رئيس التحرير: عادل صبري 05:36 صباحاً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

نقابيون مستقلون: الاغتيال والتخوين.. آليات الدولة لمنع تأثيرنا

على خلفية تصدير نموذج الحكم الصيني

نقابيون مستقلون: الاغتيال والتخوين.. آليات الدولة لمنع تأثيرنا

أحمد بشارة 07 يناير 2015 10:06

الاتجاه المصري نحو الصين ليس توجها اقتصاديا فقط، فالصين مصدر إلهام سياسي بقدر ما هي رافد من روافد الاستثمارات المباشرة. والمراقب يلحظ أن الاستثمار الصيني في مصر ارتفع نسبيا بعد زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي، غير أن التأثير الصيني السياسي هو القضية الأكثر أهمية، وبخاصة فيما يمس التنظيمات النقابية العمالية المستقلة.


إلغاء السياسة والنقابات المستقلة

التأثر بالنموذج الصيني جاء سريعا في مجال الاقتصاد لوجود رغبة متبادلة بين الطرفين مع بيئة ممهدة في مصر تتعطش للاستثمارات الأجنبية، أما مجالات التأثر الأخرى، وبخاصة التأثير السياسي فتحتاج مزيدا من الوقت لأنها ترتبط بحاجة ضرورية لتمهيد الأجواء وحرث الأرض. وهذا ما يثير التساؤل: لماذا التأني؟ وما الحاجة لتمهيد التربة العمالية؟

من خلال قراءة ردود الأفعال على السلوك السياسي لنظام ما بعد 3 يوليو، نجد أن الاتجاه العام يرى أن النخبة العسكرية النافذة في مصر، والتي يحكم مصر قطاع منها، هذه النخبة لا تثق بالمجتمع المدني المصري، وترى أن 25 يناير والروح التي تلتها ظاهرة بالغة السلبية، حتى وإن تظاهرت بعكس ذلك. هذه النظرة السلبية لمشروع 25 يناير دفعت النخبة الحاكمة للاتجاه لتصفية القوى السياسية المصرية ومنها النقابات العمالية المستقلة، للوصول لتطبيق النموذج الصيني في الحكم الذي يلغي السياسة ويجعل الحكم نموذج إداري.

مؤشرات كثيرة تفيد اتجاه النخبة الحاكمة المصرية في هذا الاتجاه، لعل آخرها وأبرزها تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي على أن الدولة هي الأساس وأنها أهم من الأنظمة. فهل هذا الوضع يمكن أن يؤثر على النقابات المستقلة المعبرة عن العمال. وبمعنى آخر، هل تتجه الدولة لإلغاء النقابات العمالية المستقلة والإبقاء فقط على اتحاد عام "مستأنس" للعمال؟


من التشويه إلى الاغتيال

تحدث موقع مصر العربية مع عدد من قيادات النقابات العمالية المستقلة لرصد ومعرفة الآليات التي ستتبعها الدولة لتحجيم قوتهم، وكان رد البعض أن اساليب الدولة متعددة بالفعل في هذا الصدد، بينما رأى آخرون أن الدولة لن تستطيع المجازفة والوقوف في وجه العمال.

يقول محمد حردان رئيس النقابة المستقلة للعاملين بمياه الشرب والصرف الصحي: إن الدولة ستواصل عمليات التشويه ضد العمال، فضلًا عن تضيق الخناق عليهم، واتهامهم بالتمويل الخارجي أحيانا، وأحيانا أخرى تتهمهم بالتطبيع مع "اتحاد نقابات عمال الكيان الصهويني «هستدروت»"، بالاضافة إلى اتباع سياسة الضغط على إدارة الشركات لاضطهادهم.

ويوضح «حردان» أن اضطهاد إدارات الشركات للمستقلين تكون من خلال الإضرار بهم والتلاعب  بمستحقاتهم المالية كالخصومات والأرباح والحوافز، أو الإضرار الإداري كالجزاءات والتلاعب بتقرير الأداء السنوي، بالإضافة إلى تجريد الممثل النقابي من كافة صلاحياته النقابية وفصله تعسفيًا سواء من نقابته المستقلة أو من شركته.

ويضيف أن الدولة لجأت في الفترة الأخير إلى تصفيتهم جسديا عن طريق اغتيالهم، ضاربًا بـ «محمد عمر» القيادي بالحديد والصلب مثلًا، حيث ترصدت له الإدارة وزجت آخرين عليه لقتله، بالإضافة إلى العراقيل التي تضعها وزارة القوى العاملة أمامهم بعد أن أوقفت وزيرة القوى العملة والهجرة د. ناهد عشري إصدار أي خطابات بنكية لفتح حسابات للنقابات مما يساعد على إشهارها.

ويؤكد «حردان» أن فكرة وجود كيان عمالي موحد قد أثبتت فشلها، حيث أظهر هذا الكيان خنوعه للحكومة، وتنفيذه لإستراتيجيتها، في الوقت الذي فشل فيه في الدفاع عن حقوق العمال والإتيان حقوقهم، واعتبر حردان أن هذا السبب هو الذي كان عاملا حاسما في ظهور النقابات المستقلة.

كما نفى رئيس نقابة مياه الشرب والصرف الصحي المستقلة، وجود أية عداوة مع الاتحاد العام للعمال، وأكد أن الخلاف فقط مع قيادة هذا الاتحاد التي وصفها بالمتربحة والمستفيده من مراكزها.


تصدير النموذج السياسي الصيني مرفوض

ومن جهة أخرى، اتفق طارق بحيري نائب رئيس النقابة المستقلة للعاملين بهيئة النقل العام مع ما جاء في حديث «حردان» بشأن الآليات التي تتخذها الدولة لتصفية قوة النقابات العمالية المستقلة.

ورحب «بحيري» في تصريح لـ «مصر العربية» بالاستثمارات الصينية في مصر، رافضًا تطبيق النموذج الصيني الحاكم الذي يلغي السياسة ويحول العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى إدارة بدون تفاعلات سياسية. يقول بحيري: "نحن لا نريد إدارة ولكن نريد إستثمارات، فمصر لديها عقليات تستطيع الإدارة بينما نحتاج إلى الاستثمار".

وأوضح بحيري أن الدولة لن تستطيع حجب النقابات المستقلة؛ لأن مواد دستور 2014 تحفظ حقهم في تشكيل نقابتهم دون تدخل الجهة الإدارية في هذا الحق، لافتًا إلى أن العمال لن يسمحوا - بأي حال من الأحوال - بالتعدي على المواد التي أقرها الدستور لصالحهم.

وأشار نائب رئيس النقابة المستقلة للعاملين بهيئة النقل العام إلى أن العمال قادرين على «العصيان المدني» كما حدث مع الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك إبان ثورة يناير، وتغيير الحكومة كما حدث مع حكومة الدكتور حازم الببلاوي حال مخالفتهم للدستور.

وطالب «بحيري» بإصدار قانون التنظيم النقابي المعورف باسم «قانون الحريات النقابية» إذا أرادت الدولة عمل كيان عمالي واحد يجمعهم ويتحدث باسمهم، حيث يختار العمال قيادات هذا التنظيم، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تعني أن الدولة ستجد نفسها أمام قيادات عمالية منتخبة تحرص على النهوض بالبلاد والحركة العمالية، وتبتعد عن الاعتصامات والاضراب؛ في حال التواصل مع القيادات المختارة والتنسيق مع العاملين في كل منشأة.


«الحريات النقابية» ضرورة

ومن جهة ثالثة، يري محمد عابدين عضو حملة "نحو قانون عادل للعمل" أن الدولة قد حاربت النقابات المستقلة منذ إعلان مبادئ قانون تنظيم العمل النقابي «الحريات النقابية» خلال فترة تولي الدكتور أحمد البرعي منصب وزير القوى العاملة والهجرة في مارس 2011.

وكشف في تصريح لـ «مصر العربية» أن مصر كانت خارج قائمة الملاحظات الدولية المطولة منذ 2008، وفي 2014 تم إدراجها مرة أخرى لحين صدور قانون ينظم إنشاء النقابات أو وجود قانون يتحدث عن الحريات النقابية، وأشار إلى أن مصر لن تحصل على تقدير المجتمع الدول في حال تبييت نية من الحكومة لاضطهاد النقابيين العماليين المستقلين.

واستنكر عابدين موقف الحكومة من التأجيل المستمر لاعتماد قانون الحريات النقابية، موضحًا أن مصر تعهدت خلال مؤتمر منظمة العمل الدولية في دورته الماضية لعام 2014، أنها ستعتمده قبل انعقاد الدورة التالية المقرر عقدها في يونيو 2015.

جدير بالذكر أن النموذج الصيني الذي يلهم النخبة المصرية الحاكمة نموذج يلغي القوة السياسية لأي طرف أو فاعل سياسي قادر على أن يمثل تحدي لقرارات الدولة وسياساتها العامة عندما تهدد مصالحه. ولهذا، فإن التجربة الصينية تعمل على السيطرة على كل القوى الاجتماعية من عمال أو رجال أعمال أو فلاحين أو أحزاب سياسية.. إلخ. كيف تفعل هذا؟

يقوم النموذج الصيني على اختيار منظمة واحدة فقط للتحدث باسم العمال، ومنظمة واحدة فقط للتحدث باسم الفلاحين، وأخرى واحدة فقط للتحدث باسم "أصحاب المشروعات".. إلخ. ولا يعني هذا أن الدولة تقضي على التنظيمات الأخرى، بل على العكس تبقيها قائمة، لكنها تجردها من عناصر القوة.

وإلى جانب هذا، فإنها تعمل على دمج المنظمات التي تعترف بها في عمليات صناعة السياسة العامة للدولة، وتعطي لهذه المنظمات أدوارا في تنفيذ السياسة العامة، وأكثر من ذلك؛ تستخدم الدولة هذه المنظمات في السيطرة على القوى التي تعبر عنها، فالدولة تستخدم "اتحاد الشغل" للسيطرة على العمال، كما تستخدم "اتحاد أصحاب المشروعات" للسيطرة على رجال الأعمال، وهذه السيطرة ترتبط بصلاحيات تحتكرها المنظمات التي تعترف بها الدولة، مما ييسر لها وظيفة السيطرة على الجموع البشرية التي تديرها.

 

اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان