رئيس التحرير: عادل صبري 03:21 صباحاً | الثلاثاء 19 يونيو 2018 م | 05 شوال 1439 هـ | الـقـاهـره 43° صافية صافية

دماء ودمى وملابس متناثرة.. بقايا رابعة والنهضة

دماء ودمى وملابس متناثرة.. بقايا رابعة والنهضة

تقارير

جانب من فض اعتصام رابعىة

رغم مرور 15 يومًا..

دماء ودمى وملابس متناثرة.. بقايا رابعة والنهضة

الأناضول 28 أغسطس 2013 10:41

بعد مرور شهرين على انطلاق اعتصامات مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي، تتواصل بإيقاع سريع جهود السلطات المصرية لمحو أثار الاستخدام المفرط للقوة في فض هذه الاعتصامات منتصف الشهر الجاري في كل من ميداني رابعة العدوية، والنهضة.

 

ورغم أن العمل يجري على قدم وساق لمحو تلك الأثار، إلا أن بعضها لا يزال باقيًا.

 

هنا وهناك، في رابعة والنهضة على حد سواء، ستجد حطاما لأشجار كانت تشكل مظلة للمعتصمين علي مدار 48 يومًا - حتى فض الاعتصام في الـ 14  من الشهر الجاري - قبل أن تحرق مع حرق خيامهم، وأجزاء من أحبال الخيام التي لا زالت مربوطة بجذوع نخل شاخت مع النيران، بينما بقت أطرافها تتمسك بالحياة، وكأن حالها من حال من شاركوا في الاعتصام، وستجد بقايا شعارات "الشرعية" التي طالما هتف بها المؤيدون لمرسي.

 

ومثلما كان ميدان "النهضة" هو الأسرع في فض اعتصامه، حيث لم يستغرق سوي ساعتين، كانت أيضا عملية محو أثاره الأسرع حيث "انتهت محافظة الجيزة الواقع في زمامها من رفع 90% من آثار الاعتصام، كما انتهت تماما من تجديد وتنظيف تمثال "نهضة مصر" الذي يقع في مقدمة الميدان.

 

كما قامت المحافظة برفع  المخلفات من ساحة الميدان والتي بلغت 6 أطنان، وتجديد رصيف الشارع الممتد حتي جامعة القاهرة والذي يتجاوز طوله الكليومتر.

 

ويتوسط الشارع حديقة وسطي يتجاوز عرضها الستة أمتار، كانت تحتضن خيام الاعتصام، ويمتد النخيل علي جوانبها، لا زالت أثار الحرائق التي صاحبت فض الاعتصام بقوة ماثلة على الكثير من جذوعه، فبدت شاهدة علي الكثير والكثير من حكايات وقصص المشاركين علي الاعتصام وما تعرضوا له من إخلاء قسري صاحبه سقوط ضحايا.

 

وتساقطت من غالبية النخيل الممتد بطول الميدان أفرع البلح الذي كان قد اقترب من النضوج غير أنه لم يكتب له أن تكتمل دورة حياته تماما مثل الضحايا الذين تساقطوا من شدة الحرائق وكذلك من استنشاق كميات الغاز المسيل للدموع.

 

وطالت النيران أيضا أرضية الحديقة التي تتوسط الميدان فجرفتها وأزالت خضرتها لتحل محلها آثار الحرائق إلا أن سلطات المحافظة شرعت بإغراقها بالمياه لمحو هذه الآثار.

 

وداخل الحديقة، تشاهد ما يشير إلى أن هذا المكان كان يحتضن أناسا لهم من القصص والحكايات الكثير،  فها هو مشط للشعر وبنطلون "جينز"، بل قطع متناثرة من ملابس، وعلي بعد أمتار تجد دمى صغيرة تشير إلى أن هنا كانت تلهو طفلة مع أسرتها، وبجوارها حذاء يحمل مقاس 25 ما يعني أنه لطفلة لا تتجاوز الثلاثة أعوام على الأكثر.

 

الحديقة لا تزال تحمل الكثير من أثار حياة المعتصمين، فها هي نظارة عين ملقاة علي الأرض وبجوارها كتاب يحمل عنوان "مأثورات" لحسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، بينما يحمل سور حديقة "الأورمان" المطلة علي جانب من الميدان آثار لدماء ربما لمصابين أو قتلى.

 

وأمام سور الحديقة، تظهر على أكوام تراكمت من المخلفات أجزاء من صور للرئيس المنتخب وبجوارها تظهر كلمة "الشرعية" التي طالما هتف بها المعتصمون للمطالبة بعودة مرسي، مقتطعة من لافتات كانت تحمل شعارات علقت بين النخيل.

 

وفي إحدى ممرات الحديقة، علقت بالأرض بقايا دماء تجمدت كأنها تقول: هنا دارت معركة "الشرعية".

 

وفي الطريق من ميدان النهضة إلى رابعة العدوية، تمر على ميدان الثورة، أو ميدان التحرير الذي شهد ثورة يناير 2011 ضد الديكتاتورية، تلك الثورة التي أسقطت حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي دام 30 عاما.

 

وخلال الثورة، وتحديدًا يوم 28 يناير، وهو اليوم المفصلي في تاريخها الذي شهد سيطرة الثوار على ميدان التحرير، تم حرق عدد من المباني، وفي مقدمتها مبني "الحزب الوطني" الحاكم في عهد مبارك، والمطل علي النيل، وكذلك مبني مجاور يتكون من 11 طابقًا، وكان يضم مقر "المجلس القومي لحقوق الانسان" و"المجلس الأعلى للصحافة" و"المجلس القومي للمرأة"، إلا أنه، وعلي الرغم من مرور 30 شهرًا على الثورة، إلا أن الحكومات المتعاقبة منذ ذلك الحين، لم تقترب من ترميمها أو محو آثار الحريق وكأنها متروكة رمزا لثورة يناير، خلافا لما حدث مع "رابعة" و"النهضة".

 

وعند الوصول لميدان "رابعة العدوية"، يختلف المشهد تماما عما كان عليه خلال الاعتصام، حيث فتحت أمام حركة المرور جميع الطريق المؤيدة لطريق "النصر" الرئيسي الذي كان يعبر ساحة الاعتصام، في حين تجري عمليات الترميم ومحو الآثار علي قدم وساق تحت إشراف الجيش، وهي العمليات التي قدر محافظ القاهرة تكلفتها بـ85 مليون جنيه (12 مليون دولار).

 

وتجمع أمام المسجد عدد من لواءات الجيش يشرفون بأنفسهم ليس علي ترميم المسجد فحسب بل المنطقة المحيطة برمتها حرصا على سرعة إزالة أي أثر للاعتصام.


ويتم بوتيرة سريعة إصلاح الارصفة،   وكذلك محطة الوقود التي تقع على بعد 500 متر من المنصة الرئيسية لساحة الاعتصام، وطالها حريق مسجد رابعة.

 

وبالاقتراب من المسجد، تجد الملامح قد تغيرت، فهنا كانت تقف فرق لجان التأمين الشعبية للاعتصام، وهناك، على مرمى  البصر، كانت الخيام الممتدة بطول الطريق، وها هي المتاجر التي أغلقت ابوابها طيلة فترة الاعتصام نظرا لضخامة أعداد المعتصمين، تعود لفتح أبوابها.

 

وبمجرد عبور بوابة ساحة المسجد - التي يتم طلائها باللون الأخضر، ينتابك شعور بالخوف من أن تطأ قدماك أرض الحديقة المتجردة من الخضرة والموجودة على جانبي الساحة، خشية أن تكون رويت بدماء أو تحمل رماد جثث احترقت حتى الشواء، فحال فروع الشجر المحترقة حول المسجد تكشف عن حجم النيران التي التهمتها هي وغيرها.

 

وعلى بعد أمتار من البوابة، تجد بقايا حقيبة أدوات طبية محترقة ومجموعة من الكتب تشير عناوينها إلى أنها كتب دينية، بينما تجد بقايا صفحات من المصحف الشريف محترقة علي الأرض، فيما توجد مجموعة أخرى من صفحات المصحف محترقة ومجمعه بجوار حائط المسجد.

 

وعى أطراف سور المسجد، تراكمت مخلفات يوحي لك شكلها وما تحتويه وكأنها آثار قصف حربي مكثف، فها هي مجموعة من الأحذية التي تشير إلي أن أسرة من الأطفال والنساء والرجال كانت تجلس هنا، وها هي عباءة امرأة ملقاة علي الارض وبها أثار دماء، بينما ملابس الرجال المتناثرة تشبه الاشلاء التي كانت متناثرة هي الأخرى في محيط المسجد يوم فض الاعتصام.

 

وعند الخروج من المسجد، اختفت تمامًا أثار المستشفي الميداني الذي كان على بعد أمتار منه واستقبل الالاف المصابين من مؤيدي مرسي، سواء بأحداث "الحرس الجمهوري" مرورا برمسيس (وسط القاهرة) ثم أحداث "المنصة"، وكلها شهدت مقتل  العديد من المعتصمين، وصولا إلى يوم فض الاعتصام حيث أعلن المستشفي أنه استقبل أكثر من 2600 جثة.

 

وعلى البوابة الرئيسية للمسجد، يقف قائد عسكري تشير رتبته إلى أنه "لواء"، يقوم بإلقاء الأوامر علي العمال للانتهاء من إزالة الأسوار القديمة للمسجد، وكذلك تجريف الحديقة بنفس طريقة "النهضة"، وهي إغراقها بالمياه.

 

وأثناء تفقد محيط المسجد، تصادف وجود شابا يقف ممسكا بكتيب عليه دماء، قائلا: "هنا كانت خيمتي التي اعتصمت بها، وهذا كتاب أحد ممن أقاموا فيها معي، ولا أعلم هل استشهد أم لا؟".

 

وعن سبب تواجده بمحيط رابعة العدوية بعد 10 أيام من فض الاعتصام، قال عبد الرحمن، ابن الـ24 عاما: "شعرت بحنين للمكان، فجئت من المنيا لتفقده فلم أجده ميدان الاعتصام الذي كان يفوح بالإيمان، الآن أرضه امتزجت بها دماء الشهداء والمعتصمين السلميين"، وأقسم مردفا: "والله لم يكن معهم سلاح، هؤلاء قتلوا غدرًا".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان