رئيس التحرير: عادل صبري 10:43 مساءً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

قلعة "القاهرة" في تعز.. أطلال تاريخية بين رحى الحرب

قلعة القاهرة في تعز.. أطلال تاريخية بين رحى الحرب

تقارير

قلعة "القاهرة" في تعز

قلعة "القاهرة" في تعز.. أطلال تاريخية بين رحى الحرب

وكالات - الأناضول 28 أكتوبر 2015 07:49

ظلت قلعة "القاهرة" الأثرية، في مدينة تعز اليمنية، شامخة، تروي للأجيال قصص من مروا على البلاد من حكام، إلى أن جاءت الحرب الأخيرة، وحولتها إلى كومة من حجارة، عدا سورها الخارجي الذي بقي صامداً رغم تشويه تاريخه.

 

‎هذه القلعة الضاربة جذورها في التاريخ، كانت السلطات  اليمنية، قد احتاجت 14 عاماً من الترميم، حتى تستبدل الصورة العسكرية المرسومة لهذا الصرح في الأذهان، كحصن لا يفكر أحد باقتحامه، إلى موقع أثري نادر، أضحت أبوابه مفتوحة أمام الزئرين، قبل هبوب رياح الحرب، في مارس الماضي.

 

‎ويقول مؤرخون إن القلعة التي بُنيت قبل ألف عام (تحديداً في العصر الصليحي 1045-1138م)، تعد النواة الأولى لنشأة مدينة تعز.‎

 

وقبل عام من الآن، كانت السلطات المحلية في تعز، تدرس ضم القلعة، التي تعد "أول معتقل سياسي في اليمن"، إلى قائمة اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) للمواقع الأثرية العالمية، كما كانت تبحث خطة تشغيلها كمزار سياحي، مستعينة بخبرات تونسية.

 

‎إلا أن مسلحي جماعة "أنصار الله" (الحوثيون)، وقوات موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح (المتحالف مع الجماعة)، سيطروا على القلعة التاريخية ، وسورها الحصين، في مارس الماضي، ونصبوا مدافع لقصف المدينة، والمواقع التابعة لـ"المقاومة الشعبية" الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، ما جعلها هدفاً لطيران التحالف العربي الذي تقوده السعودية، وفق سكان محليين.

 

‎ويقول خالد محمد، أحد سكان حي وادي المدام، الواقع أسفل القلعة: "كان هناك أكثر من مدفع نُصب عليها، بعضها يقصف قرى جبل صبر القريب، والآخر يقصف المدينة، كنا نخشى من سقوط السور على منازلنا من شدة القصف".

 

‎ويضيف : "بعد انطلاق عمليات عاصفة الحزم، كانت القلعة تتعرض لغارات جوية متتالية، من أجل إسكات مدافع الحوثيين، بدأت في أبريل/نيسان، ومايو/آيار، وانتهت في الشهر اللاحق، ما أدى إلى تضرر معظم ملاحقها وآثارها التاريخية".
‎

 

ووفقاً لما تحدث به الباحث عبدالحكيم سيف الدين، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة تعز (حكومية) للأناضول في وقت سابق، فإن القلعة كانت تسمى "حصن تعز" ، وظلت كذلك حتى جاء الإمام شرف الدين وابنه المطهر (القرن الخامس عشر الميلادي)، فقام بتسميتها "قلعة القاهرة" وأطلقا اسم "تعز" على المدينة التي كانت تحمل اسم "عُدينة"، وبعد سقوط الدولة الصليحية، بات الحصن مقراً لعدد من الدويلات التي اتخذت من المدينة مقرات لحكمها.

 

‎وذكر الباحث أن الأيوبيين عندما دخلوا اليمن (1173 م)، اختاروا "حصن تعز" مقراً لإقامتهم، حيث أولوه اهتماماً كبيراً، وزادوا في عمارته واستحكاماته العسكرية، كما أصبح بعد ذلك مقراً لحكم الرسوليين (حكموا اليمن منذ 1229 حتى 1454 ميلادية) .‎

 

ويشير تاريخيون إلى أن قلعة "القاهرة" كانت ذات وظائف متعددة، فإلى جانب المهام الدفاعية، تولت مهام أخرى سياسية ودبلوماسية واجتماعية.‎

 

وفي منتصف أغسطس الماضي ، تمكن مقاتلوا "المقاومة الشعبية"، من الزحف نحو القلعة، ودحر الحوثيين منها .

 

‎لم يتغير الحال كثيراً بالنسبة للأحياء المحيطة بها ، فالقلعة التي حوّلها الحوثيون إلى ثكنة عسكرية، تتلقى الضربات الجوية، باتت الآن هدفاً لصواريخ وقذائف مسلحي الجماعة، اعتقاداً منهم أنها تحتوي على مواقع للمقاومة الشعبية، وفق سكان محليين.

 

‎خالد الحاشدي، من سكان حي "السواني"، المجاور للقلعة، يقول إن "صواريخ الكاتيوشا التي يطلقها الحوثيون من مواقعهم، شرقي المدينة، لا تتوقف، وكذلك أعمدة الدخان في المكان".

 

‎وبحسب الحاشدي، فالمكان لا يوجد به أي موقع للمقاومة الشعبية، سوى بعض أفراد الحراسة، وسط قصف متواصل من قبل الحوثيين.

 

‎مراسل الأناضول، تجول في المكان، بعد تسليمه لأفراد من الجيش الوطني الموالي للرئيس هادي، خلال الأيام الماضية، فوجده قد تحول إلى بقايا أطلال، حيث لم يتبق سوى السور الخارجي الذي تم ترميمه قبيل الحرب.

 

‎وتضررت معظم ملاحق القلعة، وخصوصاً "دار الأدب" التي كانت سجناً سياسياً في عهد الدولة الصليحية، وكذلك المدافن الأثرية، والسور الداخلي.

 

‎وفي تصريح للأناضول، قالت بشرى الخليدي، مديرة مكتب الآثار، بمدينة تعز، إن "القلعة انتهت، ولم يتبق منها إلا سورها المشوه".

 

‎واستطردت بقولها: "الصرح التاريخي، دار الأدب، الذي كنا نخطط لجعله متحفاً تم تدميره، وهناك آثار ثمينة لا نعلم مصيرها". ‎

 

ويحمّل مسؤولون حكوميون، جماعة "الحوثي" الأسباب الكاملة لتدمير القلعة التاريخية.

 

وقال مسؤول في السلطة المحلية بتعز، للأناضول، مفضلاً عدم ذكر هويته، لأسباب أمنية: "لقد قام مسلحو الجماعة بتحويل القلعة إلى ثكنة، وتعريضها للاستهداف، وعندما تم دحرهم منها بادروا لقصفها بجنون، لأنهم يعرفون أهميتها".

 

ولم يتسن الحصول على تعقيب فوري من قبل جماعة "الحوثي" وقوات صالح بشأن ما تعرضت له هذه القلعة، التي لعبت دوراً بارزُا على مدى التاريخ.

 

‎ووفق الخبير الأثري، العزي مصلح، والذي الذي كان أحد المشاركين في ترميم القلعة، فإن الأيوبيين والرسوليين، استخدموها كـ"معتقل سياسي"، أما في عهد الأئمة ( الدولة المتوكلية التي سبقت النظام الجمهوري في اليمن وحكمت منذ 1918 حتى 1962) فقد كانوا يستخدمونها مركزاً لتجميع الرهائن.

 

‎وقبل عملية التدمير، كانت القلعة تتألف من جزأين، الأول ويسمى "العدينة" ويضم حدائق معلقة، على هيئة مدرجات شُيدت في المنحدر الجبلي، وسداً مائياً، وأحواضاً نُحتت وشُيدت في إحدى واجهات الجبل، فضلاً عن القصور التي تتناثر في أرجائه محاطة بالأبراج والمنتزهات.

 

‎أما الجزء الثاني، فهو "منطقة المغربة"، ويضم عدداً من القصور، وأبراج الحراسة، ومخازن الحبوب، وخزانات المياه.‎بينما السور، فيعد أحد الشواهد المهمة على تاريخ مدينة تعز، إذ شُيد قديماً، ليحوي كل أحياء المدينة القديمة، وقد بُني بطريقة هندسية بالغة التعقيد بارتفاع 120مترا، وسُمك أربعة أمتار، محتوياً على وحدات الخدم وغرف الحراسة.

 

‎وتواصل سور القلعة، مع سور تعز القديمة، الذي كان له أربعة أبواب رئيسة، وهي: الباب الكبير، باب الشيخ موسى، باب المداجر، وباب النصر، وفوق كل باب برج مخصص لحراس المدينة.‎

 

كما يوجد تحت البوابة الرئيسية للقلعة من جهة الجنوب منطقة "المؤيد"، وتتكون من مدرسة بناها الملك المؤيد داود بن المظفر عام 702هـ، وقبة صغيرة، وبركة مياه، وبقايا متنزه الملك، ولم يبق من المدرسة سوى "صرحة" صغيرة، أما المنتزه  فبقي بصورة أوضح حتى ما قبل للتدمير الأخير.‎

 

ويقول مؤرخون "في قاعدة الربوة التي بنيت عليها القلعة، شق العثمانيون أنفاقاً عميقة تحت الصخر، اُتخذت ملاجئ ومخازن".
‎

 

وحتى لحظة تدمير القلعة، لم يُعرف مصير تلك الأنفاق، ففيما يقول بعض سكان مدينة تعز القديمة إن هناك أنفاقاً تربط القلعة بـ"المدرسة الأشرفية والمظفرية" ، قال الخبير الأثري، العزي مصلح، في وقت سابق، إن فريق التنقيب لم يجازف بدخول الأنفاق، فالأكسجين ينقطع بعد 3 أمتار من عبورها.

 

‎وعند انسحاب الجيوش العثمانية، تركت وراءها مدفعاً ضخماً تعذر إنزاله من القلعة، وآخر لإبلاغ سكان مدينة تعز بمواعيد الإفطار والإمساك في شهر رمضان، ظل يؤدي دوره حتى وقت قريب، وفق مؤرخين.



اقرأ أيضًا:

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان