رئيس التحرير: عادل صبري 06:43 مساءً | الثلاثاء 24 أبريل 2018 م | 08 شعبان 1439 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

"تطون"..من "الجرافة" إلى ميلانو الفيوم

تطون..من الجرافة إلى ميلانو الفيوم

تقارير

تغيرت ملامح القرية وانتشرت الفيلات والقصور

مظاهر البذخ وراء استمرار رحلات الموت..

"تطون"..من "الجرافة" إلى ميلانو الفيوم

سيد الشورة 13 سبتمبر 2013 12:33

يلجأ شباب قرية تطون بالفيوم، إلى مراكب الموت طمعا فى الثراء وهربا من شبح الفقر والبطالة، التى تخيم فوق رؤوس الشباب المصرى، آملين في الوصول لأرض الأحلام، ففى ظل ظروف اقتصادية صعبة وبطالة تفتك بالشباب المصرى عامة وشباب الفيوم خاصة، أصبح تملك اليورو والدولار حلم يداعب خيالات شباب المحافظة, يتركون من أجله الوطن والأهل ويرحلون إلى المجهول فى رحلات هى الخطر بعينه، والذى يحدق بهم من كل جانب.


أمواج وظلمات البحر المتوسط والسلطات الإيطالية والأوربية وسمسار لا يرحم وقائد مركب بلا قلب .

 

 و قد تنتهي الرحلة قبل أن تبدأ، فيعود شباب قرية "تطون" في توابيت ونعوش خشبية أو مقيدين بالسلاسل الحديدية بعد القبض عليهم وترحليهم مرة أخرى إلى مصر.


ولقد فجرت حوادث غرق الشباب المصريين فى طريقهم إلى أوروبا، وأخيرا إنقاذ 25 شابا عصفت بهم الأمواج قبالة ميناء الإسكندرية منذ أيام، كانوا فى طريقهم إلى إيطاليا، قضية هجرة الشباب المصرى وتركه لوطنه من أجل البحث عن فرصة عمل.


 
  والفيوم مع محافظة سوهاج يحتلان المركز الأول فى المحافظات الطاردة لأبنائها فى صعيد مصر، وتحتل المركز الخامس على مستوى الجمهورية, فالعمال والفلاحين من أبناء الفيوم يتوزعون على الدول العربية (السعودية والكويت والإمارات وقطر والأردن ولبنان وبالطبع ليبيا) وفى السنوات الأخيرة فتحوا مجالا آخر وهو التجارة فى السودان, والصيادون من الفيوم تركوا بحيرتى قارون ووادى الريان بعد أن تدهور إنتاجهما من الثروة السمكية، وهاجروا إلى بحيرة ناصر بأسوان والتمساح بالإسماعيلية والبحر الأحمر، أما على مستوى القرى بالمحافظة فإن أبناء قرى فيديمين يسافرون للعمل فى الكويت وقرى مركز أبشواى يتجهون إلى السعودية، وقرية الغرق بمركز اطسا وما يجاورها من قرى وعزب يسافرون للعمل فى ليبيا، وشباب قرية العدوة بمركز الفيوم يعملون فى قطر والإمارات، أما قرية "تطون" وبعض القرى المجاورة لها مثل السريرة وقصر الباسل، وشدموه فى مركز اطسا فإن أبناءها اختاروا ومنذ أواخر السبعينات التوجه إلى أوروبا وبالتحديد إيطاليا وانضمت إليهم  مؤخرا قرى أبو شنب وكحك بمركز يوسف الصديق وشكشوك بمركز أبشواى ونجاتى بمركز طامية.


ألاعيب المصريين يكشفها الخواجات


ورغم ما يلاقيه الشباب فى رحلة المجهول عبر البحر المتوسط دون أى ضمانات يتحللون فيها من جميع الأوراق التى تدل على هويتهم المصرية، فيتخلصون من البطاقات الشخصية وما معهم من أوراق بل ويصل الأمر إلى تمزيق "تكت" الملابس التى يرتدونها الذى يحمل عبارة "صنع فى مصر"، وكلهم أمل فى حالة الوصول إلى الأراضى الإيطالية وأن تقبلهم السلطات هناك كلاجئين من فلسطين أو العراق، ومؤخرا سوريا بعد الادعاء بأنهم من أبناء هذه البلاد، وفى سبيل ذلك يقومون بتغيير لهجتهم المصرية، إلا أن السطات غالبا ما تستعين بأفراد من سفارات هذه الدول فيكشفون أمرهم ويتم ترحيلهم على الفور من حيث أتوا.


ورغم ما يشاهدون من أهوال ومخاطر ويعلمون من تعرض المسافرين للموت والغرق وسط أمواج البحر المتطلامة .. ورغم هذه الأهوال فإن "تطون" تتزعم القرى المصرية فى الهجرة إلى إيطاليا وقدمت من أبنائها "قربانا" يقترب من 150 شابا من شبابها من بينهم 20 شابا فى حادث واحد منذ عدة سنوات لقوا حتفهم فى غياهب أمواج البحر المتوسط، ولم يثنيهم ذلك عن التوجة إلى إيطاليا من خلال الرحلة المعتادة التى يحفظها شباب "تطون" عن ظهر قلب.

 

هوس الهجرة أقصر طريق للموت
 


** ويكفى أن نشير هنا إلى قصة الأب الذى أرسل ولده الأول إلى إيطاليا، ولما غرق فى الرحلة كان السمسار رحيما به فأعاد إليه المبلغ الذى أخذه منه، إلا أن الأب رفض استلام النقود وطلب منه سفر ولده الثانى فلقى هو الآخر نفس مصير شقيقه غرقا، وللمرة الثانية حاول السمسار رد المبلغ إلا أن الأب رفض ورجاه أن يسافر الابن الثالث والذى كان عمره لايزيد على 15 عاما، وفى هذه المرة الثالثة نجح الابن فى الوصول إلى إيطاليا، ومن مفارقات القدر أن الأب لقى ربه بعد وصول ابنه الثالث لإيطاليا بعدة أشهر .


هذه القصة تكشف لنا عن "هوس" الهجرة إلى إيطاليا والغيرة القاتلة التى استشرت بين أهل "تطون"، وامتدت إلى القرى المجاورة وعلى رأسها قرية شدموه التى تأججت الغيرة لديهم وهم يشاهدون أبناء تطون يمرون من أمام قريتهم فى ذهابهم وإيابهم يركبون السيارات الفارهة ويقيمون فى العمارات الشاهقة ويمتلكون القصور والأراضى الشاسعة .


* وقرية "تطون" تتبع مركز اطسا وتقع جنوب مدينة الفيوم بمسافة 25 كيلومتر ويقطنها قرابة 50 الف نسمة وترتفع بها نسبة التعليم وبها ما يقرب من 7 آلاف شاب يعملون فى إيطاليا، ووصل الأمر إلى أن بعض الشباب فى القرية يؤكدون أن فى ميلانو فى إيطاليا شارع يحمل اسم أبناء تطون، وبالمثل فإن القرية أطلقت أسماءً إيطالية على محالها التجارية، وعندما تدخل إلى القرية تجد محلا يحمل اسم "دريم روما"، وآخر"عصير ميلانو"، وثالث "جوهرة إيطاليا"، و"ميلانو كلين" وغيرها، وعندما تصل إلى "تطون" تجدها خلعت ثوبها الريفى وارتدت ثوبا آخر فأصبحت تتميز بمبانيها الفاخرة وعمارتها الشاهقة وقصورها وتغيير نمط القرية تماما، فأصبحت بها محلات للذهب وأخرى للصرافة وتغيرت الأنماط الاجتماعية والاقتصادية وارتفعت أسعار الأراضى فى تطون وما حولها من قرى، بل وصل ارتفاع الأسعار إلى مدينة الفيوم بالنسبة للشقق والأراضى بعد أن اتجه الكثير من أبنائها إلى تملك الشقق فى مدينة الفيوم، ونقل أبنائهم للمدارس الخاصة، وترك المدارس الحكومية فى القرية.

 

الأهالى يصرخون من استغلال التجار


ويشير البعض إلى أن التعاملات المالية فى تطون تتم باليورو، بل وصل البذخ أن أحد المواطنين فى القرية أقام منزلا من أربعة طوابق وقام بتجهيزه "بأسانسير"، كما خصص للمنزل محولا كهربائيا دفع ثمنه لشركة الكهرباء، والجميع فى "تطون"  لا يشغل بالهم إلا باليورو وركوب السيارات الفارهة وإقامة حفلات الزواج بالفنادق والكازينوهات.


وعلى النقيض فإن هناك القليلين من أبناء تطون لا يستهويهم السفر ويعانون الأمرين من ارتفاع الأسعار حتى إنهم يشكون من أنهم أثناء تواجدهم فى الفيوم لشراء مستلزماتهم وما أن يعلم التجار حتى يصرون على رفع الأسعار، وضرب أحدهم مثلا بأن سائق تاكسى طلب منه مائة جنيه لتوصيله من مدينة الفيوم إلى القرية فى حين أنها لا تزيد على 25 جنيها، بل إن الصنايعية يضاعفون أجورهم عندما يتوجهون للعمل فى القرية، ومن الطرائف الخاصة بالتعامل باليورو فى القرية أن أقارب طفل من أبناء قرية "تطون" قاموا بخطفه العام الماضى أثناء ركوبه "الباص" الخاص بمدرسة خاصة فى مدينة الفيوم من أمام شقة والده، وأجروا اتصالا بوالده فى إيطاليا وطلبوا منه فدية نصف مليون يورو وظلت المساومات مستمرة حتى تم تخفيض الفدية إلى 40 ألف جنيه مصرى، وألقت أجهزة الأمن القبض عليهم عقب تحرير الطفل وتبين أنهم أقاربه .


 
الهروب إلى إيطاليا يبدأ بالجرافة


الرحلة إلى إيطاليا تبدأ دائما من ليبيا بعد الاتفاق مع أحد السماسرة مقابل 30 أو 40 ألف جنيه، وفى ليبيا يتم تجميع الشباب أو بمعنى أدق "تخزينهم" فى مكان أو "حوش" يطلق عليه بالفعل "المخزن"، وهو يشبه اسطبل الخيل، كما ذكر لنا الكثير من شباب تطون، وأضاف أحدهم "إننا نمكث فى المخزن أياما قد تطول وتصل فى بعض المرات لأشهر فى ظل معاملة غير آدمية حتى يتم الاتفاق مع أصحاب المراكب التى يطلق عليها الجرافة، التى تنقلهم إلى إيطاليا، وهى غالبا مراكب صيد ويتم سحب الأوراق الشخصية وخلال الرحلة يتم توزيع وجبة عبارةعن رغيف وزجاجة مياه في أول يوم للسفر، وتستغرق الرحلة  إلى شواطئ اليونان أو جزيرة مالطا حوالي 36 ساعة في حال استقرار الأحوال الجوية وقد تزيد إذا كان الأمر عكس ذلك، وقد تغرق المركب بمن فيها من المصريين والمشكلة أن بعض قائدى المراكب من ضعاف النفوس، عندما يواجهون السلطات الليبية أو الإيطالية فى عرض البحر، لا يجد غضاضة فى التخلص من الركاب بإغراق المركب بمن فيه حتى يتخلص من المسئولية، ومن ينجح فى الوصول إلى الشواطئ الإيطالية بعد أن تلقيهم المراكب قبل الشاطئ بمسافة قد تصل لعدة كيلو مترات، يواجه خطر القبض عليه من السلطات الإيطالية، وبالطبع هناك الكل يدعى أنه فلسطينى أو عراقى ومؤخرا سورى، لأن فيها حروبا ويعتبروا أبناء هذه البلاد كلاجئين، ومنهم من يتم إعادته إلى مصر وهو الذى يفشل فى "حبك" الدور بأنه ليس مصريا، ويشير عادل عبد الفتاح من أبناء مركز اطسا، أن الكثير ممن يفشل فى الرحلة يكررها مرات أخرى حتى يصل إلى هدفه وهو الوصول إلى إيطاليا أو يلقى مصرعه غرقا فى الطريق وبهذا السيناريو المرعب فإن‏90%‏ من شباب قرية تطون سافر إلى إيطاليا‏,‏ وهم يقولون " أنا إيه اللى رمانى على المر إلا اللى أمر منه"، "احنا لاقيين شغل هنا فى مصر وسافرنا".


والغريب أنه رغم مشاهد الموت إلا أنه وعقب دفن الموتى الذين يصلون فى صناديق، تجد البعض ما أن ينتهى من دفن الموتى حتى يحزم حقائبه استعدادا لركوب الخطر والسفر إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط.


 
انتشار فيرس الغيرة وراء رحلات الموت


 
يقول عادل فرحات من أبناء قرية تطون، إن شباب القرية بدأوا فى السفر إلى إيطاليا فى نهاية السبعينات بعد أن ضاقت بهم سبل العيش فى القرية وبعد أن تدهورت الأحوال فى دولة العراق وكانت رسوم التأشيرة وقتها جنيهان فقط، ووصلت إلى ألف دولار عام 1990، وبعد إلغاء التأشيرات أصبح السفر إلى إيطاليا عن طريق ليبيا، وفى بعض الفترات عن طريق الإسكندرية، ويتم تجميع الشباب ثم نقلهم إلى مراكب تقلهم إلى مالطة أو ألبانيا ثم يركبون لنشات إلى السواحل الإيطالية وهناك يقذفون فى البحر قبل الشاطئ بعدة كيلومترات، ثم يسبحون فى المياه حتى يصلوا إلى الشاطئ.
وكشفت جولتنا أن الغيرة عامل أساسى فى العدوى بين الشباب فى السفر إلى إيطاليا ليس بحثا عن العمل فقط ولكن من أجل الثراء الفاحش الذي يرونه ظاهرا على من سبقهم، وأكد نادى عبد الونيس وهو أحد الذين تركوا وظيفتهم فى الحكومة وسافر للعمل فى إيطاليا منذ أكثر من 15 سنة، أن إيطاليا مثلها مثل أى دولة أخرى سواء أوروبية أوعربية والعمل بها يدر دخلا يصل إلى 40 أو 50 ألف جنيه فى السنة، أما الطرق غير الشرعية مثل تجارة المخدرات أو انضمام إلى عصابات المافيا و"ضرب الفواتير" والتى يقوم بها الذين عاشوا هناك لفترة طويلة وأصبحوا يملكون محالا وورش، فيقومون بتحرير فواتير بأرقام كبيرة مقابل مبالغ كبيرة من الإيطاليين الذين يرغبون فى التهرب من الضرائب وهؤلاء دخلهم بالملايين والبعض الآخر يتجه للزواج من سيدات كبيرات السن من أجل الحصول على الميراث بعد وفاتهم، وعن رحلة سفره قال إنها كانت صعبة جدا ويكفى أننى ومعى 18 تمكنا من الوصول إلى ألبانيا ثم إيطاليا ركبنا خلالها "لنش مطاطى" كان قائده يسير بسرعة كبيره فى البحر المتوسط وعشنا ثلاث ساعات ننتظر الموت فى أى لحظة، وكنا نمسك ببعضنا البعض من السرعة المفرطة وتخيل لو أن أحدنا سقط فى البحر، لم نكن نستطيع أن نقف لالتقاطه لأن هذا يعنى غرقنا جميعا .


 
مشاريع جديدة لتحقيق حلم السفر


 
وإزاء تزايد حالات سفر شباب الفيوم وبالتحديد قرية "تطون" إلى إيطاليا، فإن  منظمة الهجرة الدولية وهى إحدى منظمات الأمم المتحدة، تركز على محافظة الفيوم لتنفيذ عدد من المشروعات بها لتوعية الشباب بالهجرة الآمنة وبدائلها، وتعليم وتدريب وتوعية الشباب في محافظة الفيوم بمخاطر الهجرة غير الشرعية، كتنفذ الحكومة الإيطالية مشروعا لتطويرالمدرسة الفندقية على ساحل بحيرة قارون وتحديثها من خلال التعاون بين الحكومة المصرية والجانب الإيطالي لاستيعاب الطلاب بعد المرحلة الإعدادية وتدريبهم وتعليمهم لتأهيلهم لسوق العمل الأوروبي للحد من الهجرة غير الشرعية، وقد تم تطوير وإعادة هيكلة المدرسة وتزويدها بالمعدات والأدوات لتنمية الموارد البشرية بمبلغ  2 مليون يورو "منحة"، كما تم تحديث المناهج الدراسية من خلال مجموعة من الخبراء الإيطاليين والمصريين، ويتم تدريب بعض معلمي المدرسة وطلابها بإيطاليا للتدريب على فنون الإدارة والمواد الفنية للارتقاء بالمستوى التعليمي والوظيفي في المجالات المختلفة داخل مصر لحل مشكلة الهجرة غير الشرعية للشباب.


وقد افتتح وزير التربية والتعليم السابق جمال العربي، مشروع تطوير المدرسة أواخر شهر أبريل الماضي بحضور مسئولي وممثلي السفارة الإيطالية والمنظمة الدولية للهجرة ووزارة الخارجية والتربية والتعليم ومحافظة الفيوم
 

مظاهر الثراء والبذخ فى تطون

الاسماء الايطالية ظاهرة انتشرت فى الملات والاسواق

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان