رئيس التحرير: عادل صبري 04:46 مساءً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية
لمسة من رحيل!

ساحة الحرية

محمد ثابت

لمسة من رحيل!

محمد ثابت 19 أبريل 2016 11:06

على أشواك الطريق ألتقينا، لم يكن لقاء مفاجئنا، ولم يك الرونق فيه خالباً للعقول، بل كنا منذ سنوات تمثل ارهاصات التكوين، منذ تاريخ عنوان التعرف إلى الذات، مروراً بتلك النظرة المُنكسرة في العينين، البريق المُطفأ أننا لسنا كما ينبغي، حين تنام الشوارع والبيوت في "بيروت" و"بني غازي"، "الوادي الجديد" و"مكناس"، "المنطقة الشرقية" و"أم درمان".

رأيتُ لك صورة وأنت في سنيّ الصبا تتعثر، فرأيتُ لحبيبي ورفيق دربي نكهة أخرى، بعيداً عن نظرة لا تخلو من خبث، وبريق حاد آخاذ يخدع العابر، فيظن أن لديه ملجئاً للمسرعين على الطرقات، تلتقط أنفاسها "الشاحنات" تتوقف الطرق البرية في أنحاء قلب المعمورة، هاهنا "زاد وزواد" مّنْ ذا الذي يرفض؟

نظرة تلك العينين الحائرتين المُبتئستين تقولان ما لا تخفيان، صديقي كان في "ميعة" الربيع الأولى، ملابسه القرنفلية، رائحة الطين في هلّته وطلّته تقول بإنه بسيط، بعيد عن أسباب الحياة، ليس له من مكر اليوم، ولؤم غاياته، وحساباته البنكية شىء، صديقي تقول الصورة التي لم أتعمد رؤيتها ولا الاحتفاظ بها إنني كنتُ على حق لما أدنيتُه مني، لا كما ظللتُ سنين ألوم نفسي لإنني أحسنتُ الظن به وفيه!

على الطريق السريع بين الإغراق في الصعيد والإبحار نحو القاهرة، أكثر من مرة منذ ثلاثين عاماً ألتقيتُه، كان الظلام ما يزال يَلفُ الطريق، ودعاوى عدم السيطرة تشعرك بأنك لست في "المنيا" بل إنك فوق ظهر جواد سابح بعيداً عن العمران تتوغل في التيّه، أيامها كان المتطلع إلى "لقمة هنيئة" بعيداً عن المدينة الجامعية تناله يد الاقصاء لساعات وربما أسابيع، الجميع دون تفرقة أو تمييز كانت تنالهم يد سوداء واحدة.

أيام كان محبوساً على الطريق، الأهل بعيدون وإن كان بينه وبينه مئات الكيلو مترات، ولا يستطيع أن ينال من الهناء مجرد رفاهية النظر في كتابـ،، تلاحقه عيون العبث، وجهاز التلفاز الوحيد في "المدينة الجامعية"، التي كانت مستشفاً عاماً، تمت مصادرته.

حينها كان مع الشاحنات من المشاحنات يهرب، في العام الثاني كما الثالث كان يُغفل في الطريق إلى المتاهة، وهو يظن نفسه يجدك رويداً فرويداُ.

هناك تاهت منه الخواطر عن تصديق إنه طالب بنفس الكلية والجامعة، ارتقى الخيال به إلى الأمنيات، هناءات الصباح، دعوات المساء، حين كان يتم قطع الطريق من قبل المُلكفين بحمايته، كان يجدك، أيا جدار الروح، هناك.

النظرة البسيطة المشرئبة إلى الغد، لم تكن حتى ذلك الحين قد تلوثتْ بحب المال، ولم يكن يعرفك، هل تصدق إنه خسر وصال الزميلات لأجلك أنت، فيما أنت على جسر اللقاء لم تمر بعد، كم من واحدة ظنتْ "وهدة" لديهن وكان يعرف أن ما لديه من آلام تفوق بمراحل ما يردن الشكوى منه إليه، في هذا الطريق كانت بائعة عجوز أمام مجمع كليات الزراعة ومدنها، كان يشتري عال الكلام منها بجنيهات قليلة، قالت له:

ـ لا تمل من الطريق لك قلب عليه متى أتى أوانه ألتقيته، ما لدي من سلع الشعور أعرف إنه إليك لن يكون الأنسب، فأترك للأيام فرصة الاختيار لك!

كان يود القول لها:

ـ رضيتُ بما لديك لكن أخذته سنّة من صمت!

في مرات تالية قال له أساتذة:

ـ لن يكفيك قلب واحد، أيا رفيق درب أسئلة البشرية الشائكة، ولن تقود قدماك إلى طريق العالم البديل الذي نعرفه، سكفيك هدؤك شر المجداف المفقود من لوحة الكون!

قال على النداوة من القلب:

ـ هوهنا موجود، ليس بالمفقود!

ـ إيمانك يا صغيري يحميك من مجرد التصديق باللحظة الحائرة!

ما كان ربه ليضيع جهده هباء، عشرات الآلاف من الأسئلة تاه بها في "بين السرايات" مع صنو الروح من الأصدقاء، قبل أن يزهر زهر القلب الأخضر حقيقي الأصدقاء، كان الصديق قبل أن تزهر الروح أصدقاء، كما كنت الأمنية قبل أن يعرف القلب الأمنيات.

كان يتخيلك زهرة الصبار التي في قلبه لكن برونق الصباحات، وندى أشجار التوت، وفانليليا التفاح، ولمعان مهذب الشروق، إن غضبتْ حل الغروب بملابسه اللينة وانسحابه المتمهل، وإن رضيتْ جاءت شمس الربيع بأجمل ما فيها:أنت!

لم يكن قد عرف الحياة ولا خبر الثورات ولا اقترب، يا رفيق، منك.

وبعد حين من صدماته المتتالية في "حقيقي تكوينك" أجرى اتفاقات عدة مع نفسه، فارتضتْ باستبعادك، ذاك أنك لم تكن أنت، وأن منتظرك منذ المنيا لم يزل ينتظر، وإن خير صورة لك لم تأت وربما لم تفعل، أو ليست تلك أمنيات أستاذ الجامعة التي أضناه إسقاطها على الواقع!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان