رئيس التحرير: عادل صبري 11:51 صباحاً | الخميس 22 أغسطس 2019 م | 20 ذو الحجة 1440 هـ | الـقـاهـره °
صديق عاد 4..!

ساحة الحرية

محمد ثابت

صديق "عاد 4"..!

محمد ثابت 07 أبريل 2016 11:15

"أصدقاء هذه المرحلة بالغو القرب والاغتراب في وقت واحد، إنهم بناء في الغربة يشبه السير على الماء .. وعدم الغرق ..إنهم صورة مقلوبة للحياة.. قبل ان يصف أحدهم أو جلهم يعترف بأن لهم الله"!

في الأمسيات لما يجلس طويلاً يحدق في الذكريات، يستبعد القراءات المتعجلة للواقع، ويتأنى قبل الخروج من معزله، لا يكتم الله ثم نفسه أمراً واضحاً: فجيعته في أصدقائه هاهنا ليس لها حدود، كانت الغربة لديه في الخليج من قبل إنهم يستشعرون إن لا أحد يعرفهم.. وكما اعتاد المصريون فإنهم "يبدعون" في حال انعدام "الرقيب"، لكنهم هؤلاء غالباً كانوا في مقتبل العمر، فإن كانوا أكبر سناً فإن لهفتهم على المال لم تكن تحدها حدود..!

أما غربة هذه المرة فنادرة: أولئك المهزمون في معركة الحياة موجودون بقسوة، مختلطون بغالبية ترى إن عليها أن تضيع الخالق هنا وهناك، ولكن انفلاتاً غير محدود من أمثلة مهما كانت ندرتها لدرس ينبغي أن يُعلمَ للأجيال، وقت الرخاء أولئك الذين يتكاثرون على موائد طعام الحكم والسلطة والبريق .. مع إنهم هم أنفسهم حينما يتخذون من القرارت ما لا يرضى عنه عقل فضلاً عن شرع أو دين، ثم إنك لتجدهم من بعد في الطرقات مذبذين .. مشتتين .. ممزقين .. فلا تملك إلا الانحياز للإنسان، ولا تستطيع إلا مقابلة "نفسك" فيهم، تترك ورائك "مكتسبات" حياتك الشخصية، تلك التي اعانك ربك فيها، وترفض أن ترى الدماء تسيل فيما أنت متخذ موقفاً حيادياً، وهل حيادي المواقف يليق في هذه المواقف إلا بالشياطين؟!

حتى إذا انقشع الغبار، وتوفى الله مَنْ اختارهم إلى جاوره من أفضل البشر، وحكم بالمرض العضال على الذين اختارهم بفضله وعنايته، وتم اغتراب بالأسر الذين أراده إلى حين طال أم قصر، رأيت المجموع يعود من جديد إلى ما كان عليه بصورة أشد سوءاً، اما إنهم مجموع فذلك بحكم المفارق للحياة منذ أيام لما يسد مجرى النهر، يبقى الأخير بخير .. وتبقى فئة ضالة تسىء إليها!

في قلب الوحدة ولونها الرمادي، ال"بين .. بين"، إذ تهرب من أسود سوء الفهم .. وأبيض لقاء البشر تظل في الوحدة تراجع الماضي وخطواته والغد والمخرج ..

"1"

كان صديقاً عرفه في لحظات الانتباه، للوهلة الأولى اعتز فيه باليقظة الدائبة دفن العمر المتقدم منه، وراى قليل الكلمات وطيّب اللفتات فازداد تمسكاً بأفقه، ومرة بعد أخرى إذ كانا في بلبلة المصيبة في نسختها الاولى، نسخة النعمى واليسر، وإقبال السلطة، والتوهم بأن حكم مصر دنا من الرؤوس، وحيناً بعد آخر أدمن لقاءه، ولما قامت الفاجعة اعترف إليه بإن شذىً من راحل عنه لم يكن كأي شىء .. ولا مثله لديه أحد، فقط لإنه كان أباً لا أكثر، من بعده كم تاه في الطرقات والدروب، ولم يحل له طريق العودة، إذ أخذه التيّه حتى بعيد، ومرض بمرض التغيير وأبجدياته .. ولم يكن ليعرف إن حب التغيير ضياع في نفسه، إذ إن هذه الطرقات موغلة في الضياع من عند سيدنا موسى، وإلا فسل عن يوسف عليه السلام ونسوة في المدينة .. وكأنك لتشعر بأن كل المدينة صارت نسوة، وإنه ما في المدينة إلا النسوة .. وما يحكمها إلا هن ..؟!

"2"

يعرف إن صديقه بمنزلة الأب منه، وإن صديقه مضحٍ في سبيل مبدئه، ولكنه لم يكن يعرف إن أصدقاء مشتركين بمثل هذا الكم من الحماقة، وكان أن قادت الغربة خطواتهما إلى صاحب تاريخ يدعي إنه نضالي فيما هو يتاجر بكرامته وشرفه، وكم من مدعٍ للبطولة تتنكر منه الحياة، ويتمنى الحياد لو إنه ألتزم به، وتمادى الأخير، وتاه منه العقل والتفكير فزج بنفسه في معركة من الأكاذيب تعمد خلالها إفناء ما بينهما..!

"3"

مرات بلغ اليأس به مبلغاً وتعجب من كذب مُصدق حتى لديه، وتاهت نفسه في تواريخ النضال لما ترتبط بكذبة آفاقين، ولولا إنه تمسك بمقولة قديمة تقول إننا لا نلقى سيئي النفوس لإن الناس كلها كذلك بل لإنها أقدارنا التي قادتنا إليهم، وعما قريب تقودنا إلى غيرهم .. لولا إنه لاذ إلى العقل الممزوج بالعاطفة، والعاطفة الممزوجة بالعقل لما آفاق منها، إن الرجل ممثل كبير ونصب عينيه زهرة حياة معنوية يريد القضاء عليها ..

واستلزم الامر حتى يفيق الصديق من رقاد فكره ليحكم بحق قرابة العام .. زاد فيه وأكثر، ولم يقصر صاحبنا في ردة الفعل حتى إنه طلب منه مراراً أن يفارقه .. لما رآه يردد من القول ما لا ينبغي خلف رجل نسي الكرامة .. وإنه إن خالف صادق القائع لا ينبغي أن يحترم نفسه واللحظة التي تقطر دماً، وإن خيراً يريده لنفسه الآن في نظير خراب حياة آناس لم يقدموا إليه إلا الخير .. فلبئس ما يريد ..!

"4"

حتى إذا انقشع السحاب وزال لونه الرمادي، وهطلت بقسوة الأمطار ثم السيول جاء الصديق عارضاً وطالباً المساعدة عارضاً الدفء من وصاله، وما كان دفئه إلا تحمل هموم حياة صديقه الجديدة!

فلنعم الصديق إن صدق المسير من جديد، فإن أبواباً نغلقها دون آفاقين لا يحسن بنا إلا فتحها أمام آخرين، وإن دامت بينهما صلة، فإن تلك القرى لم يهلكها الله ويجعل لمهلكها موعداً إلا لما ظلمت، وكان من ظلمها أخذ العاطل بالباطل .. وإن كانا صديقين ..!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان