رئيس التحرير: عادل صبري 10:49 صباحاً | الأحد 21 أكتوبر 2018 م | 10 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

العلماء والسلطة.. تبرير "بما لا يخالف شرع الله"

العلماء والسلطة.. تبرير بما لا يخالف شرع الله

تقارير

د. سعد الدين الهلالي ود.ياسر برهامي

العلماء والسلطة.. تبرير "بما لا يخالف شرع الله"

إسلام عبد العزيز 10 سبتمبر 2014 09:58

في مقاله بجريدة الوطن، ذكر الدكتور سعد الدين الهلالي تحت عنوان "استثمار محنة انقطاع الكهرباء" أن الشعب المصرى الأبىّ قادر على أن يستفيد من أزمة انقطاع الكهرباء بما يعود عليه بالنفع والخير، مثل استثمار الوقت فى صلة الأرحام وإجراء المكالمات التليفونية المؤجلة، والتواصل مع الزوجة والأولاد بالتقارب، مضيفا: ويمكن استثمار هذا الوقت أيضا في التفرغ لبعض الوقت فى الذكر والتسبيح والصلاة على النبى، صلى الله عليه وسلم...".

وبغض النظر عن مدى نجاعة هذه الطرق في تسكين ألم انقطاع الكهرباء عن الحياة المصرية، فإن هذه المقالة اعتبرها كثيرون دليلا على قدرة بعض علماء الدين غير المتناهية على تبرير واقع الأنظمة السياسية، عوضا عن المطالبة بإصلاح ما يعتريها من نقص، أو البحث في أسباب النهوض بها.

والحديث عن علماء الدين تحديدا يأتي من كون خطابهم يحمل لدى الجماهير قدسية الدين الذي يحسبون عليه، وبالتالي تنتقل هذه القدسية إلى تصرفات الأنظمة وواقعها الذي يبررونه.

تبريرات الموالين

وبرغم من قدم هذه الظاهرة وامتدادها الأفقي داخل العالم العربي إلا أن السنوات الثلاث الأخيرة في مصر قد شهدت كثيرا من تلك التبريرات مع مختلف الأنظمة التي توالت عليها في هذه السنوات.

وقد اعتبر البعض من هذا النوع خطاب مفتي الجمهورية الدكتور شوقي علام حينما طالب في تصريحات صحفية بتحديد النسل، واعتباره من الواجبات القومية، حلا لمشكلة الغلاء.

ومنها أيضا ما أفتى به الدكتور ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية على موقع أنا السلفي في تعليقه على غلق معبر رفح، حيث برر "برهامي" غلق المعبر قائلا إن هدفه ليس الحصار، وإنما لكي يبقى أهل غزة بأرضهم، ومنع تفريغ القطاع لصالح "إسرائيل".

وقال برهامي: "أما مسألة إغلاق الحدود والسماح بمرور الجرحى والمرضى والمساعدات فقط، فإنها مسألة فيها موازنات متعددة؛ فلربما كان مِن مصلحة غزة وفلسطين ألا يسمح لكل مَن أراد الخروج منها بالخروج تحت ضغط الحرب فإنه ربما تفرغ مِن معظم سكانها".

ومنها أيضا ما حدث من وزارة الأوقاف المصرية في عهد وزيرها الدكتور محمد مختار جمعة بعد توحيد خطبة الجمعة، حيث تحدث البعض عن موضوعات تفرضها الأوقاف لتبرير سياسات النظام، ومنها ما حدث في خطبة جمعة التاسع والعشرين من نوفمبر 2013 التي تلت إقرار قانون التظاهر (25 من نفس الشهر)، والذي قوبل بوابل من التظاهرات ضده، لم يفت الوزارة أن تخصص محورا من محاور الخطبة الأربعة عن هذا الأمر، تحت عنوان "التأكيد على إيثار المصلحة العليا للوطن على أى مصلحة حزبية، أو فئوية، أو شخصية".

وفي أحداث تفجير المنصورة، كان المنبر جاهزا، فكان عنوان الخطبة "براءة الإسلام من العمليات الانتحارية والتفجيرية والتخريبية"، وأصدرت الوزارة هنا نص الخطبة، ولم تكتف بذكر الأفكار والمعاني.

وفي أواخر ديسمبر، ارتفع الحديث عن استعداد الحكومة لفرض التسعيرة على الأسواق بعد ارتفاع للأسعار، وذلك بعد فشل  معالجة الظاهرة من خلال التسعيرة الإرشادية، وهنا كانت الوزارة جاهزة بمنابرها، فكان عنوان الخطبة لجمعة العشرين من شهر ديسمبر "حرمة التلاعب بأقوات الناس وحاجاتهم الأساسية" وشملت الخطبة التأكيد على النهي عن الاحتكار وغلاء الأسعار، وعن النهي عن التلاعب بأرزاق الناس وأقواتهم.. ما اعتبره البعض تبريرا لواقع يريده النظام.

الإخوان على خط التبرير

وفي الاتجاه المعارض لم تنج المعارضة للنظام وعلى رأسها الإخوان من هذه الظاهرة، ويمكن اعتبار حديثهم عن زلزال 1992 أحد تلك المواقف، حيث كان خطاب الإخوان المسلمين أن هذا الزلزال عقاب من الله جراء غضبه على أهل مصر لما يفعلونه من موبقات، وفي مقدمتهم النظام السياسي، نظام حسني مبارك، وحينها رفض العلماء الرسميون هذا الخطاب مستبدلين به خطاب: القضاء والقدر، وأن الزلازل ظواهر كونية لا علاقة لها بغضب الله، وكان من دعاة هذا الخطاب وقتئذ الدكتور أحمد عمر هاشم.- رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب ..

كذلك يمكن اعتبار تعامل الإخوان مع قرض صندوق النقد الدولي أحد تلك المواقف، ففي حين رفضه علماء الإخوان والمحسوبون عليهم أيام حكومة الجنزوري مؤكدين على أنه ربا محرم، دعا بعضهم إلى تجديد الاجتهاد بشأنه وقت أن أقدم عليه الدكتور مرسي وحكومته، عقب مقابلته رئيسة صندوق النقد.

ومن هؤلاء الذين دعوا إلى التجديد وقت إقدام الدكتور مرسي عليه الشيخ عبد الخالق الشريف رئيس لجنة نشر الدعوة بالإخوان المسلمين، حيث طالب في مقال طويل بما أسماه الاجتهاد الجماعي في مثل تلك المسائل قائلا: لقد عانينا كثيرًا من إهمال في مجال بيان فقه الدولة، والأحكام الشرعية المتعلقة بنوازل الأمة، والاعتماد على الفتوى الفردية حتى ظهر لنا ما يؤذي في قانون الطفل وأمر ختان الأنثى وغير ذلك، إن صيانة المجتمع في حاجة إلى الفتوى الجماعية التي تضم كبار العلماء.

ومن العلماء المحسوبين على التيار الإسلامي الدكتور حسين شحاتة والذي وضع ضوابط للتعامل مع صندوق النقد والاقتراض منه في عهد الدكتور مرسي.

كهرباء لا شمس

وفي تعليقه قال د. وصفي عاشور عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لـ "مصر العربية": الملاحظ في كلام الدكتور هلالي أنه تعامل مع ظاهرة انقطاع الكهرباء في مصر كما يتم التعامل مع كسوف الشمس، من الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره، دون التفريق بين كسوف الشمس باعتبارها ظاهرة كونية، بتدبير إلهي لا مناص للبشرية سوى الاستسلام له، بخلاف انقطاع الكهرباء، التي على الإنسان أن يطالب الحكومة بالعمل على علاجها!!

وقال عاشور: الفرق بين الظواهر الكونية، والظواهر البشرية  كالفرق بين الموت والقتل، كلاهما زهوق للروح، لكننا لا نملك إلا التسليم بقضاء الله في الأولى ، بينما يجب علينا البحث عن القاتل في الثانية ومعاقبته، وإلا احتج بالقدر كل جان ومجرم، ولما تمكنا من عقاب أحد من البشر.

واستدرك قائلا: غير أن هذه الظاهرة ليست بالمبتدعة على يد الدكتور هلالي، فلا يكاد يوجد نظام سياسي إلا وقام العلماء المؤيدون له بتبرير واقعه كله بمزاياه وعيوبه، بل ربما تعدى الأمر ليصل إلى إعطاء شيك على بياض لتبرير أي أخطاء مستقبلية محتملة!

وقال: حتى التاريخ القديم شهدا كثيرا من تلك المواقف ومنها ما روي عن المهدي أمير المؤمنين وغياث بن إبراهيم، حيث  دخل غياث على المهدي وكان إذ ذاك يلعب بالحمام، فأنشأ غياث يقول مبررا لعب المهدي بالحمام، «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر او جناح» فزاد في الحديث كلمة "أو جناح" بينما الحديث ليس فيه ذلك، غير أن المهدي أيضا فطن لتملق غياث فترك الحمام وأمر بذبحها، وقال متأسفا: "أنا حملته على ذلك، وقال لغياث: أشهد أن قفاك قفا كذاب”.

الرؤية الكلية

أما الدكتور جمال قطب رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف فقد عزا ما قال إنها ظاهرة تبرير القناعات على كل المستويات إلى غياب الرؤية القرآنية الكلية للكون والحياة عن كل المتصدرين للخطاب سواء الدعوي أو الفقهي أو الإعلامي.

وقال قطب لـ "مصر العربية": أغلب النخب في مصر عندي كالطفل الذي يظهر على قنوات السلفيين مرتديا جلبابا أبيضا وغطرة ويقف خطيبا، يحتفون به ويفرحون، لكنهم لا يدركون أنه يسيء من حيث يريدون له أن يحسن.

وأوضح قطب: الفقيه الذي لم يمتلك أدواته والداعية الذي افتقد الرؤية الكلية للكون والحياة هو كهذا الطفل، استكمل الشكل الخارجي من جلباب وغطرة، يساويها مؤهل علمي ودراسات عليا قد تصل إلى درجة الدكتوراه، لكنه يفتقد الاهم.. وهو الرؤية القرآنية الكلية للكون والحياة، وبالتالي تحدث مثل هذه الظواهر، سواء في جانب النظام أو في جانب المعارضة.

وقال: لقد أشار القرآن إلى مثل هذا الصنف من المتعالمين فقهاء أو دعاة أو مصدري خطاب إعلامي عام، فقال: "كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين.." فهؤلاء ينظرون إلى عضو في القرآن، آية واحدة، كآية الجهاد أو طاعة ولي الأمر أو غيرها مثلا ويتعاملون معها على أنها هي الأصل ويتناسون ما أسماه علماء الأصول الرؤية الجامعة.. بمعنى هل القرآن كتاب حرب أم أن الحرب مثلا وسيلة، هل القرآن جعل كل معارضة لولي الأمر خروجا أم أن سياقات الفهم القرآني تقتضي غير ذلك، وعليه فقس كل الأحكام.

وعزا قطب هذه الظاهرة إلى ما قال إنه غياب التدريب عليها قائلا: الأمة كلها تعمل بدون مؤهلات للعمل وأدوات تجعلها قادرة على فهم متى وأين وكيف تعمل وتقول وتخاطب، لافتا إلى أن هذا الأمر هو السبب الأهم لضياع الحركة الإسلامية.

لكن رئيس لجنة الفتوى عاد وأكد على أن بعض هؤلاء ليس لديهم قدرة عقلية لتحمل هذا الخطاب، وهؤلاء بالفعل غير متصنعين لهذا الخطاب وإنما قدراتهم وفهومهم لا ترتقي فوقه، مشيرا إلى أنه في هذا الإطار يمكننا فهم سلوك بعض أبناء الحركة الإسلامية وقيادات كثيرة في الدولة.

وقال: لا يعني هذا أن ليس هناك من يريد تسويغ واقع النظام أو إعطاء فرصة له ليتم حسابه فيما بعد، أو من يريد التقرب إلى النظام وحجز مقعد عنده، كل هذه النوايا مفهومة ويمكن وجودها، لكن الأصل حتى في التعامل معها هو غياب ما أسميناه الرؤية القرآنية الكلية للكون الحياة.

اقرأ أيضًا:

فيديو.. أستاذة بالأزهر: ختان الإناث جريمة وأحاديث الرسول مكذوبة

تحريم الشات بين الجنسين.. فتوى وهجوم وتوضيح

بيان الـ86 عالما حول غزة.. هل هو تمرد على مفتي السعودية

"علماء المسلمين": إعلان داعش الخلافة باطل شرعا

بيت الزكاة والصدقات بين "التمجيد" و "التبكيت"

ننشر كواليس لقاء شيخ الأزهر برؤساء كنائس الشرق الأوسط

محمد عمارة: طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان