رئيس التحرير: عادل صبري 08:02 مساءً | الخميس 18 أكتوبر 2018 م | 07 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

تفاصيل رواية مراسل "مصر العربية" على مجزرة "النهضة"

تفاصيل رواية مراسل مصر العربية على مجزرة النهضة

تقارير

الجثث المتفحمة فى احداث النهضة

تفاصيل رواية مراسل "مصر العربية" على مجزرة "النهضة"

مصر العربية 16 أغسطس 2013 08:39

بعدما فرغنا من صلاة الفجر وكانت أول مرة لي أصلي فيها مع زميل لي في ميدان النهضة، ودعت زميلي الذي جلست بجانبه في خيمة صغيرة أمام كلية الهندسة كنا اشتريناها سويا من العتبة.

 

واتفقت أنا " ط .م" وزميلي أننا سنتقابل غدا (الخميس اليوم التالي للمجزرة) بإذن الله، وكنت من ضمن مئات المعتصمين في خيام ميدان النهضة أتوقع في أي لحظة هجوم الأمن لفض الاعتصام.

 


ولكن عملي كصحفي حتم علي أن أترك الاعتصام وأذهب لأؤدي واجبي في نقل حقائق أراها بعيني عن النهضة، تفاهمت مع قوات الأمن التي تواجدت بكثافة وتأهب واستعداد كاستعداد لدخول معركة حربية، خرجت من منطقة بين السرايات لأمشي في شارع المرور ومنه إلى منطقة البحوث.

 

الساعة 6:00 وضعت يدي في جيبي لأخرج مفتاح العمارة التي أقطن بها، رن الهاتف لأنظر فيه وأرى اسم صاحبي وأرد لأسمع صوته المرتعش "باين المرة دي بجد يا صاحبي .. الخونة هيعملوها ويفضوا الاعتصام"، ليشرح لي بعدها في 3 دقائق كم المدرعات التي تحيط بمداخل النهضة في كل مكان وعدد الجرافات الثقيلة الكفيلة بهدم مبنى كلية الهندسة كاملا في نصف ساعة، ورؤوس الجنود التي ملأت الأفق.

 

أقلنى تاكسي مسرعا إلى منطقة بين السرايات مرة أخرى، لكن منعتني قوات تأمين الميدان بقوة إلا أني أصررت على الدخول فسمحوا لي وخاصة بعدما أخرجت لهم كارنيه الجريدة التي أعمل بها، وحينها دخلت مسرعا إلى الميدان.

 

وكانت الساعة 7:00 "ساعة الصفر" توجهت فيها الجرافات باتجاه المعتصمين لتزيل من أمامها كل شيء قام المعتصمون بوضعه من حواجز رملية خشبية، فيما خرج بعض المعتصمين لمواجهة الجرافات بالهتاف "سلمية سلمية" "الله أكبر" دون تراجع من أمام الجرافات التي تدهس كل ما يقابلها، ما دفع البعض لرشق الجرافات بالحجارة.

 

لم تعط قوات الأمن فرصة للاشتباك وأطلقت المدرعات ومعها المئات من جنود وضباط الأمن المركزي وابلا من قنابل الغاز باتجاه المعتصمين، ليمتلئ ميدان النهضة بدخان كثيف لا ترى أمامك سوى بضعة أمتار، وتسمع صراخ استغاثة المعتصمين، ودوي الطلاقات يعصف بأذنيك من كل مكان، حرب بكل المقاييس وليس مجرد فض اعتصام.

 

أتحسس الخيام التي أزالتها الجرافات لأصل إلى زميلي الذي وجدته بالقرب من مدخل كلية الهندسة ملقى على الأرض ومصابا بإصابة طلق خرطوش في القدم، وفور أن رآني صرخ بأعلى صوته "كلاب الداخلية القناصة بيصيدونا.. الكلاب اليهود الذين لايعرفون معنى السلمية". ثم يحضنني بشدة ويقول منهمرا في البكاء "عبد الرحمن استشهد ومحمود كمان.. وأحمد رأيته يتفحم بداخل خيمة.. الكلاب ولعوا فيها".

 

في هذه الأثناء امتلأت سماء ميدان النهضة بدخان كثيف نتيجة قنابل الغاز المسيل للدموع والحرائق التي نشبت في الخيام، وكانت الأصوات من حولي كأنها حرب، طائرات الجيش ترفرف فوقنا وطلقات الخرطوش والحي وقنابل الغاز، بالإضافة لانفجار أنبوبة غاز من حين لآخر.


لم أتمالك نفسي من البكاء وحاولت حمل صاحبي إلى داخل كلية الهندسة مع مئات المصابين في الميدان فحملته مسرعا إلا أن عساكر الأمن المركزي جاؤوا إلينا مثل الجراد من كل مكان فأخرجت بطاقة هويتي الصحفية وأبلغتهم أني أغطي الأحداث وصاحبي مصاب لأفلت من أسلحتهم التي يحملونها وبالفعل اقتادوني أنا وصاحبي الذي ينزف إلى إحدى العربات المصفحة ووضعونا بداخلها، وأنا أصرخ بكل قوة "شوفو لينا إسعاف زميلي مصاب هيموت".

 

ووجدت داخل العربة المصفحة من يمسك بيدي ليساعدني إنه زميل آخر لي في الجريدة وقد اعتقلته قوات الأمن وهو يصور الجثث المتفحمة داخل الخيام بعد حرقها من قوات الأمن فمنعوه وانهالوا عليه بالضرب وأخذ أحد الضباط منه الكاميرا ليدهسها بقدمه مثل علبة "كانز" فارغة، ويقتادوه أيضا إلى تلك العربة.

 

ولم نكن نحن الثلاتة فقط المقبوض علينا كان معنا حوالي 10 من الشيوخ ذوي اللحى، وقد ضُربوا ضربا مبرحا وكلهم منهار من البكاء على زميل أو أخ أو ابن عم له استشهد أثناء فض الاعتصام بطريقة يعلم الله رب العالمين أنها منافية لكل معاني الإنسانية والرحمة.

 

تحركت العربة بنا ولا نعلم أين نذهب حتى وصلنا إلى قسم الدقي ثم أنزل الجنود بعضنا ومعهم صاحبي بالقوة والاعتداء عليهم بالضرب حتى وهم مصابون، وأخذوا البقية بمن فيها أنا إلى مبنى مديرية أمن الجيزة، وحينها أنزلونا هناك لندخل إلى المبنى وجلسنا خاضعين بحراسة "كلاب الأمن" لأخرج في لهفة هاتفي وأتكلم بسرعة مع أخي وكان معه قريب لي يعمل في المخابرات العامة وأشرح لهما أين أنا، إلا أن أحد الجنود رآني أتحدث في الهاتف فأخذه مني وأعطاه لأحد الضباط.

 

وبعدها تم إدخالنا جميعا إلى طرقة بها غرف كثيرة، ودخل على أحد الضباط، قائلا "إيه الي وداك النهضة وأنت عارف إن فيه حرب هتقوم"، لأرد عليه بصوت مرتعش "أنا صحفي ودا الكارنيه كنت رايح أغطي الأحداث" ليتركني بعدها محتجزا في الغرفة لمدة 6 ساعات كاملة يدخل واحد ويخرج آخر، ولم أعلم ماذا فعلوا بمن كانوا معي إلا أننى سمعت صراخهم أثناء الاعتداء عليهم بالضرب والسحل من الأمن.

 

بعدها دخل علي أحد الضباط مرة أخرى ليخبرني بأنه سيخرجني من هنا دون أي اعتداء علي، ثم أعطاني هاتفي لأتحدث مع شقيقي، وأطمئنه، وفعلا خرجت بعدها بنصف ساعة ولم يتم أي تحقيق معي غير سؤال الضابط الذي سألني لماذا ذهبت إلى النهضة.

 

وخرجت لأطمئن على حالة صاحبي لأعرف من خلال مكالمة هاتفية بيننا أنه خرج هو الآخر مع زميلنا الصحفي الثالث بعد التحقيق معهما عن سبب وجودهما في اعتصام النهضة، ولكن كانت إجابتهما نفس إجابتي أنهما صحفيان ويغطيان الأحداث.

 

وفي النهاية، أشهد الله رب العالمين أن هذا ماحدث، وأن قوات الأمن تعاملت مع المعتصمين السلميين في ميدان النهضة بكل غطرسة ليقع منهم كثيرون شهداء والمئات مصابين لا حول لهم ولا قوة، فلو كانوا يحملون سلاحا مثلما يقول البعض من الإعلاميين الفاسدين دعاة الفتنة، كانوا على الأقل دافعوا عن أنفسهم.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان