رئيس التحرير: عادل صبري 08:12 مساءً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

عزت صافي يكتب: هل يقدم الجنرال عون على إعلان برنامجه الرئاسي؟

عزت صافي يكتب: هل يقدم الجنرال عون على إعلان برنامجه الرئاسي؟

08 أكتوبر 2016 10:13

كتب عزت صافي:

 

أياً يكن الرئيس الذي (قد) يُنتخب للجمهورية اللبنانية في الشهر الجاري، أو في الشهر الذي بعده، أو الذي بعد بعده، فلن يكون انتخابه ديموقراطياً، ولا دستورياً، ولا شرعياً، ولا ميثاقياً.

 

وأياً يكن ذلك الرئيس، فلن يكون من خارج «الموجود» من النواب والوزراء والشخصيات التي تتوارد أسماؤها في الصحف، وفي أروقة المجالس السياسية والأندية والمقاهي الشعبية.

 

سيكون رئيساً بحكم الضرورة والحاجة الى رئيس، لأن انتخابه لم يتم ضمن المهلة الدستورية المحددة بعشرين يوماً تسبق نهاية ولاية الرئيس.

 

ثم إن المــجلس الذي (قد) ينتخب الرئيس فاقـــد الشرعية لأنه مدّد ولايتـــه، وتجــاوز مهل الانتـــخاب الرئاســـي الملـــزم، وقد مضت عليه سنتــــان ونصـــف السنة وهو يمعن في طعن الدستور والميثاق، والعقدة منه وفيه.

 

وأياً يكن الرئيس الذي (قد) يُنتخب، سيثير سؤالاً وتعجباً: ألم يكن في الإمكان انتخابه ضمن المهلة الدستورية؟... ثم ماذا جرى، أو تبدّل، خلال سنتين ونصف السنة حتى صار مقبولاً من معارضيه؟

 

لكن، مع كل الأخطاء والخطايا التي ارتكبت، ومع كل التساؤلات المحقة والباطلة، لا بدّ من الرئيس الذي سيأتي بتسوية، أي بصفقة تتم بين الداخل والخارج. ومرّة جديدة سيدفع اللبنانيون ثمن «التسوية» من استقلالهم، ومن سيادتهم، ومن قرارهم الوطني، فلبنانهم صار رهينة خارج رعاية الدول العربية والدول الأجنبية الصديقة.

 

«... وإذا كان اللبنانيون يستحقون وطنهم، فهذا وقت إثبات صحة ذلك».

 

هذا الكلام قاله الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، لمرجع سياسي لبناني يوم جاء الى بيروت للتعزية باستشهاد الرئيس رفيق الحريري قبل إحدى عشرة سنة. وإذ تجاوز اللبنانيون تلك المصيبة، فإنهم لم يلبثوا أن عادوا الى الغرق في أزماتهم التي كانت سابقاً من صنع الاحتلال السوري، وما أزمتهم الرئاسية الحالية إلا من صنع محلّي، وعليها دمغة الجنرال ميشال عون الذي يطالب بحقه في رئاسة الجمهورية التي يعتبر أنه فقدها عنوة منذ ثمانية وعشرين عاماً.

 

لا ينسى الجنرال عون أن النظام السوري هو الذي قطع طريق الرئاسة أمامه يوم كان الجنرال داخل القصر الجمهوري في بعبدا وكانت كرسي الرئاسة أمامه، ولا بدّ أنه لامسها مراراً، وقد يكون جلس عليها أكثر من مرة، لكن القرار السوري كان ملزماً بالأمر: ليخرج الجنرال وليذهب الى حيث يشاء. وكانت باريس المنفى.

 

عشر سنوات بعد العودة من المنفى يراها الجنرال كافية لتأكيد أنه مُسامح ومُتسامح. بل إنه ضحّى بحقه المشروع عندما تنازل عن الرئاسة لرفيقه في خدمة الوطن الجنرال ميشال سليمان، متجنباً معركة رئاسية بعد اتفاق الدوحة، وتسهيلاً منه لإعادة جمع الصف الوطني.

 

لكن، عندما استحقت الرئاسة للجنرال عون في الموعد الدستوري المحدّد بعد نهاية عهد الرئيس سليمان، ودعي مجلس النواب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، امتنع الجنرال عون عن الحضور مع نواب كتلته في التيار الوطني الحر وحلفائه نواب كتلة الوفاء للمقاومة (حزب الله) وسواهم، فتعطل النصاب الدستوري لعقد جلسة الانتخاب، ثم تكرّر التعطيل، وسجّل عدّاد مجلس النواب، حتى اليوم، خمساً وأربعين جلسة تعطلّت خلال سنتين ونصف السنة، والموعد المحدد للجلسة رقم 46 هو يوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

 

هذه حالة نادرة لا سابقة لها في المجالس النيابية الديموقراطية، ولا في المجالس البيروقراطية، ولا في المجالس العشائرية. سنتان ونصف السنة حتى اليوم ونواب لبنان (128) ووزراؤه (24) يقبضون رواتبهم، أو تعويضاتهم، بمليارات الليرات اللبنانية، فيما إذا تغيّب أحد حجاب المجلس عن الحضور من دون عذر أو سبب، يُحسم الجزاء من راتبه وقوت عياله.

 

هذا العرض الموجز المبسّط لأزمة الرئاسة اللبنانية يذكّر بهشاشة نظام الجمهورية اللبنانية «الديموقراطية» التي قامت قبل ثلاث وسبعين سنة كظاهرة نموذجية فريدة من نوعها في العالم العربي، على اختلاف أنظمة دوله المدنية والعسكرية.

 

فما هي هذه الديموقراطية اللبنانية، وكيف يشرحها الجنرال عون للزائرين الأجانب الذين يسألونه عن انتخاب أسباب عدم حضوره 45 جلسة نيابية لانتخابه، أو انتخاب سواه؟. وكيف يقنعهم بـ «شرعية» موقفه، خصوصاً أن حلفاءه نواب «حزب الله»: يقولون للقريب والغريب: من يريد رئيساً لجمهورية لبنان عليه أن يبايع الجنرال عون مسبقاً وعلناً، وإلا فلينتظر الى ما شاء الله. ونحن والجنرال لسنا على عجلة من أمرنا..

 

لا فائدة من التساؤل عن أي نوع من الديموقراطيات هذه الديموقراطية التي تفرض أن يتم الاتفاق مسبقاً على من يكون رئيس الجمهورية، ومن يكون رئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة.

 

هو إضراب بكل معنى الكلمة عن القيام بواجب وطني إلزامي يعلنه نواب تطوعوا لخدمة مصالح الشعب والدفاع عن حقوقه بالعدالة والعيش بأمان وحرية وكفاية.

 

هو إضراب عن الالتزام بعقد، كما أي عقد بين موظف وإدارته. بين عامل ورب عمله. بين ملتزم مشروع وشركة أو دولة، أو أي جهة.

 

وكما في كل عقد هناك فريق أول يدفع وفريق ثان يقبض، والنواب اللبنانيون يقبضون رواتبهم، أو مستحقاتهم، أو تعويضاتهم، ولا يعملون، ولا من يحاسبهم، مع أن النظام الداخلي لمجلس النواب ينص على أن كل نائب يتغيب ثلاث جلسات من دون إعلان السبب أو العذر، يخضع لمساءلة قانونية أمام هيئة خاصة من أعضاء المجلس.

 

ولأن الجنرال عون لم يحضر الى مجلس النواب، ولا مرة، على مدى سنتين ونصف السنة، مقاطعاً خمساً وأربعين جلسة انتخابية دُعي الى حضورها، ففي إمكانه أن يعقد مؤتمراً صحافياً يشرح فيه موقفه وأسباب امتناعه.

 

بل في إمكان الجنرال أن يلجأ الى مبادرة استثنائية لم يسبقه إليها أحد خلال عقود المجالس النيابية اللبنانية منذ بداية الاستقلال. فهل يُقدم الجنرال على عقد مؤتمر صحافي في مجلس النواب يعلن فيه ترشّحه لرئاسة الجمهورية ويطرح برنامجه مفصلاً، موضحاً رأيه في علة الجمهورية في الأساس، ثم مشروعه لدولة حديثة تجاري العصر، مع تحديد مبادئ وقواعد سياسة لبنان العربية، والإقليمية والدولية، وإيضاح رؤيته للصراع العربي - الإسرائيلي، ودور لبنان في هذا الصراع، وعلى أي استراتيجية يعتمد في المجالين الإقليمي والدولي، ثم يشرح للبنانيين ولدول العالم ماهية ثلاثية «الشعب والجيش والمقاومة».

 

فلبنان حالياً، دولة من مجموعة دول تعمل على أرضه. وهناك أكثر من استراتيجية مفروضة على لبنان، ودولته لا تملك قدرة الرّفض، بل هي أعجز من أن تتحمل ما يُفرض عليها من أعباء، ولذلك باتت الدولة اللبنانية واحدة من الدول العاملة على أرضها، بل لعلها أضعف تلك الدول.

 

وأمام هذا الواقع ينشغل اللبنانيون، بل هناك من يشغلهم، بعناوين ومصطلحات من نوع «العيش المشترك» أو «الميثاقية»، أو «الوحدة الوطنية».

 

قاموس المصطلحات هذا لا يفارق الأقطاب والوزراء والنواب اللبنانيين من مختلف الكتل والأحزاب والانتماءات. أما الديموقراطية اللبنانية فلم تهن وتتبهدل كما أهينت وتبهدلت في العالم العربي، خصوصاً في الدول الثورية التي عاشت على اسم الزعيم الأوحد الذي أودى بدولته وشعبه الى الهلاك.

 

ومن نعم الله على لبنان أنه نجا من ذلك القاموس المدمر. لكنه ليس في أمان، ولا في استقرار. ومع ذلك، فإن المدمنين على النطق دائماً باسمه يصرّون على «الديموقراطية» وعلى الدولة المدنية. لكن الدول المدنية الديموقراطية لا تقوم على مجالس نيابية مؤلفة من طوائف ومذاهب لا مساواة بينها بالمقاعد النيابية والمناصب الرئاسية والوزارية. فوزارة الخارجية ووزارة المالية مثلاً كانتا حكراً على طائفة معينة، وبعد اتفاق الطائف صارتا حكراً على طائفتين. وكل الوزارات والوظائف «العالية» هي من نصيب الطوائف الأكثر عدداً. أما الطوائف الأقل عدداً نسبياً فلها من المناصب والوظائف ما تبقى من الدرجة الثالثة وما دون. ومع ذلك تبقى المادة الأساسية في الدستور التي تنص على أن اللبنانيين متساوون بالحقوق والواجبات!!

 

لبنان مقسم سياسياً، وهذا من أصول الديموقراطية، وليس خطراً، بل هو ضروري لتستقيم الديموقراطية. لكن الخطر هو في الانقسام الذي يتجاوز الحدود بالولاء الى مراكز قرار خارجية في دول عربية وغير عربية.

 

ولبــــنان حالياً، شبه عارٍ من العناية العربية والدوليــة بعدما تكفّل أكثر من فريق في مجلس النواب، وفي المجالس السياسية، بتنفير الإخوة والأصدقاء في دول ذات أوزان كانت، حتى أمس غير بعيد ترعى لبنان، على علاته ونزاعاته. لكن لا تزال للجيش اللبناني وحده، قيادة وأركاناً وأفراداً، ضمانات من الدعم العسكري، ومن الثقة بوطنيته، ومسلكيته.

 

لقد بات لبنان في العراء، ليس فقط بسبب تخلّي الكثير من الدول الصديقة عنه، بل بسبب مجموعة من الأقطاب السياسيين جعلوا وطنهم وشعبهم وجمهوريتهم رهينة حساباتهم وطموحاتهم وشهواتهم التي ليس لها حد، لا في السلطة، ولا في المال.

 

وعلى سيرة المال، فإن سلامة الليرة اللبنانية هي صنو سلامة الجيش ومناعته في ضمان الاستقرار والأمن مع الحد المعقول من المعيشة المتيسرة للملايين من اللبنانيين.

 

ويبقى لبنان، بجميع مكوّناته، رهينة الوضع الراهن المعقد بانتظار انتخاب رئيس جديد للجمهورية بقرار من الخارج.

 

نقلا عن جريدة الحياة

 

اقرأ أيضا

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان