رئيس التحرير: عادل صبري 01:16 صباحاً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً
**أجيال الحُب**

ساحة الحرية

داليا صلاح الدين

داليا صلاح الدين تكتب:

**أجيال الحُب**

داليا صلاح الدين 02 فبراير 2017 13:10

إن وهب النفسِ لغير الحبيب، يُسمى في عُرفِ الأرواحِ بالزنا... ____*هذه مقولة صوفية تُلخص ثمن إهدار النفس في غير المحبوب. و المحبوب الأول، من قبل و من بعد كل محبة، هو الله عز و جل.

 

فهو سبحانه المحبوب، و هو المُحب، و هو واهب الحُب. و من هذه المحبة الأصيلة في طبيعة الخلائق، تنبع كل محبة، قد نصونها نحن بالحمد وصدق العرفان، أو نُهدرها بصراخ الزيف و التيه ما بين القِبَل... *إن أكثر العلاقاءات إيذاءًا لقُدسية الحُب، هي تلك التي تقوم على الزيف، أيّ كان نوع الزيف.

 

سواء تلك التي نُزيف فيها الحقائق على الطرف الآخر، لمصلحة ما، كالفوز بلقب صاحب الضربات الأعلى، و حاكم القلوب القابض على مفاتيح روحه، أو غيره مما يُرضي غرور الرجل إرضاءا كاذبا.... لأن الرجل الرجل، رجّاع للحق، و لا يكون من أهل الغرور... فكم من رجلٍ في بلادنا يُهدر نبض قلبه، خوفاٍ من صدقٍ ينكره عليه مجتمع ذكوري، لا يؤمن بأن للرجال نبض و دمع، و وجدٍ له الحق أن يهيم.... أو تلك التي نُزيف فيها لأنفسنا نوايانا، فنتجه لِمَن نُزينه لأنفسنا بلقب المحبوب، و ما هو في عمق النفس عندنا إلا تحدي الكبرياء، إذ كيف لنا أن نرتضي خسارة، أو نقبل ألا نفوز!

 

و كثير من فتياتنا يُهدرن أعمارهن في الركض خلف هذا السراب.... لأنهن تربين على أن الرجل "هدف"، و ليس وليف، و أنه "صيد"، و ليس أنيس، و أنه "غاية"، و ليس صاحِب حامي على الطريق..... كذلك تجد أن أكثر العلاقاتِ ألماً في الزيف، هي تلك التي تقوم على الإذعار و التخويف و إرهاب الثقة بين الطرفين... **أمّا أعظم العلاقات قُدسية، فهي تلك التي صبغها الله عز و جل بالمودة والدفء و الإحتواء لحال الحبيب و المحبوب... كلاهما.... سبحانه، هو الودود في عَلياءه....

 

*لهذا وصف الله تعالى حال ما يبغيه لعباده في الزواج ب "المودة و الرحمة"، و جَمَل لهم الغاية بتمام "السكينة"، حين حدد المُبتغى من الزواج في قوله تعالى: "لتسكنوا إليها"... فالزوج سكن... و المقصود بالزوج الرجل أو المرأة... أي التوأم... وليس المقصود بلفظة الزوج الذكورية... بل هو التوأم الروحي... حيث يجد كل من الرجل و المرأة في ذلك الآخر، تلك السكينة المرجوة... و ذلك السكن المنشود... إن وُجد لهما سقفٌ مادي أو لم يوجد.... فالسكنٌ.. و ملاذ السكينة لن تجدهم أبداً في حائط أو أسوار... فكم من أناس سكنوا القصور، و يبيتون فيها مع غرباء....

 

**و حب الرجل والمرأة أشكال و أنواع عِدة.... و كل نوع ، في ذاته، يمر بمراحل عدة.... فهناك حب الشهوة... و هناك حب الشبق... و هناك حب السيطرة... و هناك حب اللهب.. و هناك حب الحُلم... و هناك حُب الوهم... و هناك حُب الجذب... و هناك حُب يخالطه الكبر، أو الخوف، أو الكفر، أو الحيرة، أو التردد، أو حتى الأنانية المُقنعة.... كما هناك حب لطيف... يُلطف على المرء أيامه، و يغذيه الحب الرومانسي، الذي يصبغ للمحب وجهته بالرومانسية، فيُحَلي في عينيه كل أحلامه... و هناك و هناك... هناك حتى حُبٌ ينكره أصحابه لأسباب دُنيوية بحتة.... أو حتى أسباب قلبية... أو غيره... أيّ كان... لا يُهم...

 

*ما يُهم هو أن الله عز و جل رفع فوق كل هذه الأصناف، حُب المودة و الرحمة و السكينة.... إذ أن بعض أوجه الحُب المذكورة لا تفيد، بل قد تؤذي أصحابها.... إنما شرع الله الحُب في صبغة الرحمة، لعلمه بإحتياج المحبوبين لتلك الرحمة... فإن كان الحُب هو غذاء الروح، فالرحمة هي ترياق السموم التي تُصيب الروح بين الحين و الآخر، في دُنيانا التي أصابها الهُزال الروحي، و الجفاف الوَجدي... و قد أمر الودود، سبحانه اللطيف بعباده، العالم بأحوالهم، بصَبغ التواصل بين الزوج و زوجه (أي بين التوأم و توأمته) بالمودة... فالمودة هي التعبير عن الحب... فكم من قلوب يملأها الحنين و الأنين، ولكنها لا تفيد أي من المحبوبين بشيء... إذ كانت المحبة غذاء الروح... فعلى ما يتغذى المحبوب إن لم يستقى المحبة من مُحبِه في إطار المودة؟

 

*أمّا السكينة، فهي غاية ما شرع الله... غثاء كل تلك الزيجات التي تبتغي أُطر دنيوية زائلة... أو حتى تلك التي تبتغي الذرية في ذاتها.. فالذرية ما هي إلا نتاج تمام السكينة... فإن لم يأتي إلى دُنيانا بشرٌ خُلقوا من لحظات السكن... فسيظل العالم يعترك في غضبه و كراهيته... لأنه صناعة لحظات محمومة، لا تفرغ إلا شهوات المادة، المغتربة عن الروح....

 

*الروح.... الروح هي السر، هي الحُب، هي السكن، هي المبتغى.... إن عُشِقــَـت الروح بتوأمها... مرت بكل مراحل المحبة، و تنعمت فيها، من لهيب و إنجذاب، و استوطان، و أطفأت نيران الشبق، و هدَأت اعتراك الشهوة، و شهدت الجذب الرومانسي، و تذوقت رحيق الورد، و أسكنت.... أُسكِنت بضم الألف، ثم أَسكنت بفتحه... إذ أنها تسكُن في حَوى الحبيب، و تُسكنه في جوفها... و فقط حين يسكن كل زوج لزوجه... تنجب الروح...

 

*هنا فقط نستطيع أن نشهد أن الروح أنجبت. أنجبت و أخرجت للعالم أناس خُلقوا من ذرات المحبة ... و ارتووا بسُقيا المودة و الرحمة. و عندها ستستطيع أجيال الحُب أن تُشعل في عالمنا الأمل... الأمل في عالم حقيقي من المحبين، من أهل النور، من أهل الخير، من أهل الصفا... فالصفو لن يأتي أبدا إلا بالسكن.... و السكن لن يأتي إلا بصدق المودة..

 

*أصدقوا... تحبوا... و أحبوا... تصحوا... *اسكنوا... تأنسوا... و عند الأنس، تُخرجون للعالم أرواحاً من بشر.. و بشرا تحركه الأرواح... فيطيب العالم... و يطيب الحُب.. و تطيب دُنيا المُحبين بما فيها... و يطيب الشرع في أعيننا، و يطيب لنا الطريق إلى الحبيب الأول، و المحبوب الأعظم، صاحب الفضل في رزق المحبة، سبحانه، الودود عز و جل.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان