رئيس التحرير: عادل صبري 05:49 مساءً | الخميس 19 يوليو 2018 م | 06 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

"زينهم": "قتلانا وقتلاكم متكومين على الأرض في المشرحة"

رائحة الموت تخيم على المكان..

"زينهم": "قتلانا وقتلاكم متكومين على الأرض في المشرحة"

نادية أبوالعينين 24 أغسطس 2013 15:11

منذ 14 أغسطس الجاري، ومشرحة زينهم لم تتخلَ عن نفس المنظر والرائحة، رائحة الموت، أعداد لا تحصى من القتلى، جثامين مكدسة وملقاة على الأرض، أهالي لا تملك إلا الدعاء.

 

على إحدى جنبات الطريق يجلس والدموع تنهمر من عينه كأنه بركان وانفجر ولا توجد على شفتيه غير كلمة واحدة "السيسي قتل أخي.. السيسي قاتل "حسبي الله ونعم الوكيل"، وعلى الرصيف المقابل تجد امرأة تجاوزت الستين من عمرها متشحة بالسواد تبكي بحرقة فمصابها جلل؛ فقدت ابنها، وزوجها والجميع يحاول أن يهدئ من روعها لكن دون جدوى، أحدهم يقول لها اصبري واحتسبيهم عند الله شهداء، فتهدأ للحظات ثم تعاود البكاء.


في 15 اغسطس اليوم التالي لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة يدخل عدد من النعوش ويصاب الجميع بحالة ارتباك شديد، فلا يوجد في المشرحة مكان لموضع قدم والأهالي لا يجدون مكان لذويهم داخل ثلاجة، المشرحة التي لا تتسع لهذا الكم الهائل من الجثث، مما اضطرهم أن يضعوا ألواح الثلج على جثامين ذويهم حتى لا تصاب بالعفن.


الدعاء يرج سماء المشرحة في كل مكان " لا إله إلا الله الشهيد حبيب الله"، كلمات وتعالت بها أصوات الحاضرين وسط حالة الحزن والغضب التي تملأ وجوه الجميع.


وفي أثناء الدعاء تنشب مشادة كلامية بين ضحايا أحد ضحايا الشرطة وإحدى ضحايا أحداث رابعة تتعالي الأصوات التي سرعان ما هدأت.


على مدار عدة أيام من المجازر التي نتجت عن الأحداث رصدت حملة "أنا ضد التعذيب" الوضع بالمشرحة الذي وصفته بأنه أشبه "بسوق السمك" حيث مئات من الجثث في طاولات خشبية، والماء والثلج والدماء في كل مكان.

 

والجثث تصطف طوابير للدخول للمشرحة، ومازالت بعض الجثث مجهولة منذ فض الاعتصام، وأخرى متفحمة على الأرصفة يضعون عليها الثلج لعدم استيعاب المشرحة غير الآدمية تمامًا لهذه الأعداد الموجودة.

 

لتؤكد الحملة غياب التواجد الإعلامي وإهمال مسؤولي المشرحة في استخراج الأوراق والتشريح والتأخر في خروج تصاريح الدفن
ووفقًا للشهادات التي وثقتها الحملة من أهالي الضحايا يقول أحمد هاني صديق أحد الضحايا: "صديقي محمد قتل برصاصة في صدره بطلق ميري بالقرب من مستشفى الجلاء وهو لا ينتمي لأي جماعة أو تيار ديني".


وأضاف "إنني قابلت صديق في الجامعة جاء مع أهالي منطقته من بولاق أبو العلا الذين فقدوا 15 قتيلاً توفوا على يد المسلحين من الإخوان أو أتباعهم الذين اعتلوا كوبرى 15مايو بالسلاح وأطلقوا النار على الأهالي ومنهم صديق شخصي له توفي في شرفة منزله، بالإضافة إلى صديق آخر من الأهالي الذين قاموا بعمل لجان شعبية لحماية قسم الأزبكية".


وآخر يحمل جثة ابن عمه المتوفى في شارع مراد أثناء فض اعتصام النهضة على يد قوات الجيش برصاصة دخلت من الجانب الأيسر خرجت من الأيمن.

 

"والدي قتل بالخرطوش والتقرير انتحار"


يقول هشام محمد علي، ابن أحد ضحايا فض اعتصام النهضة "والدي توفي نتيجة الإصابة بأربعة طلقات خرطوش و علي الرغم من ذلك خرج تقرير مستشفى بولاق أنه توفي نتيجة الانتحار، والوضع هنا في المشرحة غير آدمي و عدد الجثث كبير جدا و جميعها ملقاة في الشوارع، ولا أحد يهتم بسرعة تنفيذ الإجراءات".

 


ويكمل خالد محسن ابن عم احد المتوفين يبلغ من العمر 85 عامًا "ابن عمي ملتحي و اطلق عليه رصاصة واحدة في الرأس أدت إلى وفاته في الحال رغم أنهلم يكن يحمل أي سلاح ".

 

وأضاف أنه ذهب إلى اعتصام رابعة بعد معرفته ببداية فض الاعتصام،"و الأمن رفض دخولنا إلى مكان الاعتصام وعرفت وقتها أن هناك جثث في مسجد الإيمان وعندما ذهبت إلى هناك وجدت مجموعة كبيرة من الجثث وكلها مصابة بطلقات رصاص حي".


" من داخل مشرحة زينهم"


يقول أسامة المهدي، عضو الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان، إنه عقب مقتل سجناء عربة الترحيلات توجه في اليوم التالي للمشرحة، لوجود صديقه شريف صيام بينهم،" حاولت منذ وصولي المشرحة الدخول للتعرف على جثة صديقي ورؤيتها، ولكن رفض الموظفين ذلك، وبعد نقاشات استطعت دخول المشرحة أنا وأخو صديقي، وعندما سألت الموظفين عن جثامين ضحايا أبو زعبل، قيل لي إنها الموجودة بالطرقات وحتى الثلاجة العمومية، لم يكن امامنا سوى الاستمرار في السير والبحث بين الجثامين الملقاة في الطرقات، وأول ما لاحظته هو انتفاخها وخاصة الوجوه التي كان لونها أزرق داكن يُقارب السواد، حتى وصلنا إلى جثمان شريف، وتعرفت عليه أنا وأخوه محمد، والذي أخذ يُقبل قدميه".

 


وأضاف المهدي قائلاً: "قمت أنا بالتركيز في مناظرة جثته، والتي بدى عليها الانتفاخ وخاصة الوجه الذي اكتسى باللون الأزرق الداكن المقارب للسواد، ولم ألاحظ أي أثار تعذيب على جثمانه التي بدت شديدة البياض أو طلق ناري أو جروح قطعية، باستثناء فتح التشريح الذي قام به الأطباء الشرعيون من الصدر وحتى منتصف البطن والذي لم يكونوا قد قاموا بخياطته بعد فبدت أمعائه خارج بطنه".


شهادة إحدى عضوات حملة "أنا ضد التعذيب "


تقول م.ح، إحدى عضوات الحملة، التي اكتفت بالحروف الأولى من اسمها عن أحداث أبو زعبل" عندما استمعت فجر يوم 51 عرفت بحادثة قتل 85 شخص من المحتجزين مؤخرًا بالاختناق، في سجن أبو زعبل، ولما كان فيه تضارب في الأخبار عن المكان التي ستذهب اليه الجثث، ما بين مشرحة الخانكة أو زينهم، قرارت أن أذهب إلى مشرحة زينهم أولا، لأنها الأقرب وبالفعل تم العثور على الجثث بها.


أضافت "حاولت دخول المشرحة لكي أرى الجثث، لكن الموظفين رفضوا دخولنا، وفشلنا في دخول المشرحة حتى آخر النهار.


استطردت قائلة: "باب المشرحة كان يفتح ويغلق كثيرا حتى تتمكن الأهالي من الدخول والتعرف على الجثث، وكنت أمام فتحة الباب، واستطعت أن أرى إحدى الجثث وكانت مواصفتها هي ان لونها أسود جدا، وأغلب الظن ان شكلها كان محروق، بالإضافة إلى تواجد بها جرح عميق في الرأس والدماغ.


وقالت وعند سؤال الأهالي عن الوفيات، قالوا إن التقارير الطبية مكتوب فيها إن سبب الوفاة "اختناق "و شاهدنا حالة من الاستياء شديدة بين أهالي ضحايا "ابو زعبل "،من التقارير التي صدرت بشان ذويهم وذكرها فقط لسبب الوفاة بأنهم ماتوا نتيجة للاختناق، رغم رؤية الأهالي للعديد من الجثث تحمل اثار تعذيب وحروق.


ويضيف اشرف عباس أحد منسقي حملة "أنا ضد التعذيب " مشرحة زينهم أداة جديدة لتعذيب الموتى وأسرهم، فمن خلال ذهابي لمشرحة زينهم على مدار عدة أيام منذ فض اعتصامي رابعة والنهضة، وملاحظتي لما يدور بها من تعامل مع أهالي الضحايا وإجراءات التصاريح بالدفن، والتعامل مع الجثث التي تصل إليها، أؤكد أن ما يحدث في مشرحة زينهم هي جريمة جديدة ضد الإنسانية يرتكبها النظام في حق القتلى وأسرهم".
وأضاف "إن مشرحة زينهم لا ترقى لمستوى المستنقع وأنها أداة جديدة لتعذيب الموتى وأسرهم، خاصة أن المشرحة لا تستوعب هذا الكم الهائل من الضحايا بينما الأطباء في المشرحة هم أداة في يد النظام تقوم بتزوير التقارير، وتعتبر لسان حال ما يحلو للنظام ان يقوله، فضلا عن أن إدارة مصلحة الطب الشرعي غير متعاونة على الإطلاق، وتساهم بدورها في إخفاء المعلومات، وتعذيب أهالي الضحايا الذين يبحثون عن ذويهم منذ أحداث 15 أغسطس.


وأكد عباس قائلاً: "إن المصلحة تتعمد اخفاء الأرقام الحقيقية للقتلى والتي تجاوزت الـ1000 قتيل في الأحداث الأخيرة فيما بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة.


إحصائيات حملة "أنا ضد التعذيب "

ذكرت حملة "انا ضد التعذيب" أن أعداد القتلى الذين تم تشريحهم بعد فض اعتصامي النهضة ورابعة تجاوز 851 علي حسب تصريحات وزارة الصحة بينما أعداد قتلى أحداث رمسيس بلغ 511 وقتلي سجن ابو زعبل 14 شخصًا.


ورصدت الحملة انه سقط حوالي 1068 على مستوى إقليم القاهرة الكبرى في يوم 15 أغسطس، بينما وصل عدد القتلى إلى 1311 قتيل من نفس اليوم على مستوى محافظات الجمهورية.


وعلقت الحملة ان مشرحة زينهم مكان غير آدمي ووصفته بأنه"لا يرقى لمستوى المستنقع"، مؤكدين عدم تعاون إدارة المصلحة من المنظمات الحقوقية، ووسائل الإعلام، وتعمد إخفاء المعلومات عن أسر الضحايا ،وتزوير تزوير التقارير الصادرة من المشرحة على حسب رواية عدد كبير من أسر الضحايا.
فضلا عن عدم تجهيز المشرحة بأي أجهزة حديثة تساعد في سرعة ودقة إصدار التقرير.


وطالبت الحملة باستقلال مشرحة الطب الشرعي عن وزارة العدل، والسماح بالتفتيش الدوري لمنظمات المجتمع المدني علي المشرحة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في المصلحة بالتلاعب في التقرير أو اخفاء أية معلومات، وإنشاء مباني أخرى ملحقة بالمشرحة لاستيعاب أكبر عدد من حالات الوفاة.


كما طالبت بإقالة دكتورة ماجدة القرضاوي رئيس مصلحة الطب الشرعي بعد التحقيق معها بسب الانتهاكات التي وصفتها بـ"اللا إنسانية" في المصلحة، وتعيين دفعة جديدة من الأطباء لقلة عدد الأطباء في المصلحة.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان