رئيس التحرير: عادل صبري 02:40 مساءً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

عيدهم في الزنزانة!

عيدهم في الزنزانة!

ساحة الحرية

رفيدة الصفتي

رفيدة الصفتي تكتب:

عيدهم في الزنزانة!

رفيدة الصفتي 06 يوليو 2016 14:17

بعيدًا عن ساحات العيد المجهزة للتكبيرات والصلاة، والبلالين المعبأة بالهواء أو الهيليوم التي انتشرت في أيدي الناس، والملابس الجديدة التي تشبّه صاحبها بالطاووس المختال بألوانه الزاهية، والعيديات التي تتلقفها أيدي الكبار قبل الصغار، والحلوى والأكلات الشهية التي تزكي الأنوف، وأصوات الصواريخ والألعاب النارية التي تعزف سيمفونية البهجة والفرحة، يوجد آخرون حرموا من كل هذا.. هم ساكنو الزنازين.

 

نعم حرموا من كل شيء فقد سُلبت حريتهم بين أربع جدران، في زنازين لا تزيد مساحتها 3 أمتار في مترين ونصف المتر، يقبع بها ما لا يقل عن 10 أفراد تكالبت عليهم الهموم والآلام، أيامهم متشابهة لا فرق بين عيد وغيره، روتينهم يومي لا يتغير، وأفئدتهم مرتبطة بالأمل البعيد، وأبصارهم معلقة بالباب الموصد.. فربما تأتي البشرى لأحدهم من حيث لا يحتسب.

 

في زنزانة تظل مغلقة 24 ساعة طوال أيام العيد، حفظ المحبوسون فيها تفاصيلها الدقيقة، ربما أكثر من تفاصيل منازلهم، ومن أنفسهم وما يدور في ذاكرتهم، يفترشون الأرض نومًا أو جلوسًا، يتسامرون على ضوء خافت يعكس ظلال الحزن الكامن في النفوس، وتذرف أعينهم الدمع عند نومهم، فقد تكالب عليهم الظلم، ووحشة السجن، وقسوة السجان وبطشه.

 

يحلمون بالحرية كثيرا، ويتردد في منامهم مشاهد خروجهم من السجن، أو صحبة تجمعهم مع أسرهم وعائلاتهم، أو الأفق البعيد الذي لا نهاية له في مكان مفتوح، أو قضاء العيد بين ضحكات أطفالهم وذويهم.

 

أكل الحبس من أرواحهم كثيرا، وارتسمت معالم الألم على وجوههم فضاعفت أعمارهم، لا يملكون من أمرهم شيئا، فآخرون قرروا أن يُسيروا قدرهم دون مشورتهم أو إقرار منهم، وتحت مسمى الحبس الاحتياطي والتهم الملفقة سلبوا حريتهم، وكتبوا عليهم أن الحرية لا تعني إلا الحبس، كما هو حال زوجي محمد البطاوي صحفي أخبار اليوم وعضو نقابة الصحفيين، وغيره الكثير.

 

للعيد مذاق خاص ومؤلم عن المعتقلين، فهم لا ينعمون بما يسمى "لمة" الأهل والأحباب، ولا يرتدون الملاس الملونة الجديدة، ولا يغادرون زنازينهم للتريض مثلا حتى تنعم إدارة السجن بإجازة العيد، ولا يخرجون للساحات والمساجد لصلاة العيد، ولا ينعمون بأحضان ذويهم إلا لدقائق عابرة فيما تسمى بزيارة "طبلية"، التي قد تمنعها بعض السجون أحيانا، أو يتنازل عنها الأهالي بسبب الزحام الشديد وقلة الوقت المسموح به للجلوس مع ذويهم فيها.

 

لا ينعم المعتقل بدفء أسرته مجتمعا بهم، فغير مسموح إلا بثلاثة أفراد من الدرجة الأولى، وممنوع على الأصدقاء أو الحبيبة التي لم يتوج حبها بوثيقة تثبت ذلك، أو أقارب غير الدرجة الأولى رؤيته، كما لا ينعم بالغوص في عالم القراءة في المجال المحبب له؛ لأن الكتب تُعد من المحظورات في السجون، وكثيرًا ما يتم رفض دخولها.

 

لا ينعم المحبوس بالماء البارد والمثلجات في مثل هذا الجو الحار، كما يتم منع المياه عن الزنازين حتى لا يصل الماء إليه، وفي أحايين كثيرة تمنع عنه الكهرباء، وإن أصيب بوعكة صحية أو تداعت عليه الأمراض لا يتم نقله إلى المشفى أو عمل اللازم له.. وربما يموت وتغادر الروح جسد صاحبها.

 

العيد في الزنزانة" target="_blank">العيد في الزنزانة لا يعني إلا ارتداء نفس الملابس البيضاء أو الزرقاء أو الحمراء حسب الوضع القانوني للمحبوس، والاستيقاظ مبكرًا لصلاة العيد المصحوبة ببعض الدعوات لتفريج الهم وإزاحة الكرب، والتفكير في أحوال الأسرة المقيمة في مكان بعيد، وروحها الساكنة في مكان قريب، وتناول القليل من الطعام الذي لا طعم له، والمشاركة في جلسات السمر التي حفظ روادها ما يُقال فيها عن ظهر قلب.

 

عيد الزنزانة يعني لمعان الأعين بالدموع أو البكاء بصوت غير مسموع بعيدًا عن الآخرين، وحديث النفس المشحون بأسئلة يومية مثل: "لماذا أنا؟"، أو "إلى متى سأظل هنا؟"، أو "ماذا سيحل عليّ"، أو "هل بقي لي القليل أم الكثير"، أو "هل سأبقى هنا ما بقي من عمري؟" أو "هل ستتحمل أسرتي ما أنا فيه؟".. أسئلة لا جواب لها، ولا يمل صاحبها من إعادة طرحها على نفسه مرات ومرات أخرى.

 

في السجن يتشابه ساكنو الزنازين، ويتوحد المعارضون والفرقاء بعد أن شتتهم دهاليز السياسة، وتظل الحرية الهدف الأسمى لهم جميعا.. وما ذلك على الله بعزيز.

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان