رئيس التحرير: عادل صبري 11:51 صباحاً | الأربعاء 15 أغسطس 2018 م | 03 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

رحيل زويل.. وأزمة العقل المصري

رحيل زويل.. وأزمة العقل المصري

ساحة الحرية

أحمد عبيد

رحيل زويل.. وأزمة العقل المصري

أحمد عبيد 07 أغسطس 2016 11:52

رحم الله العالم الفذّ المصري والعربي الوحيد الحائزة على نوبل في العلوم عن جدارة باكتشافه المُدَوّي للزمن المتناهي في الصغر وتصويره للتفاعلات الكيميائية باستخدام أشعة الليزر. وهو إنجاز لم يمكن التقليل منه وانحنى له العلم والعلماء في أنحاء العالم، ووضع اسم أحمد زويل في الترتيب التاسع ضمن ٣٠ قامة علمية أثرت في النهضة الأمريكية منهم جراهام بل وآينشتاين، ومكنته من ترأس كرسي الكيمياء في معهد كالتك أكبر معمل بحثي في العالم خلفًا للعالم ليونس باوينج الحاصل علي جائزتي نوبل، كما اختير ضمن مستشاري الرئيس الأمريكي للعلوم، وحاز على ٣١ جائزة دولية وكرَّمته كبرى جامعات العالم وكثير من رؤساء الدول والملوك وبابا الفاتيكان.

وقضى زويل آخر سنتين يعاني من سرطان النخاع الشوكي وكان مريضًا بشدة حتي وافته المنية في كاليفورنيا.

وبمجرد إعلان وفاته فاجأتنا نخب مصرية بتحويل نعي الرجل إلى مجال للمبارزة السياسية والمزايدة علي قامة الرجل العلمية بسبب بعض آراؤه في الشأن المصري وإشكالية مدينة زويل للعلوم مع جامعة النيل وبسبب حصوله علي جائزة وولف الإسرائيلية في الكيمياء والتي تسلمها في إسرائيل. 

وتوقيت هذه المساجلات والمزايدات لا يعكس بأي درجة أي نوع من التقدير للرجل أو لظرف وفاته ووصيته بدفنه في مصر، بقدر ما يعكس عمق أزمة العقل المصري وسوء اختياره للتوقيت المناسب واختلافه الواصل حد التخوين والتضارب البين في المزايدات والمساجلات والمشاعر. في ذات الوقت الذي نعته دول ومؤسسات ورؤساء وشخصيات وتقدمت بنعيها للشعب المصري المشغول بخلافاته وتصنيفاته ومؤامراته.

ولا يهمنا الدفاع عن زويل، فسيتبقى له في النهاية إنجازه العلمي ووضعه في سجل الخالدين ولن يهتم العلم كثيرا بجنسيته الأمريكية أو منبته المصري، كما لا نهتم كثيرا بيهودية آينشتاين فهو صاحب النظرية النسبية وكفي ولن تعني جنسيته للعلم شيئا. ولكن ما يهمنا حقيقة كمصريين ألًا تنتزع منا الخلافات والمساجلات فخرنا وزهونا بأنَّ زويل نبت مصري تعلم في مصر ونال شهادته الجامعية ودراساته العليا من جامعة الإسكندرية، وبأن المصري قادر إذا أتيح له المجال أن يكون عبقريا مميزا يضع اسمه بجوار عمالقة العلم. لماذا يهدم البعض هذه القيمة وهذا المثل ويتحدث عنها مستهينا مستهترا وللأسف رافعا لأعلام الوطنية والتقوي ومحاربة الاستعمار !

وللتذكير لمن خانته الذاكرة، فقد بدأ الطعن في الرجل في أواخر عهد مبارك وبروز مشروع التوريث عند تداول اسمه كمرشح رئاسي ليخلف مبارك، فتم الهجوم علي مشروعه التعليمي المعروف بمدينة زويل وتنازع معه رجال أعمال النظام علي الأرض المخصصة لمشروعه لإقامة جامعة النيل الأهلية كما اتهموه بتزوير نعرفه ونعايشه في كل مجال بأنه رأس حربة لإعاقة التقدم العلمي الذي توفره الجامعة الأهلية والتي بالرغم من اسمه بدأت بتحصيل أعلي الرسوم من طلبتها، ثم صارت تجمع التبرعات بعد صدور قانونها بأنها لا تهدف للربح.

 

تعلق سيدة تعاملت مع الجامعة

 

"ولكن موضوع جامعة النيل ده بالذات انا متبعة كل شىء فيه وورقة ورقة من عام ٢٠٠٦وحتى الان وأحب اقولكم انها تمت كجامعة خاصة من بدايتها والتى أسسها أحمد نظيف بأموالنا العامة من وزارة الاتصالات وتخصصها هندسة وتجارة وأخذ أرض جامعة زويل وكان وراء تعثر مشروعه واحد وزير شهير جدا حتى الان، المهم يوم ٢٠ فبراير٢٠١١ أي بعد شهر من الثورة احمد شفيق رجع الارض والجامعة الى الحكومة بموافقة وتنازل الجامعة لأنهم كانوا عارفين انهم سيدخلون السجن وبعدها بثمانية شهور قرر مجلس الوزراء احياء مشروع زويل على ارضه اصلا ومع تعثر المد الثورى وخروج السبوبة بدأت بكائية مبانى جامعة النيل وليس الارض المهم فى الاخر هو اخد ارض بديلة لمنع القرف ولكن المهم الان جامعة النيل التى أصبحت أهلية مش خاصة العام الماضى بتعمل إعلانات زى مستشفيات السرطان بفلوس الحكومة والنَّاس وهذه ليست جامعة بحثية وليس بها علوم أساسية دى معلومات وسبق نشرتها وسوف انشرها تانى لان مافيا التعليم مع الاعلام قلبوا الحقائق ده مالوش دعوة بآراء زويل فى السياسة وجامعته تعمل الان كويس وبها علوم أساسية وداخلي للطلاب وبها معمل حديث جدا لليزر والفيمتو ثانية".

ويرجع أصل الاتهامات لزويل وجامعته إلي عام ٢٠١٢ حيث صدر كتاب للدكتور محمد أشرف البيومي أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة الإسكندرية وجامعة ميتشجان الأمريكية سابقا والذي عرف نفسه بأستاذ زويل والمتبنيه علميا، والكتاب بعنوان (العلم كأداة للهيمنة الغربية .. مشروع زويل نموذجا) ، وكما يبدو من عنوانه فقد حفل بالهجوم علي مشروع زويل وعلي زويل شخصيا معتبرا إياهم أداة للهيمنة الغربية علي مشروعات النهضة العلمية الوطنية والتي مثالها جامعة النيل الأهلية، التي نعلم الآن جمعها للتبرعات ولا يوجد بها سوي تخصصات الهندسة والتجارة، رغم ما جاء في كتاب د. البيومي "جامعة النيل جامعة بحثية غير هادفة للربح تأسست عام 2003 كجزء من خطة قومية لوزارة الاتصالات تشمل خريجين متفوقين من جامعات مصرية ومن مواضيع البحث: الطاقة البديلة، وتطوير برامج الكمبيوتر عربيا، ومصادر المياه العذبة وتحلية مياه البحر، ودراسات شبكية العين للمصابين بمرض السكر، وتطوير المحتوي العربي للإنترنت، تصوير ودراسة عضلة القلب وسمكها، وكفاءة ضخ الدم باستخدام الرنين المغناطيسي، وفك الشفرة الجينية للجاموس المصري بهدف زيادة انتاج اللحوم والألبان. " مرة أخري لا تحتوي جامعة النيل علي أي فك شفرة لچينات الجاموس المصري وإنما فقط تخصص 

هندسة الاتصالات والمعلومات، الهندسة والعلوم التطبيقية، إدارة التكنولوجيا، إدارة الأعمال.

مايهمنا هنا وضوح العوامل الشخصية والغيرة العلمية والحديث المرسل والغير موثق بأن زويل " قد يكون مساهما في مشروع نوتيلاس ( الصَدَفة) المشترك بين أمريكا وإسرائيل لاستخدام أشعة الليزر في إسقاط صواريخ قصيرة المدي" دون أن يورد دليلا واحدا سوي ماأكده له لواء راحل يدعي صلاح سليم، وما أثار شكه أن الشركة المشرفة علي البرنامج TRW تقع في كاليفورنيا بجوار معهد كالتك الذي يعمل به زويل. كما أدان بتحريض ظاهر قبول زويل لجائزة مؤسسة وولف الإسرائيلية في الكيمياء قائلا " اختير زويل محاضرا متميزا في جامعة تل أبيب عام 1992 /1993. وفي عام 1993، منح العدو الصهيوني جائزة "وولف لزويل"، وسلمها له الرئيس الاسرائيلي في ذلك الوقت عيزر وايزمان في حفل أقيم بالكنيسيت. ووايزمان هو ابن مؤسس الكيان الصهيوني الذي اغتصب فلسطين، وعيزر هو قائد سلاح الجو الإسرائيلي الذي قاد تدمير السلاح الجوي المصري في أعوام 56 و 67 الذي ذهب ضحيته الآلف من العسكريين المصريين".

يلزم هنا أن نبين ونؤكد أن المقال يعارض التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولكنا لن نزايد علي ظروف وطموح زويل بل ننظر بمنظور أوسع يشمل قيمة الجائزة العلمية ووضع زويل في المنظومة البحثية الأمريكية. فنظرة علي جائزة وولف في المجال البحثي سنجد أنها أهم جائزة علمية تلي جائزة نوبل، وأنه من بين ٢٦ عالما حصلوا عليها في الفيزياء فإن١٤ عالما منهم حازوا بعدها جائزة نوبل. يمكنك أيها القارئ أن تنظر للأمر من زاوية المؤامرة وسيطرة الكيان الصهيوني علي منح جائزة نوبل، كما يمكنك أيضا أن تتلقي صدمة كبيرة بإدراك مدي التقدم العلمي والتكنولوجي في دولة الكيان الصهيوني وحصول العديد من علمائه علي نوبل.  وما كان لأحمد زويل الطموح أن يتخلي عنها وعن تمهيد حصوله علي جائزة وولف لحصوله علي الجائزة الأكبر وحلم كل عالم وهي جائزة نوبل. والمزايدة علي زويل في هذا الأمر هو بمثابة النظر بعين واحدة أو انفصام عقلي خطير.

في الشأن السياسي المصري لم تتعدي تصريحات زويل تصريحات كثيرة من فاعلين في الشأن الداخلي، فقد عبر عن حق الإخوان أن يحكموا بعد أن انتخبهم الشعب وأن التجربة الديموقراطية تعطيهم الحق في أن يأخذوا فرصتهم وقد يأتي غيرهم في تداول السلطة، ثم أيد مظاهرات ٦/٣٠ واعتبر السيسي منقذا للبلاد وبعد تقلد السيسي للرئاسة حرص علي تزيين حفل عسكري لتكريم المتفوقين بجلوس زويل المريض إلي جواره، وقبل وفاته بشهور صرح بأن الشعب المصري في مأزق واعتذر عن مشاركته في أي شئ بعد ٦/٣٠ ، ثم توصيته الأخيرة لزوجته بأن يدفن في مصر. 

لا تجد في مقولات زويل السابقة خروجا كبيرا أو صغيرا عما سمعناه وعايشناه من سياسيين مصريين معروفين أو ناشطين أو ناس عاديين ولم يهاجمهم أحد، إلا أن زويل وقبل إيداعه مثواه الأخير حظي بهجوم جماعي من كل الاتجاهات وتعليقات تذكر اسمه بحشرجة خشنة وهي تتساءل ماذا قدم لمصر .. فقد علقت ناشطة سياسية في قسوة وغلظة بأن زويل قدم حياته لأمريكا ولم تنل مصر إلا جثته ، بينما تساءل مدون عن ماذا قدم زويل لمصر، ولم يتساءل لماذا لم تستفد مصر من زويل !

وبالطبع خرجت تعليقات أصحاب التيار الإسلامي باتهام زويل بالتعاون مع القتلة مبرزين صورته بجوار السيسي وبأن العالم الحق لا يجلس وسط القتلة، بينما كتبت ناشطة إخوانية من الخارج (نفوق أحمد زويل صديق إسرائيل) مرددة ادعاء د. البيومي في كتابه بتطوير منظومة صواريخ إسرائيلية وبتعلقه بفردة حذاء شاويش الانقلاب. ولعل تعبير نفوق يناسب سكان الزرائب وأمًا تطوير الصواريخ الإسرائيلية فكذبة غير محبوكة إذا علمنا قدرة إسرائيل التكنولوجية وأنها ساعدت الهند في تفجيرها النووي كما حسنت من أجهزة توجيه الصواريخ الصينية الفضائية.

لم تغادر تعليقات اليساريين الماركسيين بعيدا عن تعليقات الإسلاميين سوي في التأدب في التعليقات التي ذهبت بجدل ملتوي وبتداول معلومات مغلوطة أو مأخوذة من كتاب د. البيومي إلي اتهام زويل مباشرة بالتعاون مع العدو الصهيوني وبأنه مبعوث الإمبريالية الأمريكية لتعطيل الثورة المصرية نواة الثورة العالمية علي الاستغلال الرأسمالي المتأزم. هناك رابطة بين الإسلامي والماركسي في أن كل منهم عالمي فكما كل مسلم في أي مكان هو أخ فكل ماركسي في العالم هو رفيق، والإسلامي يري المؤامرة الكونية علي الإسلام كما يري الماركسي المؤامرة الكونية علي الثورة وعلي الطبقة العاملة. يمكنك أن تسمع الخطيب الإسلامي في أفقر بلاد الله وحيث تمرح المعيز والخراف في صحن المسجد وهو يحدثك عن المؤامرة الغربية الأمريكية علي الإسلام والمسلمين، مثلما يحدثك الخطيب الماركسي عن المؤامرة الكونية علي الطبقة العاملة بالرغم من عدم وجودها ويبشرك بالنصر إذا ما تم تكوين قواعد عمالية واعية ومنظمة تساهم مع شقيقاتها في الأممية في الثورة علي الإمبريالية. ويعلق أحدهم بأن مصر لا تحتاج للفيمتو ولا للثانية بل تحتاج إلي محو الأمية وهذا مفهوم تماما إذ ماذا تفعل دولة متخلفة برؤية التفاعلات الكيميائية، ولكنه يقفز لأن الإدارة الأمريكية تري في زويل أقرب العلماء للسياسة الأمريكية العليا وأن زويل كان رسولها إلي مصر قبل الانفجار الثوري، الذي يصفه ماركسيون آخرون بأنه ثورة ملونة، لتعطيله وإفساده مثله مثل البرادعي أو عصام حجي، ولا أدري لماذا تناسوا فاروق الباز!، وأن زويل حاول تحطيم طلاب جامعة النيل الأهلية التي ستبحث في جينات الجاموس المصري.

ومع هذه المؤامرات العالمية الكونية التي تحيق بالإسلام أو بالثورة الشعبية، لا يتعجب أي منطق غير معوج من ذهاب المواطن الغلبان ليطلب حماية العسكري من هذه المؤامرات التي لا قبل له بها، وإن ضرب العسكري ظهره أو أخذ قوت يومه.

نغفر لأحمد زويل ذهابه لإسرائيل ونتفهم حلمه كعالم لنيل جائزة نوبل ونري ظروفه ونترحم عليه ونفخر بإنجازه العلمي وهو رجل أحب بلده وأحبنا وأحببناه .

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان