رئيس التحرير: عادل صبري 02:59 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

المجرم الغبي في اقتحام نقابة الصحفيين

المجرم الغبي في اقتحام نقابة الصحفيين

ساحة الحرية

وقفة امام نقابة الصحفيين

المجرم الغبي في اقتحام نقابة الصحفيين

كارم يحيى 02 مايو 2016 13:57

ثمة العديد من الأعمال الفكرية والأدبية تربط بين الإجرام وبين درجة ما من درجات الغباء . وهذا على عكس مايتردد عن ذكاء المجرمين . وربما كان الأدق القول بأن هناك نوعية من المجرمين والجرائم تفصح عن غباء يستوطن الذكاء ،أو بالأدق إدعاء النباهة . وكأن الذكاء الظاهر ما هو إلا قشرة تخفي تحت السطح غباءا يتغلب في الخواتيم ، ويقرر مصير النهايات. تماما مثلما تفضى مظاهر القوة الجبارة عند الطغاة وأنظمة الاستبداد الى ضعف مدمر وإنحلال مميت. وفي العديد من الحالات يبدو التناقض بين المظاهر على السطح وبين الحقائق في العمق مفاجئا .تماما كما هو الانهيار المفاجع ( خليط بين المفاجأة والفاجعة).

وهذا هو في الظن ماجرى مع الاقتحام غير المسبوق من قوات أمن السيسي لنقابة الصحفيين مساء الأحد الأول من مايو 2016 واختطاف الزميلين عمرو بدر و محمود السقا الملاحقين باتهامات جهاز أمن الدولة الغبية من قبيل نشر أخبار عن مصرية تيران وصنافير والتحريض على التظاهر . فعلى مدى اليوم وماسبقه من أيام تالية لخروج الشباب الكبير في 15 ابريل " جمعة الأرض" كانت الأمور في ظاهرها تتلخص في عبارة :"تحت السيطرة .. كله تمام يافندم ". وبدا وكأن آلة القمع المتورمة نجحت في الحيلولة دون تعبير المصريين عن غضبهم الواسع والعارم ضد جملة سياسات استبدادية فاسدة وفاشلة .وعلى كل المستويات ووصلت الى حد التفريط في أرض الوطن .لكن من تأمل المشهد كان بامكانه وبخاصة في يومي 25 ابريل و1 مايو قراءة ثلاثة مؤشرات بمثابة ملامح أزمة لافكاك منها :
ـ الأول أن هناك طوفانا من المتظاهرين المحتجين والمطالبين برحيل السيسي ونظامه من دون أن يتمكنوا من التظاهر . والحقيقة ان بحث المصريين عن الانخراط في مظاهرات رحيل الدكتاتور الجديد لم ولن يتوقف مهما حشد من قوات ومدرعات ومارس التخويف والارهاب.

ـ الثاني أن القوات والممارسات والخطاب المصادر لحق التظاهر تفصح جميعها عن حالة هلع من رياح تغيير قادم لامحالة . تغيير محمل بفرص المحاسبة والمحاكمة على جرائم في حق المواطنين والوطن والإنسانية . ولا أستثني منها ـ وأنا اليساري الناقد للاخوان والاسلاميين ـ مجازر الحرس الجمهوري ورابعة صيف 2013 وغيرهما. ولعل من مظاهر هذا الهلع الذي تلبس السيسي ونظامه هو هذا الانتشار غير المسبوق بين المدنين العزل لقوات نظاميه مقنعة أو لنقل منتقبة شاهرة السلاح . ولنتأمل في معاني ان يتقنع ويتنقب بلون الهلع الأسود ضابط مدجج بالسلاح الفتاك في مواجهة مواطن أعزل مكشوف الهوية والوجه لمجرد انه مشروع متظاهر .وتماما كما كانت عليه واقعة الشهيدة شيماء الصباغ في 25 يناير 2015 بميدان طلعت حرب.

ـ والمؤشر الثالث على بلوغ التناقض بين صلابة المظهر وبين خواء ما تحته وتداعيه هو كثرة الحماقات وتواتر تكرار حوادثها على نحو لافت . والحقيقة ان السيسي ونظامه ما ان يرتكب حماقة ويتعثر فيها على نحو من يطلق النار على قدمية حتى يسرع للتخبط في حماقة أخرى .. وهكذا .

الأول من مايو 2016 ونقابة الصحفيين ومحيطها في هذا اليوم تلخيص موجز بديع لكل ما سبق . فمنذ الصباح وحتى الإقتحام قرب التاسعة مساءا كان كل شئ يسمح لجنرال الداخلية الصغير كي يبلغ جنراله الأكبر في القصر الرئاسي ـ غير معلوم المكان ـ بعبارة : " تحت السيطرة .. كل شئ تمام ". وهكذا بدا وأن أي فرصة للتعبير السلمي مستحيلة ،حتى ولو " بوقفة حداد صامتة" امام سلالم نقابة الصحفيين في عيد العمال . كما بدا أن لا امكانية لممارسة حق الاجتماع السلمي ، حتى ولو تواضعت الى عقد مؤتمر للنقابات المستقلة ينظمه عضو المجلس القومي لحقوق الانسان المعين من الرئاسة ذاتها بعدما جرى استئجار قاعة له في نقابة الصحفيين . و لاح وكأن زمن الجنرالات يطوى يوم العمال العالمي بعاصمة مصر والعرب في الصمت والظلام والخوف . و بدا وكأن الجنرال الأكبر يحتفي بانه الزم الجميع السكوت وأنه لم يعد يسمع إلا صوته هو . وقد صدق وهم عبارته التي خطب بها في جمع من المدعوين الصامتين :" أسمعوني أنا بس ". وفي ذروة مظاهر القوة والجبروت هذه اقتحم رجاله نقابة الصحفيين واختطفوا الزميلين عمرو و محمود فكشفوا في التو عن الهشاشة والضعف والانحلال تحت السطح. وسرعان ما اضطرت جحافل قوات الجنرالين الصغير والأكبر المحاصرة للنقابة والمغلقة لشارع عبد الخالق ثروت بعدها بسويعات الى الانسحاب الى عمق ليلها وهلعها . وقد تركت المشهد ومعه واجهة نقابة الصحفيين وسلالمها لعودة الحق في التظاهر ولشعارات تصدح بحرية الصحافة والوطن وبأن تيران وصنافير مصريتان وتهاجم القمع والتفاهة عند الحكم الدموي للفساد والاستبداد .بل وتهاجم السيسي بأسمه ورسمه وصفاته .

وفي لحظة التحول هذه بين سطوة الاجرام وبين حقيقة غبائه يظهر للعيان المؤشر والملمح الرابع بعد ثلاثية يومي 25 ابريل / 1 مايو . إنه ببساطة افتقاد الادراك وغياب الوعي بالتاريخ . فلقد جرت واقعة اقتحام قوات السيسي لنقابة الصحفيين ـ وهو فعل اجرامي غير مسبوق في تاريخ مصر وربما العالم أيضا ـ على بعد ساعات من يوم الصحافة العالمي ( 3 مايو من كل عام ) . كما أرتكب السيسي ونظامه وجنراله الصغير الجريمة والنقابة لم تزل بعد كامل زينتها احتفالا بعيدها الماسي ( 75 على تأسيسها في 30 مارس 1945).وقد وضع نقيبها ومجلس ادارتها ـ في خطأ تاريخي ـ الاحتفال وديعة بين راعي لا يستحق ( جنرال لزوم السكوت نفسه). وهكذا تحول الراعي المرفوض من عديد من الصحفيين وبمنطق استقلالية النقابة عن السلطة التنفيدية وبواقع تدهور أحوال حرية الصحافة وانتهاك حقوق وسلامة الصحفيين في عهد السيسي من راعي غير مرغوب فيه لاحتفاليه نهاية مارس الى راعي للارهاب والبلطجية في اقتحام مقر النقابة بداية مايو .

وهكذا يصبح مابين مظاهرات 15 ابريل ولا مظاهرات نهار 1 مايو مرورا بيوم 25 ابريل 2016 شاهدا جديدا على تحول كبير قادم في هذا البلد . و كل ما في الأمر أننا نفاجأ بالتحول بين ذكاء المجرم وغبائه وبالانتقال من جبروت القوة الى حضيض الضعف والانهيار .وهذا لأننا لا نبصر ولا نتمعن مايجرى تحت المظاهر والسطح من تحولات وتغيرات . ولو الى حين .

ولعل واحدة من ابرز مفارقات الإجرام الغبي عند نقابة الصحفيين يوم الأول من مايو هو انه حيث بدا وكأن المجال العام يجرى اغلاقه ومصادرته باحكام هنا في هذه اللحظة سرعان ما يتضح أننا ازاء فرصة أخرى لاعادة فتح المجال العام . وأيضا هنا والآن .وربما على نحو يسرع بلحظة انهيار الطغيان .

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان