رئيس التحرير: عادل صبري 03:54 صباحاً | الأحد 19 أغسطس 2018 م | 07 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

تحويل القبلة.. دروس مستفادة

تحويل القبلة.. دروس مستفادة

خواطر قرآنية

ليلة النصف من شعبان

تحويل القبلة.. دروس مستفادة

إبراهيم الضوي 01 يونيو 2015 14:55

شهر شعبان يحفل بالذكريات والأحداث الجليلة في تاريخنا الإسلامي فما تتجدد زيارته لنا كل عام إلا وتذكرنا تلك الأحداث والذكريات بواقعة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة... آيات في سورة البقرة تبين ذلك الحدث الجليل وتوابعه على المؤمنين وعلى أعدائهم من اليهود، وتهكم السفهاء من الناس على المؤمنين... آيات حافلة بالعبر والدروس المستفادة.. نحاول استلهام بعضها في النقاط التالية..

 

حب الأوطان.. فطرة يقرها الإسلام

جُبِلَت النفوس على طِباع وغرائز كادت تكون قاسمًا مشتركًا بين الإنسانية بأسرها، ولا ينصرف عن هذه الطِّباع إلا من انحرفت فطرته، ومالت سليقته، وأصبح شريد المقام، مخالفا للقواعد والأصول، مناقضا للثوابت والأعراف، مصادما لما اجتمعت عليه نفوس بني جِلْدَته... ومن استشعرت نفسه خلاف ما استشعر جموع الناس، فليراجع بنيان آدميته، فإنه لا محالة معطوب أو مقلوب..


من هذه الطباع حب الوطن... وشواهد هذه الفطرة السليمة في واقعنا حاضرة في ماضيه وحاضره؛ فهذه الأعرابية ميسون بنت بحدل لا يروق لها وطنا نقلت إليه مع فيه من ترف ودعة، ويحوطها الحشم والخدم ينتظرون أمرها ونهيها، ولكنها تأبى ذلك كله وتحن إلى خيمتها، وكِسرة الخبز، والملبس الخشن، ونباح كلاب البادية؛

لــبــيــت تــخــفــق الأرواح فـــيـــه  *** أحـــب إلـــيّ مـــن قـصــر مـنـيــف

ولــبــس عــبــاءة وتــقــرّ عـيــنــي *** أحـب إلــيّ مــن لـبـس الشـفـوف

وأكـل كسـيـرة فــي كـسـر بيـتـي *** أحــب إلـــيّ مـــن أكـــل الـرغـيـف

وأصـــــوات الــريـــاح بــكـــل فـــــج *** أحـــب إلـــى مـــن نـقــر الـدفــوف

وكـلــب يـنـبــح الــطــراق دونــــي *** أحـــب إلــــي مــــن قــــط ألــيــف

وخــرق مــن بـنـي عـمـي نـحـيـف *** أحـــب إلـــي مـــن عـلــج عـنــوف

خشونة عيشتي في البدو أشهى ***  إلـي نفسـي مـن العيـش الطريـف

فـمـا أبـغـي ســوى وطـنـي بـديـلا *** ومــا أبـهــاه مـــن وطـــن شـريــف

 

والإسلام يقر هذه النزعة الإنسانية؛ ويظهر حرقة وألم ترك الأوطان وصعوبته على النفس؛ قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ}، تأمل ذلك التجاور اللفظي بين القتل وترك الديار!


وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من مكة وآخر كلامه فيها : «وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَاللهِ لَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» [أخرجه ابن ماجه]. وظل صلى الله عليه وسلم بعد خرجه منها يقلب وجهه في السماء يود لو أن الله صرف قبلته من بيت المقدس إلى مكة حيث بيت الله الحرام... لوعد الله لنبيه بقوله سبحانه {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} أنزل الله تعالى قوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}...


وبعد ثماني سنوات يعود رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وطنه فاتحا منتصرا، مع أصحابه الذين هُجِّروا وأخرجوا من ديارهم ووطنهم... يكسو الذين ظلموا الخزي والوجل فيرفعون شعار : «أخ كريم وابن أخ كريم» وينتاب الصحابة ما ينتاب المظلوم من دعاوى الثأر والانتقام، فيرفعون شعار «اليوم يوم الملحمة».. فيقف من أرسله الله رحمة للعالمين بين الفريقين ويرفع شعارين: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، و«اليوم يوم المرحمة»....


فليهنأ أهل مكة بالمرحمة التي لم تكن فيهم لولا حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تأليف القلوب... وليحذر كل ظالم أخرج مسلما من وطنه وسلب ماله وأهلك أهله فليحذر من عودة المظلوم منتصرا.. ولكنها قد تكون عودة ليس بين يديها حكيم...

 

المسجد الأقصى... قدسية أولى القبلتين

ليس في الشريعة زيادات وحشو، فما أمر الله بأمرٍ إلا لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها ولا نهى عن نهي إلا لحكمة، وما شرع شيئا ثم نسخه إلا لحكمة؛ فالمسجد الأقصى كان قبلة للمسلمين ثم أصبح قبلة سابقة للمسلمين ولُقّب بأولى القبلتين ليستشعر المسلمون قدسية وعظمة الأقصى، ويكون له في قلوبهم مكانة فهو مسرى رسول الله وهو الأرض المباركة {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} وثالث ثلاثة لا يشد الرحال إلا إليها، وهي أرض المحشر، والصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه من المساجد، ودخلها الفاروق مكبرا، ودخلها صلاح الدين محررا....


فضائل تُطْبَع في قلوب المسلمين بالوحي تارة وبالدماء تارات أخرى... القدس بوصلة عز المسلمين واستكانتهم، أمارة فرحهم وحزنهم.. لا يشهد التاريخ فرحا للمسلمين كفرحهم يوم يكون الأقصى في أيديهم فهذا جبل المكبر يشهد على تكبير عمر بن الخطاب عند رؤيته للأقصى، وهذا منبر صلاح الدين يشهد على فرحة المسلمين يوم فتحه...


كذلك لا يشهد التاريخ حزنا وكآبة للمسلمين كحزنهم أوقات ضياع الأقصى من أيديهم، وفتش الآن في قلب كل مسلم تجد ثلمة وأسى وبكاء على حال أقصاهم.. لعلمهم أن ضياعه في رقابهم كل على قدر حمله وحجمه؛ فقد أعذر السلطان عبد الحميد الثاني آخر سلاطين الدولة العثمانية حين قال: «لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوما فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن»... أما من جاء بعده من ذوي السلطان، حتى يومنا هذا، فلم يعذروا فيما آل إليه الأقصى.. وليتهم سكتوا لكن تراهم يوالون آسريه متغافلين عن قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}...

 

الوحدة والاتحاد

تتجه قلوب المسلمين جميعا نحو قبلة واحدة في مظهر وحدوي مهيب، لتكتمل لأمة الإسلام عوامل الوحدة؛ فهي أمة إلهها واحد ونبيها واحد وعقيدتها واحدة وقبلتها واحدة، {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} ، القوة عند الأمم تكمن في وحدتها واعتصامها بحبل واحد وهي أمتنا الإسلامية تتلى عليها آيات لو كانت في جدول أعمالها لأصبحت- كما كانت- في طليعة الأمم في شتى مناحي الحياة؛ {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}.. والمسلمون كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»..


لو استلهم المسلمون هذه المعاني لما رأينا هذه التشرذم والشتات الذي تعيشه بلاد المسلمين، شتاتا يجعل كل شفوق عليها يقول:

وأصبح لا يُرَى في الركب قومي *** وقد عاشوا أئمته سنينا

وآلمني و آلم كــل حـــر  *** سؤال الدهر أين المسلمونا ؟

 

ثقة المسلمين في دينهم... لا يزحزحها سفهاء

أمة الإسلام أمة أعطاها الله لواء الخيرية.. فهي خير أمة أخرجت لناس.. أمة تشهد على من سبقها من الأمم.. أمة متفردة في قبلتها.. أمة تُتْبَع ولا تتبِع.. أمة تقود ولا تقاد.. أمة تعلو ولا يعلى عليها.. ذلك كله ليس من انطلاقات عصبية أو قبلية ولكنها منح ربانية ترتفع بها معنويات المسلمين، وتزاد بها ثقتهم في شريعتهم الغراء، ومنهجهم القويم، فلا يضرهم مقالات السفهاء وادعاءات الحاقدين، ولا تحليلات الناقمين، أمة نجاها الله من مصير المغضوب عليهم والضالين...


سفهاء... تموت أجسادهم وتبقى كلماتهم على مر العصور.. في نفسيات المؤمنين تنهش وتجور، {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ}، ما أجلسهم، ما أقعدهم، ما أذهبهم، ما جاء بهم، ماذا يقولون، وفيما يجتهدون، ولم يتعبون.. شغلتهم أحوال الناس عن أحوالهم، وهفوات الخلق عن جناياتهم...


المسلمون لا يبالون بالعواء فقافلتهم رغم النباح تسير.. ونهجهم رغم الفتن والجراح لا يبرح الطريقَ المستقيم.. فيا أيها السفهاء أتعبوا حناجركم وسلوا خناجركم.. فصاحب الحق لا تلين له قناة، والواثق بوعد الله لن يبلغ الأقزام سماه.. أجهدتم أنفسكم في الدنيا وظلمتموها في الآخرة...

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان