رئيس التحرير: عادل صبري 04:25 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الذكرى الـ15 لتأسيس «العدالة والتنمية» التركى.. هل من تعزيز لـ «الإسلاموية»؟

الذكرى الـ15 لتأسيس «العدالة والتنمية» التركى.. هل من تعزيز لـ «الإسلاموية»؟

ساحة الحرية

صلاح لبيب

الذكرى الـ15 لتأسيس «العدالة والتنمية» التركى.. هل من تعزيز لـ «الإسلاموية»؟

صلاح لبيب 27 أغسطس 2016 14:09

فى الرابع عشر من أغسطس الحالى حلّت الذكرى الـ15 لتأسيس حزب العدالة والتنمية التركى، وهو الحزب الذى شغل غالبية مفكرى علماء السياسة والاجتماع السياسى المهتمين بمنطقة الشرق الأوسط والإسلام، باعتباره صاحب التجربة الأطول فى حكم دولة التناقضات «العثمانية - الكمالية»، فهى دولة غالبيتها من المسلمين، حكمتها قواعد العلمانية الكمالية، غالبية القرن الماضى.


 

ويظهر أن هناك تناقضاً حقيقياً بين المتخصصين فى علم الاجتماع السياسى فى تقييم حزب العدالة والتنمية، فهناك من يراه حزباً إسلاموياً محافظياً معبراً عن حالة المحافظة الأناضولية الريفية، وهو ما عبّر عنه جيهان توجال فى دراسته: «الإسلام وتخندق النزعة المحافظة التركية» (Islam and Retrenchment of Turkish Conservatism)، فيما يراه آخرون حزباً يُمثّل مرحلة ما بعد الإسلاموية، وأنه دخل فى مرحلة تناقض صارخ مع الإسلاموية التقليدية، ففى رؤيته -«العدالة والتنمية»- «الإسلام ليس أيديولوجية، والقرآن ليس دستوراً»، حسبما يرى إحسان داغى فى دراسته: «النسخة التركية لما بعد الإسلاموية» (Post-Islamism a la Turca).


 

هذا التناقض الحاد فى تقييم تجربة «العدالة والتنمية» تُعزّز منه السياسات المتناقضة التى طبّقها الحزب خلال سنوات طويلة من تجربته فى الحكم، لكن نظرة أولية على مرحلة التأسيس تكون مهمة فى تقييم سياسات ما بعد مرحلة النشأة.


 

ففى عام 2001، تأسس حزب العدالة والتنمية من 74 شخصاً، جميعهم يجيدون لغة أجنبية أخرى، بينهم ثلاث عشرة امرأة، سبع سيدات منهن غير محجبات، إضافة إلى مطربة مشهورة ومحامية وإعلامية.


 

كما كان من بين المؤسسين ثمانية من رجال الأعمال، خمسة من المقربين من الإسلاميين، وثلاثة من الليبراليين، إضافة إلى شقيق الرئيس التركى السابق تورغوت أوزال.


 

ويُعد حزب العدالة والتنمية هو «الابن البراجماتى» لحركة «مللى جوروش» (MİLLİ GÖRÜŞ)، أو حركة الرأى الوطنى، التى تأسّست عام 1969 بزعامة نجم الدين أربكان، التى أسّست الكثير من الأحزاب، التى فشلت فى الاستمرار بالسلطة، بسبب معارضتها لتراث الكمالية فى البلاد، والتى خرج منها ما عُرف بالمجددين. وحسب الباحث الأردنى على باكير، فإن القوام الأساسى للحزب فى بداية تأسيسه كان من عناصر حركة الرأى الوطنى والأحزاب التى أسسها «أربكان»، كـ«الفضيلة» و«الرفاة».


 

ودرج قادة «العدالة والتنمية»، وفى مقدمتهم رئيسا تركيا السابق والحالى عبدالله جول ورجب طيب أردوغان، على تعريف الحزب الذى أسساه بأنه حزب ديمقراطى محافظ وعرف «جول» المحافظة بأنها «تعنى الحفاظ على الثقافة واللغة التركيتين والدين الإسلامى» إلا أنه أكد «التزام حزبه الكامل بالعلمانية».


 

وبنظرة عامة إلى التشريعات التى أقرها البرلمان التركى فى سنوات سيادة «العدالة والتنمية» فيه على الأغلبية، نجد أن التشريعات المتعلقة بالدين، كالحجاب والمدارس الدينية وغيرهما من مظاهر الشعائر الإسلامية قد يراها البعض تعزيزاً للإسلاموية فى بلد علمانى، إلا أن آخرين رأوها تعزيزاً لليبرالية فى بلاد عانت من العلمانية الإقصائية.


 

وقد كانت العلمانية الكمالية التركية خلال سنوات، علمانية إقصائية، على غرار مثيلتها المطبّقة فى فرنسا، فقد أصدر «أتاتورك» فى عام 1923 قراراً بمنع اعتمار (ارتداء) الحجاب والطربوش فى الأماكن العامة، لكن هذا القرار لم يتحول إلى قانون إلا بعد انقلاب الجنرال كنعان إيفرين على الحكومة المنتخبة عام 1980، الذى أصدر قانون «لوائح اللباس فى المؤسسات العامة»، الذى بموجبه مُنع الحجاب فى مؤسسات الدولة.


 

وأدت أجندة التشريعات التى أدخلها «العدالة والتنمية» فى البرلمان التركى إلى زيادة مساحة التديُّن فى الشارع التركى عما كانت فى السابق فقد سُمح برفع الأذان بالعربية، واعادت الحكومة تديس اللغة العثمانية في المدارس الأمر الذى اعتبرت فيه تلك التشريعات والقرارات انقلاباً واضحاً على مبادئ الكمالية التركية التى تحصر التديُّن فى جانبه الشخصى فقط، دون إعلانه وإظهاره علانية.


 

وفى العام ذاته الذى رفع فيه الحظر عن ارتداء الحجاب فى الأماكن العامة عام 2013 قام البرلمان بإقرار قانون يمنع شركات الكحول من الترويج لمنتجاتها ومنع بيع الكحول بين العاشرة مساءً والسادسة صباحاً، كما حظر على شركات الكحول أن تروج لعلاماتها التجارية وشعاراتها، وتم وضع تحذيرات على زجاجات الكحول من مضاره، ومنع بث المسلسلات والأفلام والفيديوهات الموسيقية التى تُمجّد استهلاك الكحول.


 

وقُوبل القانون الذى طرحه «العدالة والتنمية» وقتها بانتقادات داخلية وخارجية اعتبرته تدخلاً كبيراً فى الحياة الشخصية للمواطنين وتعزيزاً للتوجّه المحافظ للحزب الحاكم، إلا أن «العدالة والتنمية» غالباً ما كان يلجأ إلى قاعدته المحافظة «الأناضولية»، إضافة إلى المعايير الأوروبية التى تساند الحد من استهلاك الكحول والمخدرات.


 

وقد سار «العدالة والتنمية» فى طريق تعزيز توجهاته كحزب محافظ فى عموم تركيا، على عدة مسارات، مشكلاً تحالفات داخلية من أطراف متناقضة من أجل تنفيذ مشروعه، ففى مشروع رفع الحظر عن الحجاب، تحالف مع حزب الحركة القومية الذى أيّد رفع الحظر، كما فى الكثير من القوانين المحافظة الأخرى.


 

وفى العام الماضى كان نصف عدد المرشحات على قوائم الحزب فى الانتخابات من المحجبات، وللمرة الأولى أجبر حزب الشعب الجمهورى -اجتماعياً وانتخابياً- الذى أسّسه «أتاتورك» على ترشيح محجّبة على قوائمه، وأسفرت انتخابات يونيو عن فوز 21 نائبة محجبة للمرة الأولى فى تاريخ تركيا، 18 من «العدالة والتنمية» و3 من حزب الشعوب الديمقراطية الكردى.


 

ووصلت نسبة المحجبات فى تركيا اليوم وفق أحدث دراسة 67 %بينما تبلغ نسبة المحجبات المساندات للعدالة والتنمية 86% من إجمالي السيدات المساندات له.


 

واليوم علي سبيل المثال تستحوذ دور النشر التي يمتلكها "إسلاميون" على 30% من إنتاج النشر والطباعة في البلاد، ولدي جموع "الإسلاميبن"الاتراك - وهذا يشمل حركات المللي جورش وحركة الخدمة وغيرهما - ما لا يقل عن 50 جريدة ما بين يومية وأسبوعية منها السياسي والديني والمتنوع.

كما ارتفع عدد طلاب المدارس الدينية من 50 ألف طالب عام 2001 عام تأسيس العدالة والتنمية - إلي مليون طالب في آخر إحصاء بحسب تقارير.


 

يبدو الحديث -فى المجمل- عن توجهات «العدالة والتنمية» وسياساته أمراً محيراً للكثير من المراقبين، فهناك من يرى أن التوجهات المحافظة للحزب تتوافق من البيئة التركية وتُعزّزها، كما أن الإصلاحات فى مجملها ليبرالية -رغم أن الحزب لا يعتبر نفسه حزباً ليبرالياً- بينما يرى آخرون أن الحزب يخفى أجندة إسلاموية سلطوية تسعى لاستعادة أمجاد الدولة العثمانية، وهو مشروع متناقض مع مشروع مؤسس الجمهورية كمال أتاتورك.


 

* باحث متخصص فى العلاقات الدولية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان