رئيس التحرير: عادل صبري 02:29 مساءً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

الشيخ أحمد حسن الباقوري يكتب: ذكريات عن رمضان

الشيخ أحمد حسن الباقوري يكتب: ذكريات عن رمضان

برقية رمضانية

الشيخ أحمد حسن الباقوري

الشيخ أحمد حسن الباقوري يكتب: ذكريات عن رمضان

13 يوليو 2014 11:40

حضرت إلي القاهرة حوالي سنة ١٩٢٩ من معهد أسيوط، والتحقت بقسم الدراسات العليا في الأزهر الشريف، وقد رأى المرحوم الشيخ المراغي، شيخ الأزهر، يوم ذاك أن تستمر الدراسة في الأزهر خلال شهر رمضان، وكانت العادة التي درجنا عليها طوال حياتنا الدراسية في الأزهر أن نترك الدرس في هذا الشهر فكان انفصالنا عن هذه العادة التي اعتدناها شيئا ثقيلا علي النفوس.

ومما ضاعف هذا الثقل في نفسي حتي خرج به إلي حدود القسوة، موت جدتي لوالدي رحمها الله في رمضان هذا أو قبيل رمضان بقليل، ولم يكن موتها في ذاته هو الذي ضاعف الشعور في نفسي بقسوة رمضان، وإنما ما صاحب موتها وترتب عليه هو الذي جعل ذلك الرمضان قاسيا حتي لا أكاد أحس قسوته اليوم بعد مضي ما يقارب أعواما ثلاثين.

فقد كان والدي رحمه الله قد عودني أن يبعث إلي مطلع كل شهر بمقدار من المال، وتصادف أن وافق مطلع الشهر موت جدتي، فشغلته شواغل هذا الموت من التفكير في أمري، والعناية بشأني وأقبل السحور.. سحور أول ليلة من رمضان، كما يقبل الضيف علي أهل بيت معهم شعور صارخ بالكرامة، وليس معهم قل ولا كثر من طعام، فهم بين أن يستقبلوه، ولا وسيلة لهم إلي استقباله، وبين أن يردوه ولا شرف لهم في رده.

وأياً ما فعلوا فهم من ذلك الأمر في أمر، ومن ذلك الطارق في هم مقيم مقعد، وكذلك كنت أنا في تلك الليلة لم يكن معي شيء ولم يكن لي صاحب فأنا حديث عهد بالقاهرة، ولو قد كان لي صاحب لوجدت نفسي ضيقة به نافرة من الذهاب إليه، فإن الشعور بالحاجة مذلة أليمة عند النفوس التي لم تتعود ذلك، ولم تأنس إليه، وكثير من الناس يؤثرون أن تحرق عصارة أمعائهم من شدة الجوع، علي أن يتناولوا طعاماً تحت وطأة الشعور بالحاجة الذليلة إلي الطعام،

وقد كان سوء حظي يسلكني دائما في هذا الصنف من الناس، ومن أجل هذا صمت علي غير سحور، واستقبلت مغرب اليوم الأول من رمضان بغير فطور، حتي قضيت يومين وثلاث ليال، وليس لي من طعام إلا طعام لا يسمن ولا يغني من جوع، ذلك هو أقسي الرمضانات التي أذكرها.

فأما أحلي رمضان فقد كان ونحن في إندونيسيا مع الرئيس في مؤتمر باندونج، واتصلت أيامه بي في سنغافورة، ثم في هونج كونج، ثم في مانيلا عاصمة الفلبين، ثم في كانتوك، وفي بكين، وفي سانكان من بلاد الصين.

لقد طوفنا هذه البلاد جميعا طوال شهر رمضان في تلك الرحلة، وكنا نصوم أحيانا كثيرة، مع أن السفر عذر يبيح للمسافر أن يفطر، مهما تكن وسيلة السفر، وأيا كانت سيارة أم طيارة، وكنا نصوم لأن رفقاءنا في رحلاتنا من أهل تلك البلاد يصومون، ولا يترخصون في الإفطار بحال من الأحوال، وكنا نري من تمام المروءة أن نصوم نحن أيضاً، مجاملة لرفقائنا هؤلاء،

وحرصاً علي عدم إيذاء مشاعرهم، ولقد شاهدنا في أيام رمضان هذا من المشاهد الغريبة والأماكن التاريخية ما كان يقصر في أعمار الأيام، فإذا أقبل الليل وتناولنا طعام الإفطار عشرات حيناً، ومئات أحيانا، مضينا نسمر بالحديث عن شؤوننا الوطنية وعن شؤوننا الإسلامية، وليس في الدنيا شيء أشهي ولا أحلي من السمر بالحديث، الذي تسوقه عاطفة الشعور بالأخوة الدينية، بين من جمعتهم المصادفات الطيبة من أقطار نائية وديار بعيدة.

ولقد أذكر ونحن في إندونيسيا ثلاث ليال متتالية، كنا نجتمع فيها مع إخواننا من أبناء الشعب الإندونيسي، وكان يعرض فيها فيلم عن حياة بلال مؤذن الرسول، وما كان أعجب ما كنا نراه في وجوه الذين يشهدون عرض هذا الفيلم، وهم لا يعرفون اللغة العربية، فلقد كانت الانفعالات التي تغمر وجوههم تنم عن ألوان من الفرحة بمصر لا يملك المصري معها إلا أن يسعد، ويستشعر من المعاني ما يجعل رمضان ذلك شيئاً آخر يخالف ما عهده من رمضانات سابقة، لا تتجدد فيها صور ولا يتوافر لها تطواف في الآفاق.

إني لأذكر رمضان هذا الذي صمت فيه عن الطعام، وصامت نفسي فيه عن الخواطر الرخيصة والانفعالات التافهة، التي لا تكاد تسلم منها نفس تعيش في مألوفها من الأهل والاصدقاء، والأماكن والأعمال، والتي لا تتصل بها نفس تتجدد بالأسفار حيويتها وتتوثق بالمشاهدات معارفها، وبين تجدد الحيوية بالسفر وتوثق المعرفة بالمشاهدة، يثمر الصوم، ويحلو في أنفس الصائمين رمضان.

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان