رئيس التحرير: عادل صبري 05:12 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

زوجة هشام جعفر تكتب: معاناة عام من الاعتقال

زوجة هشام جعفر تكتب: معاناة عام من الاعتقال

أحمد عيد 13 نوفمبر 2016 18:15

تختلف المشاعر وطبيعة المعاناة طوال عام من اعتقال هشام جعفر.. فمن مشاعر الغضب والكره للظلم الذى وقع لنا ومعاناة البحث عن المختفي قسريا إلى معاناة الإهمال الطبى المتعمد ومنع العلاج وظروف الحبس السيئة فى سجن سيء السمعة يُعرف بالمقبرة.


لكم أن تتخيلوا شعور أسرة عندما تبحث عن معلومات عن هذا السجن وتكتشف أن من يتم اعتقالهم فيه - خاصة من المرضى- مصيرهم الموت، فهو سجن للموت موتا بطيئا، فحتى لا تلطخ الدولة يدها بالدماء وتهدف إلى أن تتخلص من معارضيها بالموت البطيء وإهمال العلاج المتعمد.


لم يكن همنا كأسرته المطالبة بالإفراج عنه قدر ما كان مطلبنا هو علاجه ونقله من هذه المقبرة. شعور القلق يتبدل بفرحة لانتقاله إلى عنبر المعتقلين بالقصر العينى للعلاج ولكن لا تدوم الفرحة الا قليلا إذ يظل ليعانى – بعد هذا الانتقال - من الإهمال الطبى وعدم تلقى جرعات علاج مناسبة لظروف مرضه، لتبدأ معاناة جديدة في هذا العنبر من رفض الزيارات ومنع دخول علاج وملابس وعدم حضور عربة الترحيلات ليتمكن من إجراء الفحوصات المطلوبة.

 

يتم السماح طوال هذه الأشهر الخمس بثلاث زيارات فقط من أصل عشرين زيارة وهي حق المحبوس احتياطيا. في كل زيارة منهم يقتلنا مشاهدة نحول جسده وشحوب وجهه ومحاولته الدائمة بالتظاهر بالعافية.

 

يهرب النوم من أعيننا ونعلم جيدا ما يكابده ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئا من أجله سوى الاستمرار في تقديم الشكاوى للجهات المختصة ولا تستجيب الداخلية.


يتم نقله من العنبر بتقرير طبى مزور يدعى تحسن حالته وإتمامه علاجه ويوصى بعودته لمقبرة العقرب، ليظهر الله الحق في جلسة التجديد له أمام الجميع وهو ممسك بقسطرة طبية. ويتجلى الظلم البين عندما لا يجد القاضى ما يدينه به فينظر إليه - وهو بالقسطرة الطبية - ويحكم بتجديد حبسه 45 يوما!


يتم نقله بعد الجلسة بأسبوع إلى مستشفى ليمان طره لسوء حالته الصحية وهنا تبدأ معاناة أخرى وهي عدم توافر العلاج له بالمستشفى وعدم إجراء أي فحوصات طبية إلى جانب معاناة الزيارة.


أجلس في قاعة الزيارة غير النظيفة والتى تفوح فيها رائحة الظلم والقهر والفرح والحزن. يقتلنى الإحساس بالعجز. يصيبنى الألم من رؤية المرضى ممن بترت أحد أطرافهم وهم على ذمة الحبس الاحتياطى. يدمرنى رؤية جيل يسعد بهذة الزيارة الكريهة وهم يلعبون وسعداء لأنهم سوف يلقون آبائهم.


شعور مزدوج من الحزن لوجودى ووجوده في هذا المكان الكريه ومن الفرح لأننى سوف أجلس معه وأراه دون حائل زجاجى يحول بينى وبينه. أرى نظراته وهو يبحث عنى في وجوه الناس. أفرح لرؤيته وأحزن لحالته الصحية والجسدية.


تتملكنى الفرحة عند ملامسة يديه وأغضب بشدة لرؤيتها مختومة بختم مربع بداخله كلمة نزيل.


أيتها الدولة الفاجرة الظالمة.. كيف تفعلين ذلك بأخلص الناس وأنقاهم وأكثرهم محبة وإخلاص لك؟! يدور ذلك بداخلى لأسمعه يوصينى بحب الوطن وضرورة العمل من أجل إصلاحه، أنظر إليه وأنا أتعجب! أتعلم ما يدور بداخلى وتخاف أن يتملكنى شعور الكره تجاه هذا الوطن أم أن محبتك الخالصة له التي لم تنتهى هي من دفعتك لقول ذلك!


تنتهى الزيارة سريعا وأبعد عنه وأظل ألتفت وهو كذلك حتى نغيب عن أعين بعضنا البعض. أخرج وأنا أجر قدماى فلقد حل التعب والإجهاد من التحضير للزيارة وطول فترة الانتظار لأعود إلى منزلى لأحلم بالزيارة القادمة والتجهيز لها نفسيا وجسمانيا.


أرى حالى مثل حال الآلاف غيرى فلا فرق بين أستاذة جامعية أو طبيبة أو مهندسة أو ربه منزل، نفس المعاناة.. نفس الشعور.. نفس الأحاسيس، أرى رغباتهن في أى عفو رئاسى يريحهم من المعاناة. يتعلقون بأمل واهى في صفح السلطة عن ذوييهم، أعترض على رغباتهن ولكن اضطر أن أسلك نفس سلوكهن في محاولة الحصول على الإفراج بعفو رئاسى، فقد سدت جميع الأبوب القانونية أمامنا ولم نجد إلا التعلق بالعفو المزعوم الذي يتلاعبون عبره بمشاعرنا ورغبتنا في خروج معتقلينا.

 

لم تهتم السلطة - في الأربع مرات السابقة من الحديث عن العفو - بمشاعر الأهالى بل على العكس تفرح كلما أصابنا فترات إحباط أو يأس.


لا أعلق أملا على العفو ولكن أتمناه.. أكره هذا الأسلوب وأضطر للجوء إليه. أفعل عكس قناعاتى لأننى لم أجد سبيلا غير ذلك فلقد تحول القانون من وسيلة لتحقيق العدالة إلى وسيلة تفرض علينا الظلم. تحولت الشرطة من خدمة الشعب إلى البطش والتنكيل بالشعب. فماذا أنا فاعلة في مجتمع هكذا؟ وماذا في يدى ويد غيرى من الأسر المطحونة التي تمر عليها السنين ونحن نحلم بخروج معتقلينا ويظل حلما لا يتحقق.


يتحدث الناس عن ارتفاع الأسعار وسوء الأحوال المعيشية فلا أهتم، فأنا طوال عام كامل وأكثر في معاناة واستنزاف مادى، فالدولة تستنزفنى وتستنزف مجهودى ومالى وأحلامى فلم يعد لدى أي شعور بفارق.

 

سوف يدفع المجتمع ثمن هذا الظلم باهظا ولكن إيمانى بالله يؤكد لي أن الفرج لا بدَّ أن يأتى يوما ما وسيقتص لنا الله ممن ظلمنا وقتل أحلامنا وحرمنا من أحب الناس إلينا.


تذكروا هشام جعفر وكل المعتقلين ظلما فالسجن ليس الأصعب على السجين ولكن نسيانه.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان