعودية-  لتسوية الصراع مع الصهاينة الذى أقرته القمة العربية الاستثنائية بمدينة فاس المغربية سبتمبر 1982 وعُرف "بمشروع فاس" ليعدّ من وجهة نظر البعض انخفاضًا في لغة الخطاب المقاوم, ثم كان قرار المجلس الوطني التاسع عشر في 1988 بقبوله القرار الأممي 181 القاضي بدولتين فلسطينية و"إسرائيلية" على أرض فلسطين, ثم توالت الأحداث منذ مؤتمر مدريد وحتى توقيع اتفاقية أوسلو (1) في عام 1993 بعد مفاوضات سرية بين الجانبين وتمت بعيدًا عن رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض في ذلك الوقت السيد حيدر عبد الشافي بل وبعيدًا عن الكثير بمنظمة التحرير.

لاقت أوسلو العديد من الانتقادات لكنها شكلت انعطافة خطيرة في مسار القضية التي يزعم قادة الدول العربية حتى اللحظة بأنها "مركزية" لهم، وعلى الرغم من التعثر منذ اللحظة الأولى للتوقيع والتي مثلها تصريح رئيس وزراء الكيان الغاصب إسحاق رابين بأنه لا مواعيد مقدسة، فقد استمر السقف الفلسطيني بالانخفاض، وجر خلفه رجالاً حدّدوا شكلاً للصراع خلال الأعوام العشرين الماضية، لكن الصراع راوح مكانه بانتفاضة الأقصى عام 2000 وتكبد الصهاينة الكثير من الخسائر على مستوى الأرواح والاقتصاد ووجود ما يشبه الهجرة العكسية منه, فقد ميّز – إن جاز هذا التعبير – الفترة منذ وجود السلطة الفلسطينية على أجزاء مبعثرة من الضفة بالإضافة لقطاع غزة – بعد الاتفاق - ما يُسمى التنسيق الأمني لمنع شن هجمات "إرهابية" من قبل المقاومين الفلسطينيين.

 

في أثناء ذلك جاءت مبادرة السلام التي أعلنها ولى العهد السعودي في ذلك الوقت – وملكها بعد ذلك – الملك عبد الله بن عبد العزيز وأُقرت في بيروت مارس 2002 وعُرفت "بمبادرة السلام العربية" لتعطى اعترافًا مجانيًا لهذا الكيان السارق مقابل حل الصراع بعبارات فضفاضة لم تتطرق للتفاصيل, حيث شكلت المبادرة على ما يبدو هروبًا "مشروعاً" من قبل الأنظمة العربية في حينها من الضغط الذي مارسته الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت برئاسة بوش الابن ومجموعته من المحافظين الجدد عليها، لكن المبادرة أغفلت أنّ العمق العربي للصراع القائم منذ بداية القرن العشرين كان حائط صدّ أمام التوغل الصهيوني.

ومع الحديث المتواتر من قبل رؤساء الصهاينة عن تعديلها خلال العام الماضي أطلت علينا الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة ترامب بقولها إن حل الدولتين ليس ضروريًا لحل الصراع, فلم يعد مجدياً إذن الحديث العربي عن مبادرتهم وكأن لسان حال الصهاينة يقول "بلوا" مبادرتكم واشربوا ماءها"!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان