رئيس التحرير: عادل صبري 03:34 صباحاً | الخميس 13 ديسمبر 2018 م | 04 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

أزمة نقص الدواء المصري بين شح الدولار وجشع التجار

 أزمة نقص الدواء المصري بين شح الدولار وجشع التجار

ساحة الحرية

أزمة نقص الدواء في مصر

أزمة نقص الدواء المصري بين شح الدولار وجشع التجار

دكتور صيدلي/ محمد رجائي 09 أكتوبر 2016 12:37

 

على مدار خمسين عامًا أو أكثر لم يشهد سوق الدواء المصري أزمةً خانقة في توفير أساسيات العملية العلاجية كما يشهده في العام الأخير..

هذا ما يتردد على لسان شيوخ  مهنة الصيدلة في مصر ممن عاصروا فترة حرب 1967 وما تلاها، والتي لم تشهد ما نشهده الآن، فقد أصبح أمرًا يوميًا أن نقرأ في الصحف المطبوعة أو الإلكترونية خبرًا عن نقص بعض الأدوية والمستلزمات، وهي من أسس العملية العلاجية والتي لا يمكن أن تنقطع حتى في أشدّ دول العالم فقرًا وتخلفًا، وأصبح مشهدًا مألوفًا سؤال المريض أو ذووه إحدى الصيدليات عن محلول ملحي أو جلوكوز وخروجهم من الصيدلية بخفَي حنين، رغم تفاهة المطلوب..

 

أما لو انتقلنا للحديث عن مرض السرطان فإن الأمور تزداد تعقيدًا فتجد مستحضرًا كـ "سيكلوفوسفم أميد"، وقد اختفى تمامًا من معهد الأورام لتزداد طوابير المرضى طولًا على طولها، وكلهم ينتظرون خوض معركة مع مرض لا يقبل التأجيل أو التراجع..

 

وكشأنها دومًا فإنَّ الحكومة لا تعرف بالمشكلة "فضلاً عن حلها" إلا عندّ استفحالها..

 

لذلك فإن هذه المشكلة الخطيرة لم تظهر للعلن إلا حين تفاقمت ووجد مقدمو برامج التوك شو مادة خصبة لجماهيرهم، وكان الضيف الحاضر الغائب في أغلب تلك البرامج هو الدولار الأمريكي... وللأسف بدلاً من  محاولة التوصل لحلول فعالة لهذه الأزمة الخطيرة فإن أغلب تلك البرامج كان لا يعنيها من حواراتها سوى مدى الإثارة في الموضوع...

 

من هنا كانت تلك الحوارات عقيمة (هل نوفر الدولار لاستيراد الدواء أم ننعش به الصناعة الدوائية المصرية)، وهى حوارات لن تسعف مريضًا تتوقف حياته على زجاجة محلول، ولن تعين جراحًا يتوقف عمله على أمبول مخدّر، فثمة فرق شاسع بين الحلول طويلة الأمد، وبين الحلول الآنية العاجلة التي تخرجنا من الورطة الحالية الخطيرة...

 

لقد أدخلت هذه الأزمة مصطلح «السوق السوداء» لسوق الدواء في مصر، من خلال شبكة جهنمية  ظهرت مؤخرًا في وقت قياسي وصارت هي المتحكم بل والمصدر الوحيد للعديد من الأدوية والمحاليل، ولم يعد أمام الصيدلي غير تلك الشبكة للحصول على بعض احتياجات صيدليته.. وليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل إن أسعار المحاليل الهامة بشكل خاص قد تضاعف لأكثر من 3 أضعاف السعر الرسمي المدون على عبوات المحاليل مما دفع بعض الصيادلة للعزوف عن توفير هذه المحاليل مخافة الوقوع في مشاكل مع المرضى وذويهم؛ إذ أصبح من المستحيل عمليًا أن يقدم لهم هذه المحاليل بالسعر الرسمي الذي هو أقل بكثير من سعر السوق السوداء...

وفضلًا عن ذلك فإنّ هذه الأزمة خلّقت في عالم تجارة الأدوية مهنة لم يسمع عنها المصريون من قبل، وهي تاجر الشنطة، وهو مجرد مهرّب للأدوية، يرتزق من تهريب بعض أنواع المسكنات والفيتامينات وبين عشية وضحاها أصبح تاجر الشنطة هذا هو المصدر الوحيد للعديد من أدوية علاج السرطان في مصر، علمًا بإنَّ كل من له خبرة ولو محدودة في مجال الأدوية يعلم أنّ هذه المستحضرات بالذات تخضع لأكثر الشروط صرامة في ظروف النقل والتخزين...

 

والحديث عن مدى توفر هذه الشروط والاحتياطات مع تاجر شنطة هو حديث أقرب للهزل منه للجدّ؛ إنَّ الأمر لم يعد يحتمل التسويف أو التأجيل وكل يوم ينقضي دون حلّ يجعل هذه المشكلة أكثر تعقيدًا...

 

ولقد لخص خبراء الدواء في مصر خطوات الحل في أكثر من نقطة:

1ـ   إنشاء هيئة عليا للدواء على غرار منظمة الأدوية الأمريكية لها ميزانيتها المستقلة عن ميزانية وزارة الصحة المثقلة بالأعباء يكون من بين مهامها متابعة مخزون الأدوية في الشركات والمصانع، ووضع الخطط البديلة عند وقوع أي خلل أو عطل في أحد خطوط الإنتاج بالمصانع..

 

2ـ إعادة الاعتماد على الشركة المصرية لتجارة الأدوية كونها شركة التوزيع الوحيدة التابعة للدولة، وفتح حساب دولاري مستقل لها في البنك المركزي يجدد كل عام، كي تكون قادرة على استيراد الأدوية بمعزل عن تقلبات سعر الصرف المحلي للعملة.

 

3ـ إعادة هيكله شركات قطاع الأعمال العام وتحصيل مستحقات هذه الشركات لدى وزارة الصحة (يقدر بعض الخبراء قيمتها ب 800 مليون جنيه وهو رقم كفيل بتحسين أوضاع تلك الشركات) وتخصيص إنتاج هذه الشركات لتغطية حاجة المستشفيات الحكومية من الأدوية والمستحضرات الضرورية بعد أن اتضح عدم قدرتها على منافسة الشركات الاستثمارية، والتي يترك القطاعين الأهلي والاستثماري لتلك الشركات الاستثمارية.

 

4ـ توسيع عمل إدارات التفتيش الصيدلي بما يتناسب مع الزيادة الهائلة في عدد مخازن الأدوية وشركات التوزيع الصغيرة للقضاء على ظاهرة السوق السوداء وتهريب الأدوية وتاجر الشنطة.

 

5 ـ البدء في مشاريع جادة لإنتاج الخامات الدوائية محليًا عوضًا عن استيرادها والتعاون مع الدول العربية المتقدمة في صناعة البتروكماويات حيث تعد هذه الصناعة هي مفتاح امتلاك صناعة دوائية حقيقية.

 

6ـ تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني من نقابات وجمعيات حماية المستهلك وإعطائها مساحة أكبر للتحرك وضبط الأسواق عوضًا عن اكتفائها الحالي بإصدار البيانات والمناشدات والمطالبات.

 

إن كل هذه الاقتراحات وغيرها الكثير ستظل حبرًا على ورق إن لم تتوافر إرادة حقيقية للحل تدرك مدى خطورة المأزق الدوائي، وتعمل على أهمية التوصل للحل  عدا ذلك سيظل المواطن وأمنه الصحي في مهبّ الريح!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان