رئيس التحرير: عادل صبري 08:54 مساءً | السبت 15 ديسمبر 2018 م | 06 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

ذروني ما تركتكم.. فرض الحج وعظمة التيسير في الإسلام

ذروني ما تركتكم.. فرض الحج وعظمة التيسير في الإسلام

تقارير

الحجاج على جبل عرفات

ذروني ما تركتكم.. فرض الحج وعظمة التيسير في الإسلام

سمير حشيش 13 سبتمبر 2015 09:35

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" ثم قال "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه". (متفق عليه)

 

إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مُبلّغ عن الله تعالى، وفي الوقت نفسه هو مشرع بإذن الله تعالى، فالله أخبرنا في القرآن الكريم قائلا:

 

"وَمَا أَرْ‌سَلْنَا مِن رَّ‌سُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ" (64 سورة النساء)، وقال: "مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ" (2-4 سورة النجم)، وقال: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّ‌سُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا" (7 سورة الحشر).


إذن فالرسول إن أمر أو نهى فهذا شرع من الله تعالى، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يكره كثرة سؤاله من أصحابه مخافة أن يفرض عليهم ما لا يطيقون أو يحرم عليهم ما فيه سعة لهم.
 

وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه سعد بن أبي وقاص: "أعظم المسلمين جرما رجل سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته". (متفق عليه)
 

ولما سأله بعض أصحابه عن السمن والجبن أحلال هو؟ قال: "مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَه"، ثم تلا قول الله "وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيَّا" (أخرجه الدارقطني والحاكم في المستدرك والطبراني عن أبي الدرداء) وللحديث روايات عن سلمان وعن أبي ثعلبة الخشني.


ولقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يهابون سؤاله لعلمهم أولا بأن ذلك يغضب النبي ص، ثم لخوفهم أن يضيق عليهم في أمر دينهم، لأنهم يعلمون جيدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرع إن أمر أو نهى.
 

فهذا البراء بن عازب يروي عنه أبو يعلى قوله: "إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب" أي يجيئون فيسألون ونحن نسمع.
 

وهذا أنس بن مالك قال: "نهينا عن كثرة السؤال فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من البادية يسأل رسول الله ونحن نسمع" (جزء من حديث متفق عليه عن أنس).


لماذ كره الرسول كثرة السؤال؟


وفي الحديث الذي صدرت به مقالي بيان واضح لكراهة النبي صلى الله عليه وسلم كثرة السؤال، مع بيان علة هذه الكراهة، فيقول صلى الله عليه وسلم: "لو قلت نعم لوجبت...".
 

وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم تمنى أن يترك الأمر لعامة المسلمين يفهم كل منهم ما يريد مادام فهمه محتملا في النص ومتسقا مع صحيح اللغة.
 


ولقد حدث هذا فعلا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في القصة المعروفة بـ"صلاة العصر في بني قريظة"، والحديث كما أخرجه البخاري ومسلم:
 

عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، وقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي ولم يرد ذلك منا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعنف واحدا منهم"
 

وللحديث روايات عن عائشة وعن جمع آخر من الصحابة كلها تدور حول هذا المعنى


قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه.
 

وقال النووي في شرح صحيح مسلم: فنظر بعض الصحابة إلى المعنى لا إلى اللفظ، فصلوا حين خافوا فوت الوقت، ونظر آخرون لظاهر اللفظ وحقيقته فأخروها. ولم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من الفريقين.


احترام العقول أساس من أسس مرونة التشريع
 

هذا، وربي، لمن أعظم الضوابط في فهم الإسلام، فـ"مَا يُرِ‌يدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَ‌جٍ وَلَـٰكِن يُرِ‌يدُ لِيُطَهِّرَ‌كُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُ‌ونَ" (6 سورة المائدة)

فالإسلام جعل في تشريعه قواعد المرونة التي بها يستوعب كل عصر وكل جديد ويستطيع التعامل مع كل الأعراف والمجتمعات مهما تباينت مع المحافظة على ضمان العدالة والمساواة والحريات والحقوق..


وهذا هو السهل الممتنع الذي لم يستطع تشريع بشري قط أن يراعيه إلا بثغرات بالغة، فإن أراد الاستيعاب لكل الحوادث أغرق في التفاصيل حتى تضيق الحياة بالناس، وإن وضع ضوابط عمومية كانت هشة غير جامعة فيفلت من ثغراتها أغلب المخالفين.


أما تشريع الإسلام فلا، فهو يضمن استيعاب الجديد وعدالة التنفيذ، فقواعده وإن كانت عامة لكنها جامعة مانعة، كما يقول أهل العلم.

لكن ذلك كله مشروط بحسن فهمنا نحن لديننا.. فهل نفهم؟!


اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان