رئيس التحرير: عادل صبري 04:43 صباحاً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

النزاع على بحر الصين الجنوبي: تحويل المناطق الاقتصادية إلى مياه اقليمية

النزاع على بحر الصين الجنوبي: تحويل المناطق الاقتصادية إلى مياه اقليمية

تقارير

بحر الصين الجنوبي

النزاع على بحر الصين الجنوبي: تحويل المناطق الاقتصادية إلى مياه اقليمية

يان جونسون 01 أكتوبر 2014 19:14

نشر ضابط في البحرية الأميركية غير معروف، يدعى ألفرد ثايرماهان، في 1890 كتاباً وسمه بعنوان «تأثير القوات البحرية في التاريخ 1660-1783» كان له أثر عميق لدى أجيال من الاستراتيجيين. وفكرة ماهان هي أن على الأمم الكبيرة إنشاء اسطول بحري قوي،

 

وبناء قواعد نائية تستقبل هذه القوة في أرجاء العالم كله. وترددت أصداء الكتاب وفكرته في دوائر السياسة الدولية، فأقسم امبراطور المانيا غليوم (أو غيوم فيلهيلم) الثاني على حفظه عن ظهر قلب، وعلى العمل بموجب إرشاده في منازعته بريطانيا العظمى، وبحريتها الملكية، على المحل الأول. وغداة وفاته أوائل الحرب الأولى، دين ماهان بالمسؤولية عن سباق التسلح الذي أدى الى انفجار الكارثة العالمية.

 

ويتمتع كتاب ماهان اليوم في الصين بالمكانة التي تبوأها في ألمانيا الفيلهيلمية، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فجددت دور نشر في بكين طباعة كتب الضابط الاميركي، وأرفقتها بخريطة كبيرة للمحيط الهادئ وسواحله، عليها علامات فارقة تدل الى مواقع القواعد الاميركية وتجهيزاتها. ودلالة الواقعة لا لبس فيها: إذا شاءت الصين بلوغ مرتبة القوة العظيمة أو الكبيرة عليها أن تنافس القوة البحرية التي تملكها الولايات المتحدة، في منطقة نفوذ الصين على الاقل. وتأثير كتاب ماهان هو أحد خيوط الكتاب الرائع الذي عالج فيه جوف داير «مباراة القرن» (تتمة العنوان:» المنافسة مع الصين في طورها الجديد: وكيف يسع الولايات المتحدة الانتصار فيها»). وتشبه التتمة الملخصات الجامعة لنصائح تتناول تحقيق توازن صحي وغذائي ونفسي، لكنها تسدى الى قوة عظمى آفلة.

 

ويصادف كتاب داير الوقت الأمثل الذي تتبلور فيه نزاعات شرق آسيا على أكمل وجه. وهو يتخذ من المسائل البحرية القرينة الأوضح على نيات بكين. فيكتب غير متقيد باللياقات والمداهنات: «دعكم من الخطب الرنانة والجوفاء! قادة الصين ينكبّون بكل جوارحهم على التفكير في الامور تفكيراً استراتيجياً وغايتهم الاولى هي إضعاف أسس القوة الاميركية تدريجاً». ويخالف هذا الرأي نظرية غالبة تزعم أن مشاغل الصين داخلية خالصة، ويستبعد الخوف على تماسك النظام وتحدي الولايات المتحدة. ويلاحظ داير، وهو سابقاً كان مديراً لمكتب صحيفة «فايننشال تايمز» في بكين، أن للصين منذ اليوم التزامات خارج حدودها، ويرى ان «الاضطراب الداخلي لا يلجم تحفّزها بل يغذي رغبتها في التحرك على المسرح العالمي مرفوعة الرأس».

 

ولا يشبه كاتب «مباراة القرن» زرقاء اليمامة، ولا يتوقع الويل والثبور، ولا يزعم أن واشنطن وبكين سائرتان حتماً الى حرب. فالحرب بين طرفين مسلحين بالسلاح النووي ضعيفة الاحتمال. ودأبه هو وصف تحول الصين من حال الى حال، ورغبتها في صوغ المعايير الدولية من غير الاكتفاء بقبولها والانصياع لها. وهو يعزو بروز الصين على المسرح العالمي الى نظام التجارة والأحلاف الذي صنعته الولايات المتحدة غداة الحرب العالمية الثانية. فأميركا لم تحظر على الصين شراء المواد الخام الأولية ولا تصدير سلعها، وتولت البحرية الاميركية بسط الأمن في المحيطات، فأمكن الصين نقل ما تنتجه الى المستهلك الأميركي من غير معوقات ولا حواجز. والسبب في تقلص النفوذ الأميركي هو توسل الصين ازدهارها الاقتصادي لإحياء مطالبها الاقليمية القديمة، عبر صوغ المعايير الدولية على نحو جديد.

 

ولعل أوضح دليل على هذه الحال هو معالجة الصين مسألة قانون البحار. فمعاهدة الأمم المتحدة التي وقّعت عام 1982 تنص على امتداد المياه الاقليمية 12 ميلاً من ساحل البلد، وتخص البلد بـ «منطقة اقتصادية حصرية» من 200 ميل. والمادتان لا تترتب عليهما حقوق واحدة: فلا يجوز الإبحار في مياه البلد الاقليمية إلا بإذنه، أما المنطقة الاقتصادية فتجيز للبلد استغلال القاع البحري، ولا تحول دون الملاحة الأجنبية الحرة فيها، ولا تحظر إبحار السفن الحربية.

 

وتعمد بكين الى تعريف المنطقة الاقتصادية على غرار منطقة إقليمية جوية وبحرية، فتتسبب في سلسلة منازعات بين قواتها والقوات الاميركية. وعلى سبيل المثل، كانت سفينة مراقبة أميركية تقطر عام 2009 مركباً محمّلاً أجهزة صد على مسافة 70 ميلاً من الشواطئ الصينية، حين طوقتها مراكب صينية ونشرت حولها كريات خشبية تمنعها من الملاحة، وحين استدارت السفينة وأرادت الرجوع، استعمل البحارة الصينيون قصبات حطمت أجهزة الرصد المحمولة على المقطورة.

 

في كانون الاول (ديسمبر) 2013، انخرطت حاملة الطائرات الصينية، لياونينغ، في مواجهة بحرية كادت أن تتحول اشتباكاً. فهي أبحرت جنوباً صوب المياه المتنازعة ببحر الصين الجنوبي. وتبعتها سفينة اعتراض أميركية. ولما بدت هذه قريبة جداً، أي على مسافة نحو عشرات من الاميال، قامت فرقاطة صينية بمناورة غير مأمونة وقطعت طريق القطعة الأميركية وأجبرتها على التراجع. ويقول الصينيون ان العملية كانت ضرورية في سبيل حماية حاملة الطائرات. وسلامة الحاملة لم تكن مهددة فعلاً، غير أن هذا الصنف من القطعات البحرية عَلَم على قوة الدولة، وقرينة دامغة على اتساع دائرة انتشارها.

 

وهذه الحادثة أعقبت تعريف الصين فضاء اقليمياً في بعض أجزاء المحيط الهادئ، وإنشاءها منطقة حظر جوي تشمل جزراً تحت سيطرة اليابان وسيادتها. وكان هذا الفصل الأخير من مناورات رمت الى إثبات سيادة الصين على جزر سينكاكو (اسمها الياباني) أو دياويو (اسمها الصيني). ولهذه الحوادث وأشباهها علل تستوفي تفسيرها، وهي قد تبدو مضحكة (ما معنى رمي الكريات الخشبية؟ هل يشبه معركة أبوقير) لكنها إذا جُمعت وسلسلت، استوت مرآة لرغبة الصين في توسيع دائرة قوتها، وقامت في ضوء مطامعها الاقليمية دليلاً على إرادتها فرض سيطرتها على بحر الصين الجنوبي كله، أي على كل المياه بين فيتنام الى الغرب وماليزيا جنوباً والفيليبين شرقاً. فإذا بسطت الصين سيطرتها على الجزر المتنازع عليها وفي هذه المياه، وسعها تحويل المنطقة الاقتصادية الحصرية حول الجزر الى منطقة إقليمية، وثبتت سيادتها على بعض أعظم طرق الملاحة الدولية.

 

قد يبدو تحقيق الأمر بعيداً، ولكن القانون الصيني يعتبر مياه المنطقة الاقتصادية مياهاً وطنية خاصة، وعمدت بكين، في كانون الثاني (يناير) 2014، الى إعلان تنظيم الصيد البحري في بحر الصين الجنوبي. ويلزم القانون مراكب الصيد غير الصينية بالحصول على رخصة صيد من بكين قبل الخوض في مياه دولية. وتوكل مواد القانون مراقبة هذه المياه الى حرس السواحل وليس الى البحرية الحربية. وقد يفسَّر ذلك دليلاً على رغبة الصين في استبعاد الأسطول الحربي وتدخله في شأن مدني، وهو بالأحرى دليل على إعلان الصين أن مراقبة هذه المياه من مهمات شرطييها ووظائفها الداخلية. فمن تقصد هذه الاجراءات حمله على الاذعان؟ هل تقصد الفيتناميين؟ فمنذ قرون ومراكب الصيد الفيتنامية تصيد السمك في هذه الجهات. فلا يُتوقع أن يبرق الصيادون الى مكاتب حرس السواحل الصينية يستأذنونها السماح لهم بالصيد. الارجح أن بكين تمهد الطريق، في اطار استراتيجية طويلة الامد، الى السيطرة على هذه المياه، وهذه الاجراءات علامات في الطريق.

 

ويحتج دايِّر لرأيه بحجج ومقارنات تاريخية. في 1923، أعلنت واشنطن «مبدأ مونرو» الذي نص على أن محاولة دول أوروبية استعمار بلدان أميركا الشمالية والجنوبية أو التدخل في شؤونها، منذ الاعلان، عدوان يوجب على الولايات المتحدة الرد عليه بالحرب. والحال أن المبدأ كان حركة مسرحية: فالولايات المتحدة لا تملك بحرية في مقدورها الاضطلاع بالمهمة، وبريطانيا مضت على سيرتها مستخفة بالاعلان الأميركي، ولم يثنها عن السيطرة على البحر الكاريبي وهو بمثابة بحر الصين الجنوبي في نظر بكين اليوم. وفي 1890، عام صدور كتاب ماهان، كانت البحرية الأميركية موضع تندّر وسخرية. ولكنها، في غضون عقد من السنين، انقلبت قوة حاسمة، أرست سيطرة الولايات المتحدة على الكاريبي وطردت النفوذ البريطاني من معاقله. وقد يتكرر السيناريو في بحر الصين، وتتقمص أميركا والصين الدورين الماضيين. وهذا شبه سطحي.

 

 

* صحافي كندي حائز جائزة بوليتزر ومراسل «نيويورك تايمز» في بكين، عـــن «نيويورك ريفيو أوف بوكس» الاميركية، 8/5/2014،

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان