رئيس التحرير: عادل صبري 12:44 مساءً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

الإصلاح المالي وحده لا يكفي

الإصلاح المالي وحده لا يكفي

ساحة الحرية

محمد موسي (عضو الهيئة العليا لحزب العدل و رئيس اللجنة الاقتصادية)

الإصلاح المالي وحده لا يكفي

محمد موسي - عضو الهيئة العليا لحزب العدل و رئيس اللجنة الاقتصادية 01 أكتوبر 2016 07:04

ما بين دموع أهالي الشباب الذين ضاقت بهم الحياة ولم يتحملهم البحر فقضوا أمرهم قبل أن يصلوا إلى شاطئ ظنوا أنه بداية الحياة، وبين نظرات العيون الحائرة لآباء كانوا بالأمس القريب ينتمون إلى الطبقة الوسطى أو ما نطلق عليهم بالعامية (مستورين) واليوم ومع الزيادة المستمرة في الأسعار التي لا تكتفي بالتهام دخله بل تمتد لتخطف راحة باله بالسؤال حول كيفية استمراره في تدبير نفقات أسرته دون أن ينكشف هذا الستر، يكون الرابط الوحيد هو الوضع الاقتصادي شديد السوء الذي يعصف ليس فقط بالشعبية السياسية للنظام ولكن أيضا يهدد طبقات اجتماعية واسعة.

 

وفي الوقت الذي يحاول جاهدًا وزير المالية ونوابه شرح الأهمية الكبيرة لإجراءات الإصلاح المالي الذي نجحت الحكومة في تمريره من قاعة مجلس النواب إلى الشعب، نجد أن الناس فعليًا تعاني ولم تعد حتى قادرة على كتمان هذه المعاناة.

 

والحقيقة إن وزير المالية محقّ في أن الاستمرار في السياسات المالية القديمة اصبح مستحيلا و ان البلاد بحاجة إلى حزمة إصلاحات مالية ضخمة تتمثل في السعي نحو خفض عجز الموازنة وهو ما يعني المزيد من خفض الإنفاق العام المتمثل في الدعم والخدمات الاجتماعية الأخري وزيادة رسوم الخدمات التي يتلقاها المواطن من الحكومة، و البدء في تقليص عدد العاملين المدنيين بالدولة لخفض بند الاجور بالموازنة العامة ، كذلك مراجعة سياسة سعر صرف الجنيه و هو ما يعني مزيد مِن خفض قيمة العملة الحالية ، و تغيير هيكل الملكية لبعض الأصول المملوكة للدولة .

 

و علي الرغم من صحة هذه الإجراءات من الناحية النظرية وأهمية تطبيقها لكنها غير كافية في حد ذاتها للخروج من المأزق الاقتصادي الحالي غير أن تطبيقها بهذا الشكل سيلحق ضررا اجتماعيا بالغا بالطبقة الوسطى وما دونها بشكل يحتاج معه رؤية و جدول زمني يوضح لهذه الطبقات إلى متي سنتحمل هذه المعاناة، والحقيقة إن هذا الجزء غائب تمامًا عن خطة الحكومة الحالية .

 

ومن ناحية أخرى فيبدو إننا لم نسأل السؤال الصحيح حتي الآن وهو ماذا تحتاج مصر لبناء نظام اقتصادي يحقق تنمية مستدامة؟ و لكي نجيب أولا على هذا السؤال علينا ان نتأكد من أننا لن نعيد اختراع العجلة فكثرة الحديث عن أفكار خارج الصندوق في الوقت الذي لم نبذل فيه جهدا لتنفيذ أفكار من داخل الصندوق اصلا، و كذلك ان اي تجربة اقتصادية ناجحة لا يمكن استنساخها وإن كان الاستلهام منها بما يناسب البيئة المحلية و دراسة هذه التجارب دون نقل عشوائي لتجارب ملائمة اكثر للبيئة التي نشأت في ظروفها .

 

 في البداية علينا أن نعترف بضرورة الإصلاحات المالية فالاستمرار في انفاق ما لا نملك من نقود و كذلك ارتفاع الدين العام لنسبة تقترب من ١٠٠ ٪‏ من الناتج المحلي الاجمالي يجعل الإصلاح المالي ضرورة و امر واقع و لكن لابد ان تمتد نظرة من يدير الاقتصاد و المسئول عن القرارات الاقتصادية في مصر إلى ما هو ابعد من الأرقام قليلا ، فحالة الكساد التضخمي التي يعاني منها الاقتصاد و كذلك التشوه الهيكلي الناتج عن تردي البنية التشريعية فيما يتعلق بالاستثمار و التخارج و الافلاس و كذلك اقحام البيروقراطية بشكل يعيق حركة الاستثمار و يفتح الباب للفساد مع تعقد مراحلها ، كل هذا يجعلنا لابد انت نعيد ترتيب خطة الإصلاح ليكون الغرض منها هو فك القيود التي تحاصر الاقتصاد و وضعه علي طريق التنمية الحقيقية و الا يكون الهدف هو تأجيل الأزمات او التركيز علي مجرد إصلاح رقمي فقط .

 

 و حتي نضع اعيننا علي الحقيقة كاملة فإن جذب الاستثمار و تنميته سواء بشكل محلي او اجنبي مباشر يحتاج إلى اكثر من مجرد مؤتمر هنا او هناك إنما يحتاج إلى اعادة النظر في حجم التدخل في النشاط الاقتصادي من جانب الدولة فمن الصعب ان يأتي مستثمرا لينافس الدولة ، كذلك ان تتمتع السياسات الضريبية و المالية بالثبات النسبي فمن الممكن ان يقبل المستثمر نسبة ضريبية كبيرة لكن التغيير العشوائي لقوانين الضرائب عادة ما يربك حركة السوق و هو ما يترتب عليه صعوبة في اتخاذ القرار الاستثماري ، ايضا تعد ابرز التحديات في مصر هو الحصول علي معلومات كافية عن السوق فغياب المعلومة او صعوبة تداولها يجعل الوضع أشبه بحالة من الطيران الاعمي ، كذلك تكونت نظرة عامة ان المستثمر لص إلى ان يثبت العكس و مع الأخذ في الاعتبار تجارب كثيرة من الفساد لكن الحقيقة ان غياب دولة القانون يفتح الباب امام كل فاسد فهو ليس فاسدا لانه مستثمر .

 

 و بالخروج من شق الإصلاح المالي مرورا بالاقتصادي فإن الإصلاح السياسي و الاجتماعي جزء لا يتجزأ من اي خطة إصلاح أردناها جادة فعلا ، فالسوق الحر كما يسعي لحرية رؤوس الأموال فانه يصبح أشبه بالسوق السوداء لو لم تكن هناك حرية تعبير عن الرأي و تكوين تنظيمات سياسية و إنفاذ الدستور ، فلا يمكن ان تطالب المواطن بان يشتري تلك السلعة بسعرها الحر بينما هو نفسه ابعد ما يكون عن الحرية .

 

 أما على الجانب الاجتماعي فإنه من المؤكد أن خطة الإصلاح المالي ستصيب الطبقات غير القادرة علي زيادة دخولها نتيجة الحصول على رواتب ثابتة فلابدّ من إعادة النظر في منظومة تأمين صحي شامل حقيقي، كذلك منظومة نقل جماعي ومواصلات عامة لائقة بأسعار مناسبة، إعادة تقييم وضع الدخول في مصر ومنح دعم نقدي للأسر بالشكل الذي لا يعوق خطة الإصلاح و لكن يمنع انهيار طبقات كاملة تحت وطأة القرارات الاقتصادية .

 

 وبعد هذا الطرح أعتقد أن الإصلاح ليس مجرد شعار سياسي لتبرير الأداء الاقتصادي السيئ و كذلك ان الإصلاح لو لم يكن متعدد الجوانب و جاد فعلا سيكون وبالا و ليس إصلاحا، لذلك أكرر الرسالة إلى الوالي : الإصلاح المالي وحده ليس فقط قاصرا و لكن فيه سم قاتل .

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان