رئيس التحرير: عادل صبري 01:02 صباحاً | الخميس 16 أغسطس 2018 م | 04 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

محمود الشريف يكتب: ما لا يدركه المرء

محمود الشريف يكتب: ما لا يدركه المرء

ساحة الحرية

محمود الشريف

محمود الشريف يكتب: ما لا يدركه المرء

09 يوليو 2016 16:49

وقف المعلم أمام طلابه وكتب على السبورة "ليس كل ما يتمناه المرء يدركه"، كنت صغيراً أخطئ في إعراب مثل هذه الجمل المعقدة، لكني لم أخطئ في فهم النعت والمنعوت، لا أخطئ في الوصل والموصول والأشياء التى تدل على بعضها البعض وتوصلك للنتائج، فإن حل فعل فلابد له من فاعل ومفعول به، فإن لم تراهم فأعلم أنهم مختفين عن الأنظار، وكل ما عليك هو توقع الفاعل أو المفعول من مقدمات الكلام.


كذلك المستقبل وما نتمناه فقط يكفيك أن تركز و تلاحظ بدقة ألعاب أحدهم فيتبين لك ميوله، والذي يخبرك بدوره كثيرا عن مستقبله وكيف سيكون؛ حينها كنت بارع في مثل هذه التوقعات، فذاك الولد ذو البشرة البيضاء والنظارة الطبية بهذه النظرة التى تؤحي بالدقة والذكاء، سيكون طبيباً لامحالة، فهو دؤوب فى التحصيل الدراسي، يحصل على علامات نهائية فى معظم الامتحانات، متمنيا دفع فاتورة تعب وتضحيات أهله بتحقيق أحلامهم بأن يتخرج من كلية الطب؛ وربما هذا الولد سيكون مهندسا، فلطالما أحب الرياضيات وتفوق فيها، وخصوصا مسائل الهندسة وقوانين الجبر والتفاضل والتكامل؛ وهذا لربما أصبح مؤلفاً أو كاتباً فهو الماهر في ترتيب كلمات عشؤائية  تصلح لأن تغني في أحد الأفراح الشعبية، أما هذا فمكانه فى أحدى الكليات الحربية أو العسكرية فوالده خصية عسكرية؛ و هذا الأخر فقد يكون صاحب مقهى فما أشبهه بقهوجي " ايوة جاااي"؛ وذاك سارق الأقلام غالبا سيصبح لصاً أو بلطجياً؛ وهذا الولد فمستقبله مضمون فى تجارة المخدرات والتي بدأها من الآن حيث يعتبر مصدر مهم للتوزيع؛ أما هذا الفلتان ابن الأغنياء فسيزوجه أبيه ويصرف عليه ويبقي بتلك اللبانة والحظاظة إلى الأبد، وغالبا ما سيبدد ثروة أبيه في أول خمس سنوات بعد وفاته؛ وهذا لن يخرج من عباءة أبيه وتجارته فهو دائم الحديث عنها، ليس شرطا أن يكون في مهارته ولكن يكفيه صيت المعلم "وابن المعلم معلم"؛ وهذا الفلاح الصغير لن يخرج من أرض أبيه وأجداده حتى وإن جاورنا في الصف، فهو يذهب إلي المدرسة فقط تطبيقا لرغبة والده إستجابة من الأخير لهذا العرف الثقافي السائد بإلزامية التعليم حيث يعتقد بأن مستقبل ابنه سيكون أفضل إذا ارتاد المدرسة.


لم تكن توقعاتي لتقتصر على زملائي فقط، بل كانت شملت مدرسينا، فكنت أميل بمخيلتي لأتنبأ بمستقبلهم فلربما أصبح هذا موجهاً أو مشرفاً رفيع المستوى والدرجة، وهذا مدير وذاك متخصص كبير فى التاريخ أو عالم أو وزير، أما هذا فسفيرا لدولة أجنبية فهو أفضل مدرس لغة إنجليزية فى المدرسة؛ كبرنا سويا وظهر الشعر الأبيض فى روس الزملاء والمدرسين على حد سواء، وبدأت هذه التوقعات تتحطم على صخور الواقع، فصدمت بإمكانيات المدرسين المحدودة ولن أبالغ إن ادعيت ضحالة أفكارهم وقدراتهم، خاصة عندما علمت بأن الانجليزي الذي إعتادته أذناي فى المدرسة هي لغة أخري عبارة عن مزيج من العربية بحروف انجليزية ولهجة مصرية تصاحبها لدغة مصطنعة أقرب لإقلاب أو إخفاء بعض الحروف وتفخيمها طارة وترقيقها أخرى، وكانت الصخرة الأكثر صلادة التى تحطمت عليها توقعاتي وأحلام الأخرين - وإن لم يتفق الاثنين - كانت مكتب التنسيق، حيث تبعثرت كل الطموحات وضاعت الكثير من الأحلام و زاغت الأمال، فتبدلت الأحوال ، ورغم الصدمة سرعان ما تكيف الجميع مع المسار الجديد، ينخرط فيندمج فيتماشي فيصبح كما لو أنه مساره الذي تمناه!

وتمر الأيام وقد جفت منابع توقعاتي وضعفت تبصراتي ولكنها مازلت تتبع شعاع من الأمل بأن لهؤلاء خطة بديلة، وما عليهم سوى إنتظار التخرج للحصول على وظيفة مرموقة ربما تتعدي توقعاتي الأولى، سواء بتقديراته العالية أو حتى وسطة ومحسوبية، فى النهاية مازل لديه فرصة، فطالما خاطبتني أعينهم بأن لنا مستقبل مميز و مازلنا قادرين على إثبات أنفسنا، وستأتي الفرصة يوما ما، حينها سأفرض نفسي ومهاراتي فوق الجميع، وتتجلى سعادتي وأصفو في رخائي.

سرعان ما مرت الأيام وتخرجوا محملين بشهادات وألقاب لم تقدر على تحقيق توقعاتي الأولى ولا حتى الثانية، واختلفت المسارات وتبدلت ثم انهارت وما أن استقرت فى شكل هادئ تستطيع أن تراه تجد أن التوقعات كلها أوهام وما الأمر إلا تكرار لسابقه، ومن أدخلته – في مخيلتك – الهندسة تخرج في الواقع أمين مخازن بعد حصوله على بكارليوس تجارة، والطبيب يعمل بشركة شبكات محمول فى خدمة العملاء، وأصبح أحدهم بعد أن تخرج من معهد طيبة صاحب محل موبايلات، أما عن الباقيين فليسوا أحسن حالاً فأغلبهم مندوبي مبيعات لشركات صناعات غذائية؛ وما أسرعه الزمان وما أقساه ذاك الذي حولهم بعد بلوغهم الأربعين لنموذج استاذ عبد الصبور الذى طالما أعجبك صبره وكفاحه رغم إمكانياته وقدراته الضعيفة، فقد أصبح مديرا للمدرسة بالاقدمية ومازل يحتفظ بحكمته فى حديثه وجملته الشهيرة "ليس كل ما يتمناه المراء يدركه" فالحمد لله، لم يعد لديه ما يتمناه سوى أن يمد الله فى أجله إلى أن يدخر قرشين لأبنه ، بعد أن أصابه حظا عسراً فى التعليم فلم يحصل على كلية القمة التى كان يحلم بها له التي توفر له المكانة المرموقة، والذي بدوره لم يحصل على الوظيفة التى توفر له رغد العيش وتحقق له الاستقرار، كلها كانت أحلام قضى عليها الواقع ودمرها، واجبرها على التوافق معه.

ودارت الدائرة وأصبح الأبناء أباء ومازالوا يرددون " ليس كل ما يتمناه المرء يدركه "، فتحلم الأبناء ويوقظهم الواقع وصوت أبائهم بأن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن صانعين منهم نسخ يائسة، لكنهم غفلوا أن تجري الرياح كما تجري سفينتنا .. نحن الرياح و نحن البحر و السفن، فما تعلمته من كل ذلك ألا اتوقع المستقبل بل أختاره بأختيار الحاضر، فأحاول أن أحيا الواقع وأن أصدق حقيقية حضوري ودوري هنا والآن، على أمل أن أصل للمستقبل وقد أصبح حاضراً، فأحياه ليس فرضا بل مختار من وسط خيارات أنا من صنعتها لنفسي وتكون لي حرية الاختيار من بينها، فبالتأكيد خياراتي تعزز رضائي بالنتائج، فإن فقدت نعمة القدرة على الأختيار، سأحيا حياتهم وليس حياتي، وأدخل في الدائرة لأعيش كما عاشوا وأموت كما ماتوا.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان