رئيس التحرير: عادل صبري 09:25 صباحاً | الخميس 13 ديسمبر 2018 م | 04 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

احذروا أفخاخ الملاحدة الانعزاليين

احذروا أفخاخ الملاحدة الانعزاليين

ساحة الحرية

طارق المهدوي

احذروا أفخاخ الملاحدة الانعزاليين

طارق المهدوي 05 أغسطس 2016 13:02

من المفترض أن أي إنسان طبيعي عاقل لا يختار لنفسه الإلحاد ولو مؤقتاً سوى عقب اجتيازه طريقاً شاقاً طويلاً من الفرز والفحص والبحث والمقارنات الفكرية والمجتمعية المتعددة والمتنوعة والمتعمقة، حتى يتسنى له العبور الآمن للخطوط الحمراء التي سبق أن وضعتها الإنسانية حول نفسها تاريخياً على مظنة منها بأنها الأصلح لها في حينه ثم الاشتباك الموضوعي مع تلك الخطوط واحدها تلو الآخر، وصولاً إلى الدعوة لما يعتقد الملحد أنه الأصلح للإنسانية المعاصرة على كافة محاور اهتماماتها الحياتية الحقيقية سواء كانت وطنية أو قومية أو ديمقراطية أو اجتماعية، وعليه يكون من المفترض أيضاً أن ذلك الطريق الشاق الطويل الذي اجتازه الملحد في رحلة وصوله إلى اختياره قد أسهم جدياً في إنضاج أفكاره العلمية المطلقة وفي توعيته بالحقائق المجتمعية النسبية، مع إكسابه المهارات الذهنية والأدوات التواصلية اللازمة لنشاطه الإلحادي النظري والعملي على نحو من الالتزام الذاتي ببعض الخطوط الحمراء الجديدة والمفيدة له وللواقع المحيط به والتي تشمل فيما تشمله الآتي:-

 

1- احتياج كل المجتمعات الإنسانية إلى الإيمان بأية منظومة عقائدية متكاملة ومترابطة وملزمة أخلاقياً بالحقوق والواجبات المتبادلة ضماناً لسعادة المجتمع وسلامته وتقدمه إلى الأمام ومنعاً لاستشراء الفوضى في ربوعه، وهو احتياج مفيد ليس فقط للإنسان النخبوي الذي تمنحه تلك المنظومة العقائدية بوصلة المشروعية ولكن أيضاً للإنسان العشوائي الذي تمنعه المنظومة العقائدية ذاتها عن مسايرة نفسه الأمارة بالسوء تجاه حقوق ومصالح غيره.
 

2- إن الإلحاد ليس سوى منظومة إيمانية عقائدية أخرى وإن اختلفت شكلاً وموضوعاً عما هو سائد وساري في المجتمعات التقليدية من منظومات إيمانية عقائدية، لاسيما بالنظر إلى الطابع العلمي المنفتح الذي تسعى المنظومة الإلحادية لإحلاله محل الطابع الغيبي المنغلق للمنظومات الدينية الأخرى عبر خطوات متدرجة بحكمة تتحاشى التفريط والإفراط.
 

3- إن المنظومة الإيمانية العقائدية الإلحادية في حد ذاتها ليست هدفاً إنسانياً إيجابياً بل هي مجرد آلية لتحرير العقل من القيود الغيبية المبالغ فيها التي سبق أن فرضتها المنظومات الدينية حول العقل البشري لمحاصرته داخلها، بحيث يسمح التحرر المنشود للعقل البشري بالتفكير والتخطيط والتنفيذ الحر المستقل لصالح الإنسانية المعاصرة فيما يهمها من قضايا وطنية وقومية وديمقراطية واجتماعية.
 

4- إن المنظومة الإيمانية العقائدية الإلحادية في حد ذاتها ليست قيمة إنسانية إيجابية حيث لا يتم احتساب تلك القيمة سوى بالنظر إلى ماهية الانجازات الفكرية والمجتمعية التي يضيفها الملحد للإنسانية عقب تحرير عقله من القيود الغيبية المبالغ فيها، فقد يسفر تحرير العقل من قيوده مع الأهواء والميول الأخلاقية السلبية عن خواء هو والعدم سواء أو عن تحقيق منافع شخصية غير مستحقة على حساب الآخرين أو عن غياب الرادع من ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية.
 

5- إذا كان حصول موروث المنظومات الدينية على احترام شكلاني مغلق ومبالغ فيه من قبل المجتمعات التقليدية هو في حد ذاته واقع ضار بالإنسانية المعاصرة فإن عدم احترام هذا الموروث من قبل الملاحدة ليس هو البديل المفيد للإنسانية أخلاقياً أو عملياً، حيث يسهل الاستبدال الحكيم لما هو ضار من مفردات الموروث الديني التقليدي تدريجياً عبر تعامل الملاحدة إيجابياً معه على اعتبار أنه بخيره وشره اجتهاد تاريخي مفهوم لأجدادنا، أولئك الذين أورثوا الإنسانية المعاصرة حياتها وأراضيها بكافة ما عليها من موجودات وكل من عليها من أحفاد أصبح يمكنهم الآن أن يتجاوزوا اجتهاد أجدادهم عند الضرورة مع استمرار احترامهم.
 

6- إذا كان موقع العقل البشري بين ثنائية الإيمان الغيبي الديني والإيمان العلمي الإلحادي ونوع ودرجة تدينه أو إلحاده من المتغيرات شديدة الخصوصية التي لا يجوز للغير التدخل فيها أو التطفل عليها فإنه في المقابل لا يجوز للعقل البشري صاحب هذه المتغيرات استعراضها أمام الغير.
 

     لذلك يبدو غريباً ومريباً بالنسبة للملاحدة الطبيعيين العقلاء مشهد هرولة بعض الأشخاص المعاصرين على امتداد وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمطبوع والإلكتروني ليملأوا الأثير ضجيجاً دون أي طحن، واصفين أنفسهم بانهم ملاحدة يكرهون الأديان التقليدية ويحاربون أتباعها مع افتعالهم لمعارك وهمية ضد خصوم افتراضيين حول قضايا هامشية جانبية متعلقة بالغيبيات أو العبادات او الشكليات أو غيرها من التفصيلات الفرعية التي لا تندرج ضمن أولويات الاهتمامات أو المصالح الحقيقية للإنسانية المعاصرة، وبمتابعة ما يرتكبه أولئك الغرباء المريبون في معاركهم التافهة من غباوات الدعاية الاستعراضية الفجة والتباهي المتعالي الكريه والتحقير الاستفزازي الشاذ يتضح لذي العينين أنهم لا يخرجون عن أحد الاحتمالات الآتية بعد أو كلها مجتمعة:-
 

1- أنهم انعزاليون يتسمون بالنزق الطفولي مع الحماقة الصبيانية.
 

2- أنهم جهلاء يمتلكون بعض المعلومات المشوهة مع بعض المهارات المنحرفة.
 

3- أنهم مدعون ينتحلون صفة الملاحدة لتمرير مخططات خفية معادية للإنسانية سواء بالأصالة عن شرور أنفسهم أو بالوكالة عن شرور غيرهم.
 

   وهو ما أدركه الملاحدة الطبيعيون العقلاء المنتشرون على امتداد البلدان العربية داخل أوساط الاتجاهات الماركسية والليبرالية والقومية والوطنية بانسجام هادئ مع زملائهم غير الملاحدة في نفس اتجاهاتهم الفكرية، فنأوا بأنفسهم واحتاطوا لأنفسهم من تلك الأفخاخ الشريرة رغم بريقها اللامع الكاذب واستمروا في كفاحاتهم البطولية  دفاعاً عن المصالح والاهتمامات الحقيقية للإنسانية المعاصرة!!.
 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان