رئيس التحرير: عادل صبري 03:39 مساءً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

"المركزيون داخل الجماعة"

المركزيون داخل الجماعة

تقارير

أحمد البيلى

أحمد البيلى يكتب:

"المركزيون داخل الجماعة"

أحمد البيلى 05 أغسطس 2014 09:46

عاشت جماعة الإخوان طوال فتراتها السابقة مرحلة من الموائمة والحفاظ على التنظيم من العواصف التى تحيق به ، وهذا خلق بيئة إدارية “مركزية” وفيها تتركز السلطة والقرار بيد الشخص المركزى لضمان أمان التنظيم ، وإن كانت هذه البيئة مناسبة فى مرحلة “الموائمة” فإنها لا تناسب مطلقا مرحلة “المواجهة” التى يعيشها التنظيم اليوم ، وحالة التحدى التى تحتاج إلى تفجير طاقاته واستثمار موارده حتى ينتصر فى معركة “المواجهة” الكبرى وينقذ التنظيم والثورة ..

 
فى المعارك ما يناسب الدفاع لا يناسب الهجوم ، والمحارب البارع حينما يدافع يختبئ فى سابع أرض وحينما يهاجم ينقض كالصقر من أعالى السماء ، لذا لابد أن يفهم “المركزيون” داخل الإخوان أننا لسنا فى مرحلة الدفاع أو الموائمة ولكننا فى مرحلة الهجوم والمواجهة ، وأن ما حافظوا به على التنظيم سنين ربما يقتل التنظيم اليوم ، تماما كالإنسحاب المبكر وغير التكتيكى للجيوش يقتل الجيوش ، وكالدفاع فى وقت الهجوم يجرّئ العدو ..
 
الشخص “المركزى” هو الذى يجلس دائما وسط الطاولة يربط كل الخيوط به ولا يتكلم أحد على الطاولة إلا من خلاله وفى إطاره الذى يحدده ، والشخص “المؤسسى” ينظم الطاولة ويعنونها ثم يراقبها من بعيد ولا يتدخل إلا عند الضرورة حينما تخرج عن العنوان الذى حدد لها مسبقا ، الطاولة الأولى كل من يجلس عليها هم “المركزيون” من أدارها ومن جلس فى نطاقه ورضى بطريقته كالطفل الذى يقتاده والديه ، والطاولة الثانية كل من يجلس عليها هم “المؤسسيون” من أدارها من بعيد ومن أتم العمل وأبدع فى الإنتاج دون أن يحتاج لاقتياد أحد له .
 
“المركزيون” دائما منغمسون فى التفصيلات لا يقدرون على التفكير الإستراتيجى ولا يقع فى بؤرة اهتمامهم ، نظرتهم دائما داخل الطاولة لا يستطيعون أن يزوغوا بها بعيدا ، تشغلهم إدارة الطاولة عن ما هو خارجها فلا يلتفتون إلى ما فى بيئة العمل من فرص كان يمكن اقتناصها أو تهديدات كان يمكن تجنبها .
 
“المركزيون” محدِّدُون لمن يقودونهم فى نطاق ضيق يسمح به وقته على الطاولة فوقته موزع على الجميع ، يبذل طاقة هائلة لكنها فى النهاية طاقة موزعة لا تكفى لإعطاء المساحات الكافية للعاملين معه ليعبّروا عن أنفسهم وعن نجاحهم ولا تكفيه هو للتمييز بينهم فى الإنتاج أو لرصد إحتياجاتهم .
 
وكلما انتشر “المركزيون” إلى الإدارات العليا كلما تبنت هذه الإدارات العليا ردود فعل و تصورات غير منطقية لما يحدث في المنظمة والعاملين فيها وذلك بناء على ما ينقل لها من معلومات غير دقيقه سواء كانت إيجابية أو سلبية مما يوثر على أداء المنظمة وعملية تقييم العاملين فيها بشكل سلبي .
 
ولا يعنى هذا أن هؤلاء “المركزيون” عديمى الفائدة أو الإيجابية ، فهم يمتلكون خبرات هائلة وطاقة عالية ، لكنها لو بذلت فى قيادة المجموعات الجديدة حديثة العهد بالعمل الجماعى التى تحتاج إلى من يأخذ بيدها فيه ، ويولى لها اهتماما ويحيطها بفترة حضانة كافية داخل إطار محدد لا يخرجها عن المجموع لو تركت وحدها ، لقدمت للجماعة وللثورة وللعمل المدنى المنظم انجازا عظيما ولسدت ثغرا خطيرا ..
 
الأزمة إذا ليست بين “الشباب” و”الشيوخ” فى وجهة نظرى فهذا عَرَض للمشكلة الأساسية والأزمة الحقيقية بين “المركزيون” و “المؤسسيون” ..
 
ما أحوجنا إذا إلى تغيير جذرى وسريع فى طريقة إدارتنا فإما أن يمتلك “المركزيون” القدرة على التحول السريع وإما أن يقفوا على الثغر الذى ينتظرهم فى الصفوف الخلفية مع المجموعات الحديثة ولا غضاضة فى ذلك ولا انتقاص فيه لأحد ، يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه : (إن أول شئ عندى فى أن أصلح أمر قوم أن أستبدلهم أميرا بأمير) وفى الموقف الرائع الراقى لأبى عبيدة وخالد فى قصة عزله : فأقبل خالد حتى دخل على أبي عبيدة فقال: يغفر الله لك يا أبا عبيدة ؛ أتاك كتاب أمير المؤمنين بالولاية ؛ فلم تُعْلِمْني وأنت تصلِّي خلفي والسلطان سلطانك!! (لأن الصلاة تكون للأمير، أو الوالي على المسلمين ، حتى وإن كان مَنْ خلفه أقرأ منه ، وكان هذا فقط ما أقلق خالدًا ، فلم يسأله: لم عزله عمر؟ ولم يعترض على رأي خليفة المسلمين!) فقال أبو عبيدة: وأنت يغفر الله لك ، والله ما كنت لأعلمك ذلك حتى تعلمه من عند غيري ، وما كنت لأكسر عليك حربك حتى ينقضي ذلك كله , ثم قد كنت أُعْلِمُكَ بعد ذلك ، وما سلطان الدنيا أريد وما للدنيا أعمل، وإنَّ ما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع ، وإنما نحن إخوان وقُوَّام بأمر الله ، وما يضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه ولا دنياه، بل يعلم الوالي أنه يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة وأوقعهما في الخطيئة إلا من عصم الله وقليل ماهم.
 
والإخوان كفصيل – تربى فى أدبياته على أن القيادة لا تُعطَى لطالبها ، وأن العامل لا يهمه موقعه فى المقدمة كان أو الساقة طالما أنه يعمل – قادر على أن يبّدل مواقعه بسهولة وأن يستبدل قيادته بيسر ، فآن لهم الآن أن يجنوا ثمرة هذه التربية ويضربوا المثل الأروع ، طالما أن هناك رؤية واضحة ، وهدف يسعى له الكل ، وروح عالية من الأخوة والود تسود الجميع ..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان