رئيس التحرير: عادل صبري 02:20 مساءً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية
سيدة القصر

ساحة الحرية

طارق المهدوي

سيدة القصر

طارق المهدوي 22 أبريل 2016 09:26

كلما ترددت دعوات التخلص من الثوار المصريين المخضرمين على ألسنة أبنائهم المبتدئين تعاودني تفاصيل إحدى الحكايات التي جرت أمامي بقصر لالا سميحة سراج الدين، أثناء عملي الدبلوماسي كمستشار إعلامي في السفارة المصرية بالسودان خلال النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين، فبعد أن طالت إقامتي في فندق هيلتون الخرطوم إلى عدة شهور على أمل استجابة رئاسة الجمهورية المصرية لطلب نقلي وفق جدول التوزيع الجغرافي للدبلوماسيين الذي يمنع نظرياً تكرار الإلحاق بمناطق التوتر كما حدث معي، رفضت الرئاسة طلبي استناداً لما تعوله على استمرار عملي في السودان من توقعات بعوائد معلوماتية تفيد الوطن كله حسبما تم إبلاغي رسمياً آنذاك، لاسيما وأن أعمالي السابقة في مناطق التوتر الأخرى كألمانيا الشرقية وجنوب إيطاليا وغيرها كانت شبه دبلوماسية لا تخضع إلى الجدول المذكور كما قالوا، فانتقلتُ للإقامة بقصر منيف يجاور نهر النيل سبق أن شيده التاجر الثري سلطان سراج الدين الوافد قبل عقود من مدينة بورسودان عن أصول ترجع إلى آسيا الوسطى، ثم توفى تاركاً القصر مع ثلاثة أبناء وابنة واحدة دأب السودانيون على تسميتها "لالا سميحة" أي الأستاذة سميحة بإحدى لغات آسيا الوسطى، وإزاء سوء إدارة الاقتصاد السوداني من قبل نظام الحكم العسكري الإخواني المشترك تدهورت الأحوال المالية لأبناء سراج الدين فهاجروا إلى إحدى بلدان العالم الجديد تاركين شقيقتهم بعد توكيلها لبيع القصر واللحاق بهم، ولكن نظراً لعدم وجود سيولة مالية في السوق السوداني تغطي ثمنه الكبير فقد قررت سميحة استثمار القصر تجارياً بتقسيمه إلى نصفين خصصت أحدهما لإقامتها مع أسرتها وفرشت الآخر فرشاً راقياً يليق بسكانه من الدبلوماسيين الأجانب، بعد تقسيم هذا النصف أيضاً إلى نصفين مساحة كل منهما 500 متراً مربعاً أحدهما أرضي يتوسط حديقة القصر والآخر علوي يكتفي بإطلالة فوقية على الحديقة ذات الألف متر مربع والتي تأوي عدة مجموعات من الحيوانات الملتفة حول لالا سميحة كأبنائها!!.

(2)

في يوم إقامتي الأول باعتباري مستأجر ربع القصر الأرضي الذي يتوسط الحديقة أزعجتني جداً سوء حالة أحد الأعضاء المنتمين إلى إحدى المجموعات الحيوانية المقيمة على أرض الحديقة، وهو كلب أسود عجوز مقطوع الذيل والأذن اليمنى ومفقوء العين اليسرى ومكسور الساق مع انتشار آثار غائرة لجراح دموية قديمة عديدة فوق كل أجزاء جسده وكان السودانيون يسمونه "أدهم الدادابان" أي القائد أدهم بإحدى لغات آسيا الوسطى، فطلبتُ من سميحة أن تنقذه من العذاب الذي أراه يعانيه عبر قتله قتلاً رحيماً فنصحتني بالتريث حتى أرى مدى أهميته لدى جميع سكان القصر من بشر وحيوانات معاً، وهو ما أثبتته لي الأيام التالية حيث ساعدته المواهب الغريزية في الشعور المبكر بالخطر قبل وقوعه مع تنبيه ضحاياه المحتملين أو عند وقوع الخطر مع تدخله الفوري واستنفار الآخرين من أجل إنقاذ الضحايا، كما ساعدته المهارات المعرفية على تمييز النوايا الحقيقية للوافدين إلى القصر سواء كانوا أصدقاء أو أعداء أو محايدين والتعامل مع كل وافد منهم حسب نواياه الحقيقية، بينما ساعدته الخبرات القتالية على مصارعة أشرار البشر والكواسر والجوارح والزواحف رغم أن ذلك قد سبب له الإصابات والإعاقات العديدة التي سبق أن أزعجتني في يوم إقامتي الأول، ولما كانت كل واحدة من إصاباته وإعاقاته ارتبطت بإنقاذ أو مساعدة أحد البشر أو الحيوانات ساكني القصر فقد أصبحوا جميعاً يشعرون حياله بالامتنان، وفي حين ترجم البشر مشاعرهم نحوه بالمواظبة على مداواته وعلاجه وتنظيفه ومداعبته فقد ترجمت الحيوانات مشاعرها نحوه عبر احترام بالغ تجلى في عدة سلوكيات، شملت ضمن ما شملته إفساح المكان الذي يختاره لرقود جسده وترك أولوية الأكل والشرب له حتى يشبع ويرتوي حتى آكلات العشب كانت تنتظره ليتشمم أكلها قبل أن يقرر زهده فيه، أما إناث الكلاب الصغيرات البالغات فكانت لا تسمح للذكور الصغار باعتلائها قبله أملاً في الحصول على جراء تشبهه من حيث المواهب والمهارات والخبرات، وهو ما حدث أخيراً بمجيء ابن له أسماه السودانيون "تاكسي الغرام" بلغة الأغاني المصرية استناداً إلى تطابق بشرته الصفراء مع لون سيارات أجرة الخرطوم وتكرار ملاحقاته لإناث الكلاب منذ صغره، وسرعان ما كشفت بعض العلامات السلوكية أن الابن "تاكسي الغرام" قد ورث المواهب والمهارات والخبرات عن أبيه "أدهم الدادابان" الذي تأكد من ذلك بنفسه فغادر القصر مطمأناً دون عودة!!.

عواد باع أرضه

جوليو ريجيني...شيوعي آخر يدشن نضاله بمصرعه

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان