رئيس التحرير: عادل صبري 06:08 مساءً | الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م | 04 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

اللاجئون المصريون في مصر

اللاجئون المصريون في مصر

ساحة الحرية

محمد مدني

اللاجئون المصريون في مصر

محمد مدني 03 أكتوبر 2016 07:20

 

- “للأسف هذه الدولة دولتهم ونحن جميعًا مجرد ضيوف ولاجئين على أرضها".

 

- بهذه الكلمات البسيطة المجردة نلخص مشاعر الكثير من المهمشين في مصر الذين يعانون كل يوم من الفقر والحرمان والجهل ,بهذه الكلمات البسيطة نشكل شعار لطبيعة العلاقة بين الدولة وفقراء شعبها ,بهذه الكلمات البسيطة سأفتتح المقال لكي أسرد رؤيتي على الأوضاع الحالية المتردية .

 

- تابعنا جميعا بكل الحزن والأسى حادث غرق مركب بمنطقة رشيد التابعة لمحافظة البحيرة وعلى متنها ما يقرب من 600 مهاجر غير شرعي ,كانت الأنباء تتوالى علينا كالمطر وفي مضمونها زيادة أعداد الضحايا حتى وصلت إلى مايقرب160 متوفيا وأكثر  ,كان هذا المشهد جزء من مسلسل المأساة الكبرى التي يعاني منها فقراء مصر وهي الهجرة الشرعية .

 

- وعندما نستفسر ونستطلع الأسباب التي تجعل الفرد يبيع كل ما يملك نظير ركوبه مركب متهالك للإبحار نحو المجهول نجد أنها تتعدد وتتنوع من الفقر في مستوى الدخل والتعليم المتواضع والسكن المهين وانعدام العمل وكل هذه الشرور كفيلة بجعل المصري لاجئا في وطنه .

 

- وللأسف الشديد لم تتعاطف نخبتنا الحكيمة مع هذا الحادث الأليم فالكل حينها جلادا ممسكا بسياط العقاب ينظر إلى جميع ركاب المركب بأنهم خونة لوطنهم ومجرمون رغم أنهم لو انتظروا وسعوا نحو الأسباب لوجدوا أنفسهم في خالص الأسف والحرج .

 

- أكثر الغضب والحسرة تجدها في وسائل إعلامنا الجليلة بأنها تعلن الحزن والحسرة على ضحايانا في رشيد ثم تستكمل أعمالها بالحديث عن زيارة لنيويورك وإذاعة البرامج الترفيهية والأفلام والاستمرار في النقاش اللولبي حول أن هناك العديد من المبادرات للعمل ولكن لا أحد يلبي النداء .

 

- ولكن هل الحل في الحزن والأسى فقط ,بالتأكيد وألف لا فالحل قائم أمامنا ونحن نتعمد انعدام البصر والبصيرة فلابد من التحرك نحو احتواء الكثير من هؤلاء الفقراء المتناثرين في أرجاء الريف المصري بوجهيه البحري والقبلي ,أظن أنه من العيب أن نجد الدولة تنفق نفقات متزايدة على كيانات سيادية دون الاتجاه نحو بناء مشروعات تنموية حقيقية تحتوي هذا الجيش الحافل من العاطلين .

 

- من العيب أن نجد الدولة مصرة على التمسك بأموال الصناديق الخاصة التي تقدر بمئات الملايين المصروفة على نخبة معينة من كبار موظفي الدولة دون النظر إلى ضرورة العدالة في توزيع عوائد موارد الدولة على كافة مواطنيها .

 

- للأسف حادث مركب رشيد ليس الأول ولن يكون الأخير مادام اليقين قد تملك للكثير من المصريين بأنهم أصبحوا لاجئين في وطنهم ,لعلنا جميعا نتذكر بطل لامبيدوزا البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما ,ذلك الطفل الذي عبر المتوسط لإنقاذ شقيقه المريض بمرض خبيث وما أن انتشرت قصته حتى اندفعت حكومتنا النابهة بالاهتمام بوضعه وتسيير كافة السبل لعلاج شقيقه ولكن ذلك البطل الصغير أدرك أن وطنه لا يريد أن يحتويه هو وأسرته .

 

- حادث رشيد يسلط الضوء على تجارة مسمومة وهي تجارة الهجرة الغير شرعية فهناك العديد والعديد من عصابات السماسرة والمهربين التي تشكل وساطة بين المهاجر غير شرعي والخارج وهذه العصابات تتلقى أموالا بالملايين نظير هروب هؤلاء الفقراء نحو المجهول والمصيبة أن تلك العصابات تروج الدعاية عن النعيم الذي ينعم به من نجح وعبر البحر وعاش هناك في أوربا مواطنا سعيدا غنيا رغم أن الواقع يتكلم ويقول بأن هذا الوضع أصبح من الصعب تحقيقه الآن خاصة في ظل التضييقات التي تقوم بها الدول الأوربية تجاه المهاجرين الأجانب .

 

- ودعونا نخرج بعيدا عن دائرة حادث ونوسع دائرة اللجوء المصري فقد قلت سالفا بأن من اللاجئين المصريين هم الفقراء شديدي العوز والاحتياج لكن هناك أيضا نوع آخر من اللاجئين وهم أرباب الرأي المناهض والمعارض فدائما تجد من يتكلم ويعبر عن رأيه بشكل مختلف ومناهض يصبح في نظر الدولة وأنصارها خائنا وعميلا وجاسوسا إلى آخره من قائمة الاتهامات وهذه الأمور تشكل دافعا رئيسيا للشعور باللجوء داخل الوطن ,فصاحب الرأي المناهض يجد الإحباط واليأس من كل جانب ويبدأ في إثارة شعارات مثل "لماذا أتظاهر وغيري صامت ولماذا أكتب وغيري لا يهتم ويقرأ ولماذا أنا أبادر وغيري خائف" ثم يفكر بعد تلك الشعارات اليائسة المحبطة في الهروب من هذا الوطن .

 

- نجد أيضا من ضمن اللاجئين علماء مصر المجتهدين المغمورين فمصر عامرة بالمبدعين من أعضاء هيئات التدريس بمختلف الجامعات المصرية ولكن للأسف الشديد يتم الرد من قبل الدولة بعد الاهتمام بهم وبأوضاعهم الاجتماعية والمادية ,فالدولة شديدة الحرص على رفاهية لاعب كرة أو مطرب مهرجانات شعبية أو بطل أفلام للبلطجة والعنف ولا تكترث لعالم وطني قد توصل لبراءة اختراع في غاية الأهمية .

 

- أخيرا وليس آخرا نجد من ضمن اللاجئين المصريين أبناء الطبقة المتوسطة الطامحين نحو استكمال دراستهم بالخارج كي يعوضوا عقدين من أعمارهم في كنف المدارس الحكومية ,هؤلاء الذين يسعون نحو العمل بمؤهلاتهم العليا بمرتبات مجزية ومستوى معيشة مرتفع فهم مجتهدون ويسعون نحو الأفضل ولكن أمهم مصر دائما لا تريد الخير لهم .

 

- وفي نهاية مقالي أريد أن أقول حادث رشيد مثّل بالنسبة لي جرس إنذار للدولة والمجتمع ,حادث رشيد بمثابة كارثة أصدرت خيوطا للتنبيه كي نعمل على حل مشكلاتنا ,لابد أن تعمل القيادة السياسية على الاحتواء والمساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع ولابد على النخبة ألا تعيش في أبراج عالية بعيدة عن الواقع وكأنها تؤدي دور ماري أنطوانيت وهي ساخرة من فقر الكادحين ,أرجو أن ننتبه جميعا قبل أن ينفجر البركان ونتمنى جميعا الموت قبل نرى أيام الانقسام والتفتت والاقتتال الأهلي .

 

- رحم الله ضحايا مركب رشيد وأسكنهم فسيح جناتهم .

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان