رئيس التحرير: عادل صبري 09:37 مساءً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

الحجاج: أرى ملوكا قد حان وقت قطافها

الحجاج: أرى ملوكا قد حان وقت قطافها

ساحة الحرية

محمود الشريف

الحجاج: أرى ملوكا قد حان وقت قطافها

02 مايو 2016 08:51

اعتلى المنبر فجلس واصبعه على فمه ناظراً إلى المجتمعين في المسجد، فلما ضجوا من سكوته خلع عمامته.. وقال خطبته الشهيرة ومنها "أما والله فإني لأحمل الشر بثقله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله، والله يا أهل العراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى.. يا أهل العراق، يا أهل النفاق والشقاق ومساوئ الأخلاق، إنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في مناخ الضلال، وسننتم سنن الغي، وأيم الله لألحونكم لحو العود، ولأقرعنكم قرع المروة، ولأعصبنكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، إني والله لا أحلق إلا فريت، ولا أعد إلا وفيت.. "(1)


هكذا أذاع الحجاج بن يوسف الثقفي كلماته مخاطباً الناس عندما ولاه عبد المللك بن مروان على العراق، وجاءت سياسته أشد قسوة من بلاغته فكانت قولاً وعملاً، استباح دماء الكثير من المسلمين، وفى ذلك مالا يعد و يحصى؛ واختلف المؤرخون فى سيرته بين مدح وذم، فقال فيه الذهبي : " كان ظلوماً، جباراً خبيثاً سفاكاً للدماء وكان ذا شجاعة وإقدام ومكر ودهاء، وفصاحة وبلاغة، وتعظيم للقرآن..." إلى أن قال: " فلا نسبهُ ولا نحبه، بل نبغضه في الله، فإن ذلك من أوثق عرى الايمان، وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبهِ، وأمره إلى الله وله توحيد في الجٌملة، ونظراء من ظلمة الجبابرة الأمراء"(2).


حكم العراق لعشرين عاماً إلى أن مات بعد فرض سيطرته على الجزيرة العربية واليمن والبحرين والحجاز حتى خرسان، وترك وصيته وفيها قال" بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف: أوصى بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث.. الخ "(3)؛ كانت تلك سياسته والاراء فيها، وبهذه السياسة ترك الحجاج ميراثا كبيرا من الفتوحات، وحفظ أركان الدولة قامعا كل الفتن، ومجهض كل الثوراث ضدده، وكان عصره محفوف بالفتن والقلاقل، فكان يسرف في قتل الخارجين على الدولة، وعلى الاختلاف على هذه السياسة لكنها أدت إلى استقرار وأمن (مزعومين) في مناطق العصيان والثورات لصالح الأنظمة والملوك التي عجز الولاة من قبله عن التعامل معها، بعد أن كادت تذهب دولتهم وتنهار من كثرة فسادها.


ذهب هذا العراق والحجاج وانتهى زمن الفتوحات واندثرت أحكام قطع الرقاب وجلد الظهر بالسياط وأخذ البيعة وإعتلاء الحكام المنابر، وبقى عراكا وشقاقا ونفاقا وفُرض علينا التضحية بالحريات والحقوق الفردية لصالح السلطان ونفس الاستقرار المزعوم، الجديد فى الأمر أن منصب الحجاج أكبر من أن يملأه فرد، فتقاسمت الأدوار ليتكون حجاجاً جديداً، حيث تفرغ رجال الدين لاعتلاء المنابر والفتوى بوجوب طاعة السلطان وتحرييم الخروج عليه، وليخترع قائد عسكره  خوارج أو مارقين يطلق عليهم اسماء جديدة كـ( إرهابيون ، منشقون ، شماليون ،غربيون ، جهاديون) ليداعب بها مشاعر العوام من الناس، ويشغلهم بالتفاهات بأعداء وهميين يحاربهم ويعلوا من شأن حاكمه ويصنع انتصارات وهمية، في حين يتفرغ أحد أخر ليكون الخطاب الطليق والمفوه البليغ، فيستخدم رنين الكلمات ويجهد معانى الألفاظ ويستنطق مافيها وما ليس فيها، فيجد للحق طريقا للإبطال، ويصنع للباطل طريقا للإقرار فتضيع الحقوق فى بحر من الأباطيل،كاتباً أفضل الكلامات والخطابات والبيانات مالئاً بها الأرض والسماء، تمجد اسم السلطان وتسبح بحكمتة.


والجميع يشترك فى العمل من أجل تثبيت نظام الدولة و استمرار حكامها، بغض النظر عن فسادها أو فجورها، فغايتهم ومسعاهم أن يبرهنوا للحاكم بأنهم على شاكلته وأنصاره وركائز عرشه وسلطانه، فيأمنهم ويأمنوه ويشاركهم ويشاركونه، ليحتكروا الوطن والوطنية، فمن يختلف معهم يُرى خائناً، ومن يخرج على حكمهم الظالم يكون خارجا على الوطن، هكذا يُصنع المستبد،  ومن ثم يبدأ فى صناعة ولاء شعبه عبر سيطرته على الإعلام والتعليم والخطاب الديني والأخلاقي ، فيستحلفهم على الإنقياد والطاعة العمياء بعد أن تغلغل الإتكال والخنوع فى النفوس،  فلا رأي سوى ما يرى و يرتاء، ولا يبقى أمامه غير حفنة من المفكرين والمبدعين الذي يحفظهم احترامهم لذواتهم من التزلف له والهتاف باسمه، فيلاحقهم ويشوه سمعتهم ويتهمهم بالعمالة والخيانة، فيشغلهم بالدفاع عن أنفسهم، ويزيد التضييق عليهم، فتهاجر العقول الناضجة وتهرب الأيادي الماهرة، فيجرف المجتمع من كل إمكانياته، ويتلحف الحاكم بمجموعة من الجهال والفشلة ينثرون أفكارهم الأكثر جهلا على البلاد والعباد، ويبقي للعوام من الناس العجز وقلة الحيلة، بعدما أرهقتهم الضرائب وارتفاع الأسعار، ويصبح جُل أهتمامهم المأكل والمشرب، فلا يأبه أحد للحرية، بل يروها رفاهية غير مطلوبة فتٌقدَم لقمة العيش على الكرامة، حتى وإن كان يأكلها بذل وخنوع !


فكما قال الكوكبي: "إن الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مطيع، والمُشتكي المُتظلم مُفسِد، والنبيه المُدقق مُلحد، والخامل المسكين صالح، ويُصبح -كذلك- النُّصْح فضولاً، والغيرة عداوة، و الشهامة عتوّا، والحميّة حماقة، والرحمة مرضاً، كما يعتبر أن النفاق سياسة، والتحايل كياسة، والدناءة لُطْفٌ، والنذالة دماثة "(4)


لينتقل المستبد لمرحلة جديدة يكون فيه أقرب للإله منه للبشر، فله الحمد أن ترك وله الحق إن أخذ، وفي هذه البيئة الفاسدة يتكاثر المنافقون من الأتباع ، فلا حقوق اخذت ولا عدالة وضعت ، فالمشكلة لم تعد ترتبط بفرد الحاكم فتزول بزواله وينصلح الحال بقدر ما هو حال المجتمع الذي تنازل عن التقويم والمسؤلية المجتمعية، وإهمل قيمة العلم والعدل، و إني لا أرى سبيلاً للخروج من هذا إلا الدفع والتدافع في اتجاه التنوير العلمي والتربية السليمة، وكذلك المسئولية المجتمعية في دفع الظلم وتحقيق العدالة والمساواة التي انصرف الناس عنها دون مقاومة فأصبحوا وقودًا للظلم والجهل يقتات عليهم المستبدون والطغاة، وأصبحنا نُستهلك في معارك جانبية وإيهامية بعيدًا عن معركتنا الأساسية، فإن مات الحجاج فقد أحيينا بضعفنا في عقول حكامنا ألف حجاجا.

 -----

مراجع

(1) ابن عبد ربه. العقد الفريد. ووردت الخطبة، بمضمونها، وباختلافات يسيرة في النص في مراجع كثيرة.


(2) الذهبي ، " السير " (4/344).


(3) ابن عساكر ، تهذيب تاريخ دمشق (4/68) .


(4) عبدالرحمن الكواكبي ،  طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد


مراجع أخرى

البداية والنهاية – ابن كثير


مروج الذهب – المسعودي


تاريخ الخلفاء – السيوطي


العقد الفريد – ابن عبد ربه


طبائع الاستبداد ومصارع الاسعباد


دائرة المعارف الإسلامية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان